مع تصاعد هجمات أوكرانيا الجريئة.. روسيا تقلّص احتفالات يوم النصر أخبار الحرب الروسية–الأوكرانية

التاسع من مايو: مناسبة مركزية ومقدَّسة

التاسع من مايو يقف في التقويم الروسي كتاريخ مُوقَّر، إذ تُحيي روسيا في هذا اليوم ذكرى انتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية عادةً بمسيرت عسكرية كبيرة عند الكرملين، في ميدان الساحة الحمراء بموسكو. كما يقول أوليج إيغناتوف، المحلل الأول لشؤون روسيا في مجموعة الأزمات: «بالنسبة لروسيا المعاصرة، هو العيد الرئيس في السنة… إذا سألت الروسيين عن أهم مناسبة، أعتقد أنهم سيجيبون: التاسع من مايو».

تغييرات أمنية وردع متزايد

هذا العام، ولأول مرة منذ ما يقرب من عشرين عاماً، لن تشارك الدبابات والصواريخ والملتحقون من الكليات العسكرية الابتدائية في العرض. قرار السُلطة بالامتناع عن عرض عتاد عسكري كبير في الساحة يعود إلى مخاوف أمنية مشددة ناشئة عن الحرب في أوكرانيا. ومع ذلك، سيشارك طلاب الكليات العسكرية العليا سيراً على الأقدام، بينما سيبقى الجزء الجوي من البرنامج دون تغيير تقريباً: عرض بهلواني للطائرات يليه سرب مقاتلات سوخوي Su-25 يلوِّن السماء بألوان العلم الروسي.

المسؤولون في الكرملين يبررون ذلك بـ«الوضع العملياتي الراهن» و«تهديدات بنشاط إرهابي أوكراني». فالطائرات دون طيار الأوكرانية تضرب الآن أبعد داخل الأراضي الروسية يومياً تقريباً، مستهدفة منشآت نفطية ومطارات، وكانت سلسلة هجمات حديثة على مصفاة في توابسي على ساحل البحر الأسود تسببت بكارثة بيئية ونقلت سكان المدينة قسرياً.

دور الطائرات دون طيار في الصراع

توضح أولها بوليششوك، مديرة الأبحاث لمنطقة أوروبا وآسيا الوسطى والقوقاز في مشروع بيانات المواقع والأحداث المسلحة (ACLED)، أن الطائرات دون طيار «هي الوسيلة الأساسية لمهاجمة الأراضي الروسية… فهي رخيصة نسبياً، قابلة للتعديل وتقطع مسافات طويلة. كلا الطرفين، أوكرانيا وروسيا، انتقل إلى الاعتماد على الطائرات دون طيار في هجماتهما». ومنذ عام 2025، تقول، غطت هجمات الطائرات دون طيار بقية أنواع الهجمات تقريباً، إذ وإن اعترضت معظم الطائرات إلا أن الإغراق بأعداد كبيرة يضمن وصول بعضها إلى الهدف.

يقرأ  قاضٍ أميركي يوقف ترحيل قاصرين غواتيماليين غير مصحوبينأخبار دونالد ترامب

مخاوف سياسية ونفسية

تعززت تدابير الدفاع المضاد للطائرات دون طيار في العاصمة منذ أن بدأ الجيش الأوكراني بإرسال طائرات إلى هناك في 2023، وحتى طالت إحداها الكرملين نفسه. في أيام ما قبل الاحتفال تُقطع خدمة الإنترنت المتنقل بين فترة وأخرى في موسكو وسانت بطرسبرغ ومناطق أخرى، بحجة «أسباب أمنية». كما يُبقي الدفاع الجوي في موسكو نظاماً متعدد الطبقات يشمل منظومات صواريخ أرض-جو قصيرة المدى، ومنظومات مضادة أخرى، وأسلحة خفيفة، وأنظمة حرب إلكترونية، موزعة حول المدينة وداخلها، فيما سبق أن أُغلق شبكات الهاتف الخليوي لتعقيد ملاحة الطائرات دون طيار.

الخطر لا يقتصر على يوم العرض نفسه؛ فتركيز قوات ومركبات في أماكن محددة يجعلها عرضة قبل وأثناء وبعد الفعالية، إذ لا بد من تخزين هذا العتاد في مواقع يمكن استهدافها. كما يقول إيغناتوف لمجموعة الأزمات: الخوف الأكبر ليس من خسائر بشرية كبيرة بحد ذاتها إن أصابت طائرة أو اثنتان العرض، بل من العواقب السياسية والنفسية والرمزية لذلك الضرب — أي الأثر الاستعراضي والرسائلي الذي قد يُحدثه.

تطور الاحتفال ومضامينه

مسيرة يوم النصر تراث من الحقبة الشيوعية، كانت مناسبة لكي يرى المواطنون قادة السوفييت يلوحون من فوق ضريح لينين، ومجالاً للقوة كي تُعرض للعلن. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991 توقفت المهرجانات لقرابة عقدين، ثم أعادها فلاديمير بوتين إلى الواجهة في 2008. ومنذ بدء الحرب الشاملة في 2022، خفِّضت عروض النصر من جديد: ففي 2024 عبر دبابة T-34 رمزية الميدان وحدها، رغم حضور مركبات أخرى مثل ناقلات الجنود المدرعة وقاذفات الصواريخ المتنقلة. أما العرض العام الماضي فحمل مزيداً من البذخ مع دبابات حديثة ونظم إطلاق اللهب الثقيل TOS-2 وصواريخ إسكندر الباليستية، ومشاركة جنود روس إلى جانب عناصر صينية. وحضور الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى جانب بوتين، ضمن 27 رئيس دولة، استُفيد منه لعرض صورة عدم انعزال موسكو على الرغم من الإدانة الدولية للغزو.

يقرأ  «قطر إنرجي» — أكبر شركة في العالم للغاز الطبيعي المسال توقف الإنتاج بعد هجمات إيرانية — أخبار الطاقة

النصر أم تحريف تاريخي؟

يقول المؤرخ البريطاني جيفري روبرتس إن يوم النصر «احتفال بانكسار تحالف هتلر النازي الفاشي على يد السوفييت والحلفاء، وهو أقدس تواريخ التقويم السياسي الروسي». وتُحتفل بهذا اليوم بوصفه انتصاراً سوفييتياً وروسياً معاً — نتيجة نضال شعوب الاتحاد السوفيتي متعدد القوميات، من بينهم ملايين من الأوكرانيين — ويُستخدم عيد النصر لدى الحكومة الروسية كرمز للوحدة متعددة الأعراق، وتذكير بالتحالف الدولي المناهض للفاشية الذي شكَّلته القوى الغربية والسوفيتية خلال الحرب العالمية الثانية وأنقذ العالم من الهمجية النازية.

المكانة الذاكرية للجبهة الشرقية

الجبهة الشرقية، أو «الحرب الوطنية العظمى» كما تُعرف في روسيا، تحتل موقعاً محوريّاً في الذاكرة الوطنية الروسية: تاريخ معاناة وبطولة يُعاد استدعاؤه باستمرار ليغذي السرد الوطني الحالي ويبرر رمزيّات الاحتفال والذاكرة المشتركة. حوالى 27 مليون مواطن سوفييتي، منهم الروس، فقدوا حياتهم في ذلك الصراع — أكثر من أي دولة أخرى — وكان جنود الجيش الأحمر هم من رفعوا علمهم فوق الرايشتاغ في برلين عام 1945. وقد تم إضفاء الطابع الرسمي على الاستسلام الألماني في 9 مايو.

تستدعي هذه الذكرى حكومة بوتين اليوم، مدعية أنها تقاتل «النازيين» في ساحات معارك اكرانيا.

حضر العرض العسكري في عيد النصر بالساحة الحمراء في وسط موسكو، الذي جاء احتفالاً بالذكرى الثمانين للانتصار على ألمانيا النازية، عدد من كبار القادة من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جينبينغ، ورئيس طاجيكستان إمام علي رحمون، ورئيس تركمانستان سردار بردي محمدوف، ورئيس أوزبكستان شافكات ميرزياييف.

«يبدو أن 9 مايو في روسيا المعاصرة قد حُوّل ليصبح دعمًا للسلوك العدواني وللعسكرة»، قالت بوليشوك.

«إنها مصدر فخر كبير يكرّس فكرة أن روسيا قوية، لا تُهزم، ولن تتسامح مع أي ازدراء. التحول من شعار «لا مجدّدًا» المتعلق بالحرب العالمية الثانية إلى شعار شعبي مثل «نستطيع أن نفعله مجدداً» يرسخ هذا التصور. هذا التهَيّؤ يكتسب أهمية أكبر خلال حرب جارية، إذ يمنح واقعية بديلة — حيث يبدو أن غزو أوكرانيا لم يكن خطأً، وأن موسكو ليست في طريق الفشل عن تحقيق أهدافها العسكرية».

يقرأ  ستارمر وزيلينسكي يطالبان بالتركيز على أوكرانيا في ظل تشتت الانتباه بسبب الصراع مع إيران

ووفقًا لمشروع الاستخبارات مفتوحة المصدر Oryx، فقد تم تدمير أو أسر أو التخلي عن أكثر من 14 ألف دبابة ومركبة قتالية ناقلة وجّنود وأُخرى منذ بدء الغزو الشامل في 2022.

ترى أوكرانيا الحديثة أن الاحتفال بعيد النصر كما تُمارسه روسيا اليوم هو تشويه ساخر للتاريخ، وتسعى لثني المسؤولين الأجانب عن الحضور، بحسب بوليشوك.

«أوكرانيا عمومًا أكثر تماسكًا وعقلانية من روسيا في الالتزام بالأهداف ذات الطابع العسكري، لكن هذه حالة يبدو فيها الهجوم المحتمل رمزيًا إلى حد كبير،» قالت. «قد تقرر أوكرانيا هذا العام توفير الموارد وعدم مهاجمة موسكو — قد يكون قرارًا عقلانيًا لأن الدفاعات الجوية ستكون في أعلى درجات التأهب، والمخاوف الأمنية قد تمنع المشاركة بالفعل — ومع ذلك، فلا خيار أمام السلطات الروسية سوى محاولة تقليل المخاطر مهما كان الثمن.»

أضف تعليق