اتفاقية RELOS بين روسياا والهند: ماذا تتضمن وما الذي تكسبه كل دولة؟
مقدمة
أبرمت قوتان عسكريتان من بين الأكبر في العالم اتفاقية دفاعية لوجستية ثنائية ذات طابع عملي عميق تسمح لكل منهما باستخدام قواعد وسواحل ومجالات جوية للدولة الأخرى، سواء في أوقات السلم أو أثناء النزاعات. الاتفاقية تُمثّل أول مرة تسمح فيها نيودلهي رسمياً باستضافة قوات أجنبية مؤقتة على أراضيها، وهي خطوة تُقرأ في سياق توطيد العلاقات الدفاعية بين البلدين في ظل توتّرات جيوسياسية عالمية وسياسات دولية متقلبة.
ماذا تنص الاتفاقية؟
– العنوان الرسمي: اتفاقية تبادل الدعم اللوجستي المتبادل (RELOS)، تفاوضت طيلة ثماني سنوات، ووقّعت في موسكو ثم صادقت عليها روسيا في ديسمبر، ودخلت حيز التطبيق في يناير.
– المدة والتمديد: سارية لمدة خمس سنوات مع إمكانية التمديد بالاتفاق المتبادل.
– قدرات التمركز: تسمح الاتفاقية لكل طرف بمحافظة وجود محدود على أرض الطرف الآخر يشمل حتى 3,000 جندي، و5 سفن حربية، و10 طائرات عسكرية في أي وقت.
– نطاق الخدمات: تغطي الاتفاقية خدمات تموين بالوقود، وإصلاحات وصيانة، وتزويد بالسِّلَع والمواد الغذائية والمياه والموارد الفنية للسفن والطائرات، بالإضافة إلى تسهيلات الملاحة الجوية، ومراقبة الحركة، وتأمين الطائرات.
– البُنى التحتية: تمنح الاتفاقية حقوق استخدام القواعد البحرية والموانئ والمطارات والبنى التحتية المصاحبة لها.
– تعاون إضافي: تيسِّر الاتفاقية التدريب العابر بين القوتين ومهمات المساعدات الإنسانية والإغاثة عند الكوارث ضمن مناطق الاهتمام المشترك.
ماذا تكسب روسيا؟
– امتداد نفوذ بحري: تحصل روسيا على نافذة عملية في المحيط الهندي للمرة الأولى على هذا المستوى، ما يعزّز قدرة بسط الوجود البحري والعملياتي بعيداً عن المياه الإقليمية الروسية.
– مرونة لوجستية في ظل العقوبات: الاتفاقية تمنح موسكو مسارات بديلة لإدامة نشاط سفنها وطائراتها وخدمة معداتها، وهو أمر بالغ الأهمية بعد عزلة اقتصادية وسياسية فرضتها عقوبات غربية.
– الوصول إلى الممرات البحرية الشمالية: بالمقابل، تتيح الهند لروسيا ولشركاتها الاستفادة من بعض الموانئ على طول الطريق البحري الشمالي من فلاديفوستوك إلى مورمانسك، ما يقلل مخاطر انقطاع سلاسل التوريد العالمية.
– رافعة استراتيجية: وجود ترتيبات لوجستية متبادلة يزيد من قدرة روسيا على إسقاط القوة والمناورات في محاور آسيوية بعيدة عن قواعدها التقليدية.
ماذا تكسب الهند؟
– تمكين لوجستي تشغيلي: تتحوّل العلاقة من تزويد بالمعدّات إلى تعاون لوجستي تشغيلي فعلي يُمكّن القوات الهندية من الاستفادة من مرافق روسية بعيدة، خصوصاً في القطب الشمالي والشرق الأقصى، حيث تُعد روسيا شريكاً محورياً.
– تنويع شبكات الإمداد: تمنح الاتفاقية نيودلهي مسارات لوجستية وخيارات إمداد خارج الشبكات التي تسيطر عليها الدول الغربية، ما يقلل التعرض لمخاطر سياسية أو اقتصادية أحادية الجانب.
– توازن استراتيجي إقليمي: الوصول المتبادل إلى موانئ وممرات بحرية يعزّز موقف الهند في مواجهة منافسات إقليمية، ويمنحها قدرة أوسع على حماية خطوط الملاحة البحرية الحيوية من المحيط الهادئ إلى القطب الشمالي.
– صلابة العلاقات الدفاعية: الاتفاقية ترسّخ استمرار الثقة التاريخية بين البلدين وتحوّلها إلى آليات عملية تحفظ مصالحهما في مرحلة عدم استقرار دولي.
خلاصة
اتفاقية RELOS ليست مجرد اتفاق تقني للخدمات اللوجستية؛ إنها خطوة استراتيجية ثنائية تزاوج بين استمرار شراكة تسليحية تقليدية وتوسيع إمكانات العمل المشترك على مسار أعمق عملياً. كلا الطرفين يكسبان قدرة تشغيلية إضافية وأدوات لتخفيف آثار الضغوط الخارجية، بينما تعيد الاتفاقية رسم خريطة نفوذ لوجستي وعسكري في مناطق بحرية وجيوسياسية حاسمة. كمشاركٍ رئيسي له مصالح في منطقة الهند والمحيط الهادئ، فإن هذا الاتفاق يعدّ دفعةً قويّة للهند.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء زيارة لسفينة في حوض بناء السفن زفيزدا، بينما يرافقهما رئيس شركة روسنفت إيغور سيتشين، خارج ميناء فلاديفوستوك في أقصى الشرق الروسي في 4 سبتمبر 2019.
ألم تتفق الهند على التنويع والابتعاد عن روسيا؟
اعتمدت الهند لوقت طويل على روسيا في تلبية حاجاتها العسكرية، ومعظم ترسانتها من صنع روسي. منذ عصر الحرب الباردة كانت نيودلهي من بين الدول المؤسسة لما عرف بـ«حركة عدم الانحياز»، التي امتنع بموجبها كثير من البلدان النامية عن الانحياز الحاسم بين موسكو والغرب. وفي السنوات الأخيرة أطلقت الهند على هذا المبدأ وصف «التعددية التحالفية» كركيزة لسياساتها الخارجية.
لكن مع تزايد الضغوط الأميركية والأوروبية — وعلى رأسها قرار الرئيس الأمريكي السابق فرض رسوم تجارية إضافية بنسبة 25 بالمئة على واردات الهند من النفط الروسي العام الماضي — سعَت نيودلهي إلى تنويع مصادرها الدفاعية والطاقية، وزادت مشترياتها من الغرب. وفي الوقت نفسه حافظت على توازن دقيق في علاقاتها مع روسيا.
حسب سينغ، فإن اتفاقية RELOS تمثل وسيلة لتعويض جهود نيودلهي في الابتعاد عن روسيا. «الهند توحي بأنها لا تنفصل بعدم شراء المزيد من العتاد العسكري، لكنها في الوقت نفسه تتفاعل بشكل استباقي في الشؤون الاستراتيجية»، قال سينغ. «هذا تَبادُل واحد حاولت الهند عقده مع روسيا في هذه الصفقة؛ فـRELOS يمنح روسيا جسرًا لوجستيًا منخفض التكلفة إلى المحيط الهندي ويطيل من قدرتها على البقاء البحري، مما يزيد من نفوذها الاستراتيجي.»
هل ثمة ظل أميركي ما يزال مخيماً؟
للهند أيضاً اتفاقيات عسكرية مع الولايات المتحدة، أبرزها مذكرة تبادل الخدمات اللوجستية (LEMOA). هذه المذكرة، التي وُقِّعت في 2016، تسمح بالوصول المتبادل إلى مرافق الإمداد وإعادة التزود بالوقود، بينما ييسر اتفاق آخر تبادل أنظمة اتصالات مشفّرة وتقنيات متقدمة بين الجيشين.
«اتفاقية RELOS تمنح روسيا مرتبةً تقارب ما تمنحه LEMOA للولايات المتحدة»، قال سينغ، غير أن هناك اختلافاً جوهرياً: نيودلهي سمحت لموسكو بإقامة قوات وطائرات وسفن حربية على أراضيها أو في مياهها الإقليمية، وهو ما لا يتوفر في أية اتفاقية أخرى.
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير العام الماضي، شهدت العلاقات مع نيودلهي توتراً على عدة جبهات، من السياسات الخارجية إلى الرسوم العقابية. أندريه كورترونوف من مجلس الشؤون الدولية الروسي في موسكو قال لقناة الجزيرة إن اتفاقية RELOS ليست بالضرورة موجهة ضد الولايات المتحدة، «لكنها إشارة لواشنطن مفادها أن أمريكا لا يمكن أن تعتبر الهند أمراً مفروغاً منه».
وأضاف أجاي مالهوترا، السفير الهندي السابق لدى روسيا، أن RELOS يعزّز «الاستقلال الاستراتيجي» للهند في ظل علامات متزايدة على عقلية المعاملات في السياسة الخارجية والاقتصادية الأميركية. وفي رأيه أن شراكات نيودلهي مع موسكو وواشنطن ليست بالضرورة متعارضة: «الصداقة الطويلة والعميقة الجذور مع روسيا وروابطنا الوثيقة مع الولايات المتحدة ليست لعبة محصلة صفرية، ولم تكن كذلك أبداً».
ويختم مالهوترا بأن اتفاقية RELOS تتعلق أيضاً بتحصين الفضاء الاستراتيجي للهند على المدى البعيد، عبر توفير درجة إضافية من المرونة في سيناريو تتزايد فيه تقلبات المحاور العالمية وتجترئ معها عدم القابلية للتنبؤ.