مناورات بالذخيرة الحية في سيناء تثير قلق سكان اسرائيل ومسؤولي الأمن
أثار إعلان مصر عن نيتها إجراء تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية في شبه جزيرة سيناء حالة من القلق والهلع بين السكان الإسرائيليين ومسؤولي الأمن على الجانب الآخر من الحدود المشتركة. رغم أن هذه المناورات جرى تنسيقها مع الجانب الإسرائيلي بموجب اتفاقية السلام الموقعة عام 1979، فإن قربها من مناطق مأهولة، لا سيما القريبة من قطاع غزة، أثار مخاوف سكان محليين ووسائل إعلام إسرائيلية من احتمال تكرار الأوضاع التي سبقت هجوم 7 أكتوبر 2023، الذي أودى بحياة أكثر من ألف شخص غالبيتهم من المدنيين.
قالت إحدى سكان بلدة بني نِتْزاريم، القريبة من الحدود، لصحيفة YNet: «تتابع سلسلة الأحداث تذكرنا بشكل مخيف بما سبق كارثة 7 أكتوبر. بعد كل ما مررنا به، كيف يوافق الجيش [الإسرائيلي] على وجود جيش أجنبي يطلق النار مباشرة على خط التماس؟» وأضافت أخرى: «صوت إطلاق النار يشكل تغطية مثالية للتهريب أو حتى لشن غارات. لماذا يسمحون لهم بالاقتراب هكذا؟ لديهم مساحات شاسعة في سيناء.»
المنتدى المعني بتجمعات الحدود الإسرائيلية أصدر بدوره بياناً قبل إجراء المناورات أعرب فيه عن استيائه من قيام القوات المصرية بتدريبات بهذه القرب من الحدود، مؤكداً أن نمط التدريبات يذكر بما رصد قبل هجوم 7 أكتوبر، رغم أنه لا توجد تقارير تربط مصر بالانخراط المباشر في اقتحام حماس عام 2023. وجاء في البيان: «نحذر من خلق معايير خطرة أدت إلى 7 أكتوبر»، مضيفاً نداءً إلى قادة إسرائيل السياسيين لوقف هذه التدريبات: «سكان التجمعات الحدودية ليسوا ملعب تجارب للدولة ولا ساحة تدريب للجيش المصري.»
وأشار البيان كذلك إلى أساليب أمنية سابقة، مستذكراً قبول إسرائيل في أوقات سابقة لظاهرة البالونات الحارقة القادمة من غزة، ومع الإشارة إلى تقارير حديثة تفيد بظهور أجهزة مماثلة بالقرب من كيبوتس ناحال على مسافة تَقْريبية بين 700 و800 متراً من سياج الحدود مع غزة.
فهل تكشف هذه المناورات عن محاولة مصر لاختبار حدود وقف إطلاق النار أو جاهزية إسرائيل الحدودية؟
هل تختبر مصر جاهزية الحدود الإسرائيلية؟
من غير المرجح أن تكون المناورات محاولة لاختبار جاهزية الحدود بصورة أحادية. تنص معاهدة السلام المصرية ــ الإسرائيلية لعام 1979 على تقسيم سيناء إلى مناطق ذات قيود صارمة على الانتشار العسكري. في المنطقة C، الأقرب إلى الحدود الإسرائيلية، يُسمح فقط لشرطة خفيفة التسليح ومراقبين دوليين بالتواجد. ومع أن المعاهدة لا تمنع صراحة كافة أشكال التمرينات العسكرية المصرية، فإن أي نشر أو نشاط يتضمن قواات النظامية قرب الشريط الحدودي يتطلب عادة تنسيقاً مبدئياً وموافقة إسرائيلية، ما يجعل مثل هذه التدريبات شديدة الحساسية داخل إطار المعاهدة.
كيف يُصوَّر الأمر في إسرائيل؟
بشكل متباين ومربك. ورغم أن المناورات اتُفقت مسبقاً بين القاهرة وتل أبيب، اختارت بعض الوسائل الإعلامية الإسرائيلية تصوير هذه التحركات في سياق أوسع وأكثر إثارة للقلق حيال أجندة مصرية مفترضة. كتب المحلل اللبناني ــ الإسرائيلي إيدي كوهين في «جيروزاليم بوست» أن هذه التدريبات تنسجم مع نمط أوسع يرى مصر تتخذ مواقف «ناعمة» تجاه إيران، كما عارضت القاهرة اعتراف اسرائيل بمنطقة صوماليلاند الاستراتيجية متحدية الحكومة الصومالية المعترف بها دولياً. وذكر كوهين أيضاً أن مصر حاولت أن «تدخل» مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان.
اتهم كوهين القاهرة بالتصرف كـ«بلطجي إقليمي» تمارس ضغوطاً على إسرائيل، وأشار إلى أن مصر تدخلت في جهود وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة كجزء من مخطط أوسع لكسب تعاون إسرائيل في محاولة إقناع الولايات المتحدة أو دول الخليج بمساعدة القاهرة في معالجة أزماتها المالية.
العلاقات بين إسرائيل ومصر: كيف هي عموماً؟
متوترة ولكن مستقرة نسبياً. حافظت مصر وإسرائيل منذ توقيع معاهدة 1979 على ما يُوصف بـ«سلام بارد»؛ علاقات رسمية مستقرة لكنها نادراً ما تشوبها دفء. تستمر أنشطة تعاون اقتصادية وأمنية مهمة بين البلدين، لكن التوترات تفاقمت بعد ردود الفعل العنيفة عقب هجوم حماس في أكتوبر 2023. تشير تقارير إلى أن الضربات الإسرائيلية منذ ذلك الحين أسفرت عن مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، وتسببت بتدهور مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل الانتقادات الحادة بين القاهرة وتل أبيب.
في سبتمبر 2025، وبحسب تقارير، ومع تزايد المخاوف من عمليات اغتيال قادة حماس داخل القاهرة أو من إجبار عشرات الآلاف من الفلسطينيين الجوعى على دخول سيناء، وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إسرائيل بأنها «عدو» — وهي أول مرة يستخدم فيها مثل هذا الوصف منذ توليه منصبه عام 2014. ومع ذلك، استمر التنسيق في مجالات محددة؛ ففي ديسمبر 2025 وقعت اسرائيل ومصر صفقة غاز تجارية بلغت قيمتها حوالي 34.7 مليار دولار. وكما لخصت تحليلات عديدة، يظل التعاون الأمني ضرورياً لسبب حاسم واحد: تجنّب اندلاع حرب كارثية غير مقصودة.
الخلاصة
القلق الشعبي والإعلامي في مناطق الحدود الإسرائيلية مفهوم في ضوء السياق الدرامي لآخر أزمة كبيرة، لكن من الناحية القانونية والدبلوماسية تبدو احتمالات قيام مصر بعمل أحادي لاختبار حدود وقف النار ضئيلة، لا سيما في ظل بنود اتفاقية 1979 التي تفرِض قيوداً واضحة وتلزم بالتنسيق. ومع ذلك، تبقى حساسية الوضع مرتفعة؛ فأي تباين في التقييمات أو سوء تفاهم يمكن أن يفاقم التوترات في منطقة لا تتحمل مزيداً من الانفجار.