في تعز باليمن، يعمل فؤاد محمد عامل بناء منذ أكثر من 25 سنة. الرجل البالغ من العمر 46 عاماً رأى الأمور تزداد سوءاً في قطاع البناء اليمني منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عقد، ثم ازدادت الحالة سوءاً بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، وما تبعها من أثر اقتصادي مدمر على المنطقة بأكملها.
يقول فؤاد للجزيرة: "بالكاد نقدر نعيش ونصرف على عيالنا". الحرب الإقليمية المستمرة أضرت باقتصادات الشرق الأوسط، ومناطق سيطرة الحكومة اليمنية تحملت عبئاً ثقيلاً مع ارتفاع أسعار السلع. ومن أكثر القطاعات تضرراً قطاع الوقود: ففي يناير كان سعر 20 لتراً من الديزل 25 ألف ريال يمني (17 دولاراً)، أما اليوم فقد قفز السعر إلى 45 ألف ريال (30 دولاراً). هذه الطفرة الهائلة تسببت في تأثير تسلسلي، رفعت تكاليف كل السلع والخدمات التي تعتمد على الوقود والنقل، ومنها البناء.
ونتيجة لذلك، توقفت مشاريع بناء كثيرة في مناطق سيطرة الحكومة في شرق وجنوب غرب اليمن.
فؤاد أوضح أنه قبل الحرب بين أميركا وإسرائيل وإيران كان يستطيع إيجاد عمل لنحو أسبوعين كل شهر. لكنه هذا العام أمضى أشهراً عديدة دون عمل تقريباً. وقال: "غلاء مواد البناء أحبط أصحاب المنازل والعمال على السواء. اللي يبني يلاقي ميزانيته ما تكفي، ونحن نبقى بلا شغل".
يتذكر فؤاد أنه وجد عملاً لفترة وجيزة في مايو لامرأة ادخرت مالاً لبناء منزل لأسرتها، لكن عندما حصلت موجة جديدة من ارتفاع الأسعار أوقفت البناء منتظرة انخفاض الأسعار. وأضاف: "أنا أشتغل مع مقاولين بناء، لكن أغلبهم أوقفوا مشاريعهم بناءً على طلب أصحاب البيوت. لما أتصل فيهم يقولون لي إنهم منتظرين تتحسن الأوضاع الإقليمية".
على سبيل المثال، ارتفع سعر حمولة شاحنة من الرمل من 130 ألف ريال (87 دولاراً) إلى 190 ألف ريال (127 دولاراً)، بينما ارتفع متوسط سعر المتر من زجاج الشبابيك من 90 ألف ريال (60 دولاراً) إلى 130 ألف ريال (87 دولاراً).
وضع فؤاد في البيت صعب جداً. هو يعتمد كلياً على الأجر اليومي، لكنه لا يجد عملاً الآن، فلا يستطيع توفير الاحتياجات الأساسية لأسرته. فكر في البحث عن عمل آخر، لكنه ليس عندهم خبرة مهنية في مجالات أخرى. وفي محاولة يائسة لإيجاد عمل، خفض أجره اليومي من 25 ألف ريال (17 دولاراً) إلى 20 ألف ريال (13 دولاراً). ويقول: "وضعي يسوء كل يوم".
الانقسام الاقتصادي
مسؤول من شركة النفط اليمنية في عدن قال لوكالة رويترز في مايو إن سبب ارتفاع سعر الديزل هو أزمة الإمدادات المتفاقمة وارتفاع أسعار الوقود العالمية بسبب التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري. وأشار المسؤول إلى أن هذا الإجراء مؤقت ويستمر حتى نهاية الأزمة وعودة الأوضاع إلى طبيعتها.
وأوضح وفیق صالح، المدير التنفيذي لمركز تعز للدراسات اليمنية الخليجية، أن الاقتصاد اليمني شديد الحساسية للصدمات الاقتصادية الخارجية. وقال للجزيرة: "أي اضطراب في أسواق السلع العالمية يؤثر بشكل مباشر على السوق المحلية لأن اليمن يستورد نحو 90% من احتياجاته. وبالتالي فإن الارتفاع المحلي في أسعار السلع والوقود هو نتيجة طبيعية لارتفاع الأسعار العالمية وتوترات الشحن في مضيق هرمز وارتفاع رسوم التأمين والشحن البحري".
أما في مناطق سيطرة الحوثيين، ومنها العاصمة صنعاء، فلم يحصل حتى الآن ارتفاع حاد في أسعار الوقود، وبالتالي لم يتأثر قطاع البناء بعد. الحرب في اليمن أوجدت اقتصادين منفصلين، مع انقسام البنك المركزي بين عدن وصنعاء، وسعرَي صرف مختلفين للريال اليمني.
الحوثيون يواجهون أصلاً غضباً شعبياً بسبب ضعف الاقتصاد، وهم في عزلة إقليمية ودولية متزايدة. ولتجنب ذلك لم يرفعوا سعر الوقود بعد، فسعر 20 لتراً من الديزل يبلغ 9500 ريال يمني، أي نحو 18 دولاراً بسعر الصرف في صنعاء. ويقول صالح: "قد يكون لديهم مخزون كافٍ من الأشهر السابقة، لذلك لم يتأثر السوق المحلي. لكن الأثر سيظهر في الفترة القادمة حين تتم عمليات الاستيراد بالأسعار الجديدة".
أعمال الحوثيين المؤيدين لإيران ساهمت في ارتفاع أسعار النفط العالمية. فبعد أن ظلوا خارج الحرب الإيرانية في الشهور الأولى، بدأوا مؤخراً هجمات على سفن سعودية في البحر الأحمر، بعد أن رفضت الحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية السماح لطائرة إيرانية بالهبوط في صنعاء. هجمات الحوثيين تعني أن نقل النفط من الخليج معطل الآن في مضيق هرمز والبحر الأحمر معاً، وساهمت في وصول أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ مايو.
هل تنخفض الأسعار؟
لطف زريقي (58 عاماً) كان قد ادخر مالاً لبناء منزل، لكن الزيادة الهائلة في تكاليف مواد البناء أرغمته على وقف المشروع "حتى تتحسن الأمور". وقال للجزيرة: "ارتفاع الأسعار ليس جديداً في اليمن، لكني أعتقد أن هذه الموجة الحالية إقليمية. أعتقد أنه بمجرد انتهاء الحرب الإقليمية ستعود مواد البناء إلى أسعارها القديمة".
زريقي يتابع أخبار الحرب على إيران يومياً لأن نهايتها تعني انخفاض تكاليف المواد وإمكانية استئناف بناء منزله. وأضاف: "الحكومة وعدت أن الأسعار ستنخفض بعد انتهاء الحرب". هذه المرة قررت أن أصدقهم، وآمل أن أتمكن من إنهاء بناء منزلي.
أما محمد جميل، فهو لم يتابع الأخبار هذه المرة، بل ظل يراقب أسعار مواد البناء. هذا الرجل البالغ من العمر 59 عامًا يعتقد، بناءً على خبرته، أن الأسعار إذا ارتفعت مرة، فإنها لن تنخفض أبدًا.
يقول جميل: "أعمل في البناء منذ أكثر من أربعين عامًا، وطوال هذه الفترة كانت أسعار مواد البناء ترتفع باستمرار. لم نشهد أي انخفاض في الأسعار. لذلك أنصح من أوقفوا بناءهم بالعودة إلى العمل، لأن اليوم دائمًا أفضل من الغد."
وأضاف جميل أنه اضطر لتخفيض أسعاره وتقليل هامش الربح في العقود الكبيرة ليحصل على بعض العمل.
وقال: "خبرتي تقول لي إنه من الطبيعي أن يتوقف أصحاب المنازل والمشاريع عن العمل حتى يتأقلموا مع الأسعار الجديدة. لكن في النهاية، ستزداد أجور عمال البناء، وسترتفع التكلفة الإجمالية للبناء."
جميل يتعاطف مع معاناة عمال البناء، لكنه يرى أن هذه مرحلة مؤقتة، ويعتقد أن الألم سيخف بمجرد عودة العمل. قال: "كلنا في نفس المركب، ليس فقط العمال الذين يعملون بأجر يومي. ولكن نأمل أن تتحسن الأمور."