أطلق عمال نقل المحروقات في العاصمة تونس إضرابا لمدة 48 ساعة للمطالبة بتحسين ظروف العمل، وزيادة الأجور، وصرف المنح المتفق عليها منذ 2019، وتسوية المستحقات المتعلقة بالضمان الاجتماعي.
وقال مراسل الجزيرة سيف الدين بوعلاق إن الإضراب، الذي تنظمه الجامعة العامة للنفط والكيماويات ويستمر حتى يوم الخميس، دفع المواطنين إلى التوجه بسرعة إلى محطات الوقود، ما يهدد بشلل واسع في بلد يعتمد في توزيع المحروقات على الشاحنات بشكل شبه كامل. وأكد خالد بطين، المدير العام للشركة الوطنية لتوزيع النفط “أجيل”، أن الوقود ما زال متوفرا، لكنه دعا إلى حل سريع للإضراب لتجنب مزيد من الاضطرابات.
تفاقم الخدمات العامة
يتزامن هذا التحرك النقابي مع تصاعد غضب شعبي في تونس بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء، وارتفاع الأسعار، ونقص الأدوية. وبعد أكثر من خمس سنوات على تعليق الرئيس قيس سعيد البرلمان وبدء الحكم بالمراسيم، تعود المطالب القديمة إلى الظهور في وقت يتراجع فيه مجال المجتمع المدني والمعارضة السياسية بشكل كبير.
ورأى خبراء أن إضراب المحروقات ليس سوى عرض من أعراض أزمة اقتصادية كلية أوسع، تتسم بالتضخم وتآكل القدرة الشرائية وعجز الدولة عن تأمين تمويل خارجي.
وقالت خلود تومي، وهي اقتصادية تونسية، للجزيرة إن الوضع الحالي ناتج عن ضغوط داخلية وخارجية متداخلة. وأضافت: “يعاني الاقتصاد العالمي من أزمة اقتصادية وتقلبات في أسعار النفط والطاقة عالميا، وينعكس ذلك مباشرة على فاتورة الواردات وعلى الحاجة إلى العملة الصعبة. وتونس تعاني من أزمة في توفير العملة الصعبة، وينعكس ذلك على الميزان الخارجي”.
وحذرت تومي من عواقب وخيمة لتوقف النقل. وقالت: “جاء هذا الإضراب لسببه الرئيسي، وهو تراجع القدرة الشرائية وارتفاع التضخم. ويعتبر قطاع المحروقات من القطاعات الحساسة، لذلك سيكون لإضراب يومين نتائج كارثية على الاقتصاد التونسي. وأي اضطراب في النقل والإنتاج والتوريد يرفع كلفة النشاط”.
وأشارت أيضا إلى أن فشل الحكومة في تأمين أموال خارجية دفعها إلى الاعتماد على الاقتراض الداخلي، ما أثر سلبا على الاستثمار والاستهلاك.
إصلاحات هيكلية عميقة
أعادت الأزمة الاقتصادية الأوسع إشعال النقاش حول الإصلاحات التي دفعت إليها مؤسسات مالية دولية. ووصفت تومي تلك الإصلاحات بأنها “وصفة طبية” أصدرها صندوق النقد الدولي، لكن الحكومة التونسية فشلت حتى الآن في تنفيذها. وقالت إن العائق الأساسي كان معارضة أكبر اتحاد نقابي في البلاد، وهو الاتحاد العام التونسي للشغل. والجامعة العامة للنفط والكيماويات، التي تقود إضراب النقل، تابعة لهذا الاتحاد.
غير أن بعض المحللين اعتبروا الأزمة الحالية إرثا لسوء إدارة طويل الأمد وخلافات نقابية مستمرة، وليست نتيجة إخفاقات سياسية حديثة.
وقال صهيب المزرقي، محلل سياسي، للجزيرة إن إضراب المحروقات ناتج مباشرة عن صراع بين الاتحاد النقابي واتحاد أرباب العمل. وأضاف: “يتهم الاتحاد النقابي اتحاد أرباب العمل بالتراجع عن المطالب والاتفاقات التي تم التوصل إليها في 2019. والوضع، الذي يمكن أن نسميه وضعا مقيدا اقتصاديا واجتماعيا، كان نتيجة سياسات حكومات متعاقبة”.
مطالب بالمحاسبة
رفض مراقبون آخرون تحميل العقد الماضي مسؤولية انهيار الخدمات العامة الحالي، وأشاروا مباشرة إلى احتكار الإدارة الحالية للسلطة.
وقال أحمد الغيلوفي، محلل سياسي، للجزيرة إن الحكومة يجب أن تتحمل المسؤولية الكاملة عن تصاعد الغضب الشعبي وانعدام الشفافية. وأضاف: “قطاع المحروقات هو قمة جبل الجليد لأزمة عامة وشاملة”، مستشهدا بإحصاءات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تظهر أن تونس شهدت في 2026 أكبر عدد من الاحتجاجات في عقد. وقال: “الذين يريدون الهروب من المسؤولية برمي الكرة على العقود الماضية يهربون من مسؤوليتهم. هناك حاكم واحد يحكم البلاد، وعليه أن يتحمل المسؤولية”.
كما شكك الغيلوفي في البيانات الاقتصادية التي تنشرها الحكومة وفي حملتها على المعارضة السياسية. وقال: “إذا اعتمدنا على ما تقوله الحكومة، فأنا أقول إن حكومات من هذا النوع لا تعطيك أرقاما صحيحة أبدا. نحن نعيش في نظام مغلق لا شفافية فيه ولا مبادرة”. واختتم الغيلوفي قائلا: “المشكلة الكبرى أن النظام الحالي لا يسمح بالحوار ويعتبر نفسه صاحب القرار المطلق والوحيد في مستقبل ومصير هذا الشعب، ولا يقبل أي شراكة”.