جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا — في أبريل اجتمع وزراء الاتحاد الأفريقي في طنجة بالمغرب لمناقشة الذكاء الاصطناعي في وقت تتسارع فيه حكومات القارة لوضع استراتيجيات للذكاء الاصطناعي، وجذب الاستثمارات وتوسيع البنية الرقمية لمواكبه التحولات.
ومع الحماسة الظاهرة، يبرز سؤال أعمق: مع استثمارات شركات تكنلوجيا أجنبية في مراكز البيانات وخدمات الحوسبة السحابية وأنظمة الذكاء الاصطناعي عبر أفريقيا، ما مقدار السيطرة التي ستحظى بها الدول الأفريقية فعلاً على البنية التحتية التي تعتمد عليها هذه التقنيات؟
تحول النقاش
لعدة سنوات ركزت المحادثات على الاعتماد على التكنولوجيا: كيف يمكن للحكومات والشركات والخدمات العامة أن تتبنى هذه الأدوات. لكن الاهتمام يتجه الآن بصورة متزايدة إلى الملكية والحوكمة وشروط تطوير ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي.
تأطير سياسـي
بعض الحكومات باتت تصيغ القضية بلغة السيادة والقدرة المحلية. نيجيريا وكينيا ومصر وغانا أصدرت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي تؤكد على بناء قدرات محلية وتقليل الاعتماد على مزوّدي التكنولوجيا الأجانب. واستراتيجية غانا الوطنية، التي أُطلِقَت في أبريل، تصف الذكاء الاصطناعي بأنه «قدرة سيادية». كما وقّعت تسع وأربعون دولة، إلى جانب الاتحاد الأفريقي، إعلان أفريقيا بشأن الذكاء الاصطناعي الذي يدعو إلى استثمارات أكبر في البنية التحتية والكوادر والابتكار الأفريقيين، مع مقترحات لآليات تمويل منسقة.
من الطموح إلى التطبيق
ترجمة الطموحات إلى سياسات عملية لم تكن سهلة دائماً. في جنوب أفريقيا سُحِب مسودة سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي هذا العام بعد اكتشاف إشارات لم يُمكن التحقق منها ويبدو أنها وُلدت بواسطة أدوات ذكية، ما يبيّن التحديات العملية للتعامل مع تقنية تتطور بسرعة.
المنافسة العالمية والقدرة التفاوضية المحلية
يتكشف النقاش مع اشتداد المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي، حيث تتنافس شركات التكنولوجيا الكبرى ومزودو السحابة والحكومات على الوصول إلى البيانات وقوة الحوسبة والأسواق الجديدة. تلك المنافسة قد تفتح مساحة تفاوضية للدول الأفريقية.
بحسب الباحث الجيوسياسي بريال سينغ من Signal Risk، الطبيعة المشتتة والمتنازع عليها لصناعة الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي قد تمنح الدول الأفريقية هامش مناورة أوسع. أشار أيضاً إلى توترات تنظيمية حول توسع ستارلينك في أجزاء من أفريقيا كمثال على تزايد صرامة الحكومات في علاقتها مع الشركات العالمية، قائلاً إن «شركات التقنية الكبرى ستضطر إلى الاستجابة للهموم المحلية أكثر مما تتوقع».
فجوة البنية التحتية
القدرة التفاوضية ليست سياسية فحسب، بل بنيوية أيضاً. تبقى أفريقيا ممثلة تمثيلاً ناقصاً في عمود الفقرات الفيزيائية للاقتصاد الرقمي العالمي: تقديرات الصناعة تشير إلى أن القارة تمتلك أقل من واحد في المئة من سعة مراكز البيانات العالمية، رغم أنها تضم حوالى 18٪ من سكان العالم. وجدت أبحاث ماكينزي أن أسواق مراكز البيانات الخمسة الأكبر في أفريقيا مجتمعة أقل سعة من فرنسا. وإضافة إلى ذلك، يشكل ضعف إمدادات الكهرباء عائقاً حقيقياً أمام التوسع في كثير من المناطق.
قضايا وصفقات حسّاسة
هذه المحدّدات تفسّر حساسية المفاوضات حول مراكز البيانات والبنية السحابية. من أبرز الملفات المتابعة مشروع مقترح لإنشاء مركز بيانات بقيمة مليار دولار بمشاركة مايكروسوفت والشركة الإماراتية G42 في كينيا. لفت المشروع الانتباه بعد أن أشار الرئيس الكيني إلى حجم طلبات الطاقة التي سيستلزمها، محذراً من أن بنية بهذا الحجم قد تتطلب توليد طاقة إضافية كبيرة. كما ثارت نقاشات حول ترتيبات تجارية والتزامات طويلة الأجل مرتبطة بالسعات الحاسوبية، مع تأكيد مسؤولين كينيين أن المفاوضات ما تزال جارية. تعكس هذه الحادثة الموازنة التي تواجهها الحكومات بين جذب استثمارات هامة واعتبارات الطاقة وتكاليف التمويل والاعتماد الاستراتيجي طويل الأمد.
ما تكسبه الدول وما تتنازل عنه
السؤال عمن يبني المستقبل الرقمي لأفريقيا يتجاوز الشركات الغربية. النقاش حول تنويع الشركاء أحياناً أعقد مما يبدو؛ فكما قالت سانوشا نايدو من معهد الحوار العالمي، الخيارات تُقيّم كتكلفة-منفعة، سواء كان التنويع نحو شركات غربية أخرى أو نحو شركات صينية. الأهم للحكومات هو ما تعيده هذه الشراكات على التنمية المحلية: نقل للمهارات، فرص تشغيل، قيمة مضافة وبنى تحتية مستدامة. قارنت النقاشات الحالية بموجات استثمارات سابقة في التسعينيات في صناعات مثل النسيج، حيث دخلت الاستثمارات لكن كانت هناك إعانات كبيرة من الدول المستضيفة. مع مراكز البيانات تكون الضغوط أكبر — من استهلاك ضخم للماء إلى انعكاسات اجتماعية واقتصادية محلية.
البيانات والمراقبة والسيادة
الاعتماد لا يقتصر على مراكز البيانات؛ خلال العقد الماضي تبَنّت حكومات أفريقية أنظمة رقمية بُنيت بالخارج من منصات سحابية وخدمات عامة رقمية إلى تقنيات مراقبة ومدن ذكية. ومن ثم تصاعدت الجدل حول حوكمة البيانات والسيادة الرقمية ومكان حفظ ومعالجة المعلومات الحساسة. طرح أنصار إنشاء وكالة تصنيف ائتماني أفريقية حججاً مماثلة، ساعين إلى تقييمات تقودها أفريقيا للجدارة الائتمانية بدل الاعتماد الحصري على وكالات عالمية.
غياب المشاركة الشعبية
يبقى الكثير من نقاشات حوكمة الذكاء الاصطناعي محصوراً بين صانعي السياسات والمنظمين والشركات. يقول جوزيف أسونكا، مدير عام آفروباروميتر، إن الحوار بعيد عن المواطنين العاديين: «لا ينبغي أن تُدار هذه المفاوضات على مستوى النخبة فقط وتُلقى على عاتق المواطنين». إذا لم يثق المواطنون بإجراءات حكوماتهم في هذا المجال، ينشأ فجوة ثقة قد تضر بتبنّي أدوات التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية. وأضاف أن المخاوف المتعلقة بحماية البيانات والأمن الرقمي شائعة بين السكان حتى وإن لم يكن الذكاء الاصطناعي نفسه مفهوماً بشكل واسع.
ما بعد الاعتماد
هذا النقاش يعيد طرح أسئلة قديمة عن السيادة الاقتصادية التي شكّلت السياسة الأفريقية عقوداً. قادة مرحلة الاستقلال جادلوا بأن الحرية السياسية بلا تحكم في الموارد الاقتصادية أقل معنى. اليوم تكررت الأسئلة لكن حول البيانات وقوة الحوسبة والبنية الرقمية. إلى جانب الاستثمارات الكبيرة، تعمل حكومات ووكالات تنموية على بناء قدرات محلية؛ مشاريع مثل مبادرة “تيمبكتو” التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تهدف إلى تقوية أنظمة التكنولوجيا الأفريقية بدعم الابتكار وريادة الأعمال والبنى التحتية الرقمية. تلك الجهود ما تزال متواضعة مقارنة بحجم استثمارات الذكاء الاصطناعي العالمية، لكنها تعكس محاولة أوسع لضمان مشاركة الدول الأفريقية ليس كمستهلكين فقط، بل كمساهمين في تطوير الأنظمة.
واقع الاستقلالية
من غير المرجح أن تصبح أفريقيا مكتفية ذاتياً في مجال الذكاء الاصطناعي، ولا تسعى معظم الحكومات لذلك بالضرورة. تظل القارة مندمجة بعمق في سلاسل توريد التكنولوجيا العالمية وستستمر بحاجة إلى استثمارات وخبرات وشراكات دولية.
السؤال المتبقي
السؤال الذي يواجه صانعي السياسات إذن ليس ما إذا كانت أفريقيا ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل الشروط التي ينبغي أن يتم ذلك بموجبها. القرارات التي تُتّخذ الآن عند التفاوض على الاستثمارات وصياغة الأنظمة وبناء البنية التحتية الرقمية قد تُحدد من يتحكم في التقنيات التي تؤثر بشكل متزايد على الاقتصادات والخدمات العامة والحياة اليومية.
«لا ينبغي أن تُدار هذه المفاوضات على مستوى النخبة فقط وتُلقى على عاتق المواطنين»، كما حذّر أسونكا، محذراً من أن فقدان الثقة قد يعوق تبنّي أدوات مالية ورقميـة حيوية.