واشنطن وطهران في حرب ناقلات: إلى أين يتجه الصراع المستمر منذ أشهر؟

شهدت الساعات الأربع والعشرون الماضية تصعيداً متبادلاً بين الولايات المتحدة وإيران، إذ استهدفت واشنطن ثلاث ناقلات نفط إيرانية، بينما ردّت طهران بإطلاق صواريخ باليستية تجاه سفن حربية أميركية قرب مضيق هرمز واستهدفت ناقلات أخرى.

ووصف خبراء استهداف إيران لحاملة طائرات أميركية ومدمرة بأنه “تصعيد محسوب”، حيث تنتقل المواجهة المستمرة منذ شهور بشكل متزايد إلى البحر، ويحاول كل طرف فرض سيطرته على المضيق الاستراتيجي الذي تستخدمه طهران كورقة ضغط في الحرب.

وجاءت هجمات الناقلات في وقت تدّعي فيه واشنطن أن كميات أكبر من النفط بدأت تتدفق عبر المضيق، وإن كانت الأرقام الدقيقة لا تزال محل جدل، فيما يستمر الحصار البحري على الموانئ الإيرانية. والتبادل الأحدث يقلّص آمال خفض التصعيد عبر الدبلوماسية، خاصة أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عطّلت إمدادات الطاقة وأبطأت النمو الاقتصادي في أنحاء العالم.

فماذا نعرف عن أحدث هجمات الناقلات؟ وإلى أين تتجه هذه المواجهة؟

آخر الهجمات على الناقلات

قالت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” إن قواتها ضربت ثلاث سفن إيرانية، من بينها ناقلة قرب جزيرة خارك، التي كانت تمر عبرها نحو 90% من صادرات إيران من النفط الخام قبل الحرب. كما استُهدفت ناقلة أخرى قرب جاسك، وسفينة من دون حمولة في خليج عُمان بعد إخلاء طاقمها.

وأوضحت القيادة أن هذه الضربات جاءت بعد إطلاق إيران صواريخ باليستية على حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين، وقالت إنهما نجحتا في تفادي الصواريخ، دون وقوع إصابات بين العسكريين الأميركيين.

ونقلت “سنتكوم” عن قائدها الأدميرال براد كوبر قوله: “إذا أطلقتم النار على سفينتين من سفننا، فسندفعكم لدفع تكلفة اقتصادية أعلى عبر تدمير ثلاث من سفنكم”.

من جهتها، قالت قوات الحرس الثوري الإيراني إنها أطلقت “عدة صواريخ باليستية” على حاملة الطائرات والمدمرة، متهمة إياهما بـ”مضايقة السفن الإيرانية” والمشاركة في الحصار البحري.

وقال المحلل الدفاعي فولفغانغ بوشتاي للجزيرة إن الإيرانيين لم يستهدفوا سفينتين حربيتين عاديتين، بل استهدفوا مدمرة صواريخ، وبشكل لافت حاملة طائرات، وهي العمود الفقري للحملة الأميركية ضد إيران. وأضاف أن هذا تطور خطير جداً، ولم يكن مفاجئاً أن يرد الأميركيون.

يقرأ  النيجر: مقتل جنود ومدنيين في هجوم مسلح على مطار نيامي — أخبار الجماعات المسلحة

بعد ذلك، أعلنت إيران أن قواتها استهدفت أيضاً ثلاث ناقلات نفط كانت تسلك ما سمته “مساراً غير مصرح به” في مضيق هرمز، بالإضافة إلى ثلاث سفن مرتبطة بالولايات المتحدة في أماكن أخرى.

وفي بيان بثّه التلفزيون الإيراني الرسمي، حذّرت بحرية الحرس الثوري جميع السفن في الخليج أو قرب المضيق من أن “تنخدع” بالجيش الأميركي، وطالبتها بالامتناع عن أي تحركات مريبة تهدف إلى عبور ممرات مائية غير مصرح بها، وإلا فسوف تُستهدف.

ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن إيران قولها، الأحد، إنها ضربت سفينة أميركية غير مأهولة كانت تحاول دخول مضيق هرمز.

لماذا تستهدف الناقلات؟

ترى الولايات المتحدة أن الناقلات الإيرانية التي استهدفتها جزء من شبكة ظل تدرّ مليارات الدولارات، وتموّل الحرس الثوري وحلفاءه في المنطقة. وكانت إيران تعتمد جزئياً على أسطول ظل للالتفاف على العقوبات وبيع النفط، وهو مصدر دخل ازدادت أهميته بعد أن بدأت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية في أبريل/نيسان.

وأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، رداً على الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط. وكان يمر عبر المضيق يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط قبل اندلاع الحرب.

وقال حسن قشقاوي، عضو مجلس الشورى والمتحدث باسم لجنة الأمن القومي، إن الهجمات على السفن الحربية الأميركية جزء من “حرب وجودية مع أميركا”، معتبراً أن الحصار البحري الأميركي “ما كان يجب أن يوجد أصلاً”. وأضاف للجزيرة أن الأميركيين “تصرفوا عسكرياً بما ينتهك كل القوانين الدولية”، لكن “لأن أميركا بعيدة عنا، فهي لا تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها وجودية”.

وفي الوقت نفسه، واصلت الولايات المتحدة الضغط على إيران لإعادة فتح الممر المائي الرئيسي، عسكرياً واقتصادياً. ففي الشهر الماضي، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت حزمة إجراءات اقتصادية تستهدف المصالح المالية الإيرانية في أنحاء العالم. وقال إن الولايات المتحدة ستستهدف كل مصادر دخل إيران، بما فيها النفط، لمنع الدول والشركات من التعامل مع طهران.

يقرأ  الانصات إلى ما يحافظ على تفاعل الطلابنيوز يو إس إيه

ويأتي ذلك رغم التأكيدات الأميركية على أن مضيق هرمز يعمل بشكل طبيعي، حيث تصر واشنطن على أنه مفتوح وأن عشرات السفن التي تحمل ملايين البراميل تمر يومياً. وفي الأسبوع الماضي، نقلت صحيفة التايمز البريطانية عن بيسنت قوله إن نحو 17 مليون برميل من النفط الخام تُشحن يومياً في الآونة الأخيرة، لكن الجزيرة لم تتمكن من التحقق من ذلك بشكل مستقل.

وكان الرئيس دونالد ترامب قد قال الشهر الماضي إن الولايات المتحدة “تسيطر بالكامل” على المضيق. غير أن أرقام شركة كبلر لتحليل البيانات البحرية تظهر أن ست سفن فقط عبرت المضيق يوم الأربعاء، وإحدى عشرة سفينة يوم الثلاثاء، وخمس سفن يوم الاثنين، بمتوسط يومي خلال عشرة أيام لا يتجاوز 13 سفينة.

النفط والأسعار

وتضيف الهجمات مزيداً من القلق إلى مخاوف إمدادات الطاقة العالمية. وأغلقت العقود الآجلة لخام برنت تعاملات الجمعة عند 96.28 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ 24 يوليو/تموز، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل الحرب.

وبشكل متوقع، قفزت أسعار النفط والغاز في الولايات المتحدة أيضاً، وهو ما يأتي في توقيت حساس لترامب مع توجه الأميركيين إلى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني. وسجّل الديزل رقماً قياسياً جديداً يوم الجمعة، إذ بلغ متوسط سعره 5.85 دولارات للغالون الواحد، أي 1.55 دولار للتر، لأول مرة. تشير استطلاعات الرأي مرارًا إلى أن غالبية الأميركيين يعارضون الحرب، وأنها كانت سببًا في تراجع شعبية الرئيس ترمب بشكل ملحوظ.

ففي استطلاع أجرته وكالة “رويترز” ومعهد “إبسوس” في أواخر أغسطس، لم يؤيد الحرب سوى 31% من الأميركيين، في حين عارضها 63% منهم. وأظهر الاستطلاع نفسه أن نسبة تأييد ترمب هبطت إلى 33% بعد أن كانت 40% منذ اندلاع القتال.

يقرأ  توقّف إسقاط المساعدات الدولية إلى غزة حتى إشعارٍ آخر

## أين تتجه الأحداث؟

يرى مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن، سينا آزودي، أن تبادل الضربات المتجدد بين إيران والولايات المتحدة يمثل تصعيدًا في الصراع المستمر منذ ستة أشهر. وقال آزودي لقناة الجزيرة إن أيًا من الطرفين لن يتراجع، لأن ذلك “سيضر بصورته”، ولذلك “لا خيار أمامه سوى التصعيد”. وأضاف أنه ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية، فإن الحرب ستستمر.

وتوقع آزودي “حدوث مزيد من الاشتباكات بين الإيرانيين والأميركيين”، مشيرًا إلى احتمالية وقوع “حسابات خاطئة” و”ضحايا مدنيين إضافيين”، خاصة على الجانب الإيراني. وأوضح أن وزير الدفاع الأميركي قد يرسل المزيد من القوات إلى المنطقة، لكنه لا يعتقد أن الإيرانيين سينكسرون أو يرضخون للحصار، بل سيواصلون المقاومة ويفرضون على الولايات المتحدة تكاليف إضافية.

وقال إن هدف كل من واشنطن وطهران هو إجبار الطرف الآخر على الانسحاب، وإن “الفائز سيكون هو الطرف القادر على تحمل المزيد من الخسائر والتكاليف”.

من جهته، علّق المحلل علي أكبر داريني من مركز الدراسات الاستراتيجية في طهران على الاستراتيجية الإيرانية، مؤكدًا كلام آزودي بقوله إن الهجمات الأميركية على الناقلات الإيرانية تمثل “قضية كبيرة” لا يمكن لإيران أن تتركها “دون رد”. وأضاف أن هذه الهجمات لن تجعل إيران تستسلم، بل “تدفعها إلى الرد والانتقام” بقسوة أكبر.

وأشار داريني إلى أن الحصار البحري الأميركي، إلى جانب العقوبات، يسبب ألمًا شديدًا لإيران، لكنه أكد أن لدى طهران خططًا لمواجهته، وأنها لا تستطيع تحمل استمرار هذا الحصار، لذلك بدأت بالفعل في الاستعداد لكسر هذا الحصار. وقال: “في الوقت نفسه، تمتلك إيران بالتأكيد خططها الخاصة لرفع أسعار النفط إلى ما يتجاوز مائة دولار للبرميل”.