على مدى أكثر من عقدين، خضع البرنامج النووي الإيراني لتدقيق دولي مكثف وفرضت عليه عقوبات وسارت حوله مفاوضات دبلوماسية مستمرة.
بالمقابل، يُعتبر على نطاق واسع أن إسرائيل تملك الاسلحة النووية — وهي ادعاء ممتنعون عن تأكيده أو نفيه بشكل رسمي — لكنها تقريبًا لا تواجه ضغوطًا دولية حقيقية من أجل الشفافية.
ماذا نعرف عن ترسانة إسرائيل النووية؟
تصفها أوساط عديدة بـ«السر المفتوح»: الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يُعتقد أنها تمتلك أسلحة نووية، مع سياسة غموض متعمدة استمرت عقودًا. حين طُرح على بنيامين نتنياهو في 2018 ما إذا كانت إسرائيل تمتلك قدرة نووية، أجاب بأنهم «لم يكونوا ولن يكونوا المبادرين لإدخالها» ورفض تأكيدًا أو نفيًا واضحين.
تعود أسس البرنامج الإسرائيلي إلى خمسينيات القرن الماضي في عصر دافيد بن غوريون، بمساعدة خارجية، لا سيما من فرنسا. ومفاعل ديمونا في صحراء النقب يشتبه طويلاً بأنه مصدر البلوتونيوم المرتبط بالأسلحة. تقديرات الخبراء تشير إلى وجود ما بين نحو 80 إلى 200 رأس حربي، دون أرقام مؤكدة دقيقة.
في 1986 تمثلت أصعب ضربة لسياسة السرية حين كشف فني في ديمونا، مورديخاي فانونو، عن معلومات وصور لصحيفة بريطانية؛ اختُطف لاحقًا من قبل عملاء إسرائيليين، حوكم سرًا وقضى 18 عامًا في السجن. كما أن امتناع إسرائيل عن الانضمام إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (NPT) يمنحها وضعًا خارج إطار التفتيش الدولي المطبق على الدول الأطراف.
يهدف هذا الغموض، بحسب محللين أمثال شون روستكر، إلى الحفاظ على الردع مع تجنّب التكاليف الدبلوماسية والقانونية والسياسية التي قد تنجم عن إعلان صريح، ولا يُتوقع أن تغير إسرائيل موقفها ما لم يتغيّر الإطار الأمني الإقليمي جذريًا.
ماذا نعرف عن البرنامج النووي الإيراني؟
بدأ البرنامج الإيراني في خمسينيات القرن العشرين بعهد رضا شاه بهلوي بدعم أميركي، واتسع بعد ثورة 1979. إيران، التي هي طرف في معاهدة عدم الانتشار، تؤكد أن برنامجها لأغراض مدنية مثل إنتاج الطاقة والاستخدام الطبي.
وقّعت طهران اتفاق ضمانات شاملة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1974، وتحت المراقبة الدولية ظل برنامجها محط متابعة من الوكالة على مدى عقود. كما انضمت إيران إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في 2015، والتزمت بموجبها بتقييد تخصيب اليورانيوم والقبول بتفتيشات الوكالة.
من أهم بنود الاتفاق:
– تحديد مستوى التخصيب عند 3.67% لمدة 15 سنة، أي مستويات لا تصلح لصنع سلاح؛
– تقليص عدد أجهزة الطرد المركزي؛
– فتح باب مراقبة واسع من مفتشي الوكالة، بما في ذلك رقابة لمدة 25 سنة على مطاحن ومناجم اليورانيوم.
بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 تحت إدارة دونالد ترامب — رغم تأكيد الوكالة على التزام إيران حتى ذلك الحين — تابعت طهران الالتزام لسنة إضافية قبل أن تعيد رفع مستويات التخصيب.
ما الدليل على قدرة إيران على بناء سلاح نووي؟
طالما ادّعت إسرائيل والولايات المتحدة أن إيران تقترب من عتبة السلاح، لكنهما لم تقدما دلالات قاطعة أمام الجمهور. وفي مارس 2025 شهدت تلسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، أمام الكونغرس بأن التقييم الأميركي آنذاك «يستمر في القول إن إيران لا تبني سلاحًا نوويًا وأن المرشد الأعلى لم يأذن ببرنامج سلاح علني منذ 2003».
طهران كررت أنها لا تنوي تطوير سلاح نووي، وأن قرار المرشد الأعلى في 2003 بالحظر كان قائمًا — وهو موقف ركّزت عليه الجمهورية الإسلامية حتى أحداث الهجمات الأميركية−الإسرائيلية على طهران في 28 فبراير، التي ذُكر فيها مقتل المرشد الأعلى.
يُذكر أن تصريح الولايات المتحدة عن امتلاك إيران 400 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% استند إلى تقرير لوكالة الطاقة الذرية في 2025، ما يبيّن أن الوكالة تتمتع بإطلالة أعمق على البرنامج الإيراني مما لدى المجتمع الدولي عن البرنامج الإسرائيلي؛ لأن اليورانيوم لا يصل إلى درجة صلاحية السلاح إلا عند مستويات تخصيب تفوق 90%، ومن هنا تأتي المطالب الأميركية بإزالة مخزون 60% من التخصيب.
هل تُطبق معايير مزدوجة على إسرائيل وإيران؟
يؤكد محللون كثيرون، من بينهم الباحث الفلسطيني أحمد نجّار، وجود «معيارَين واضحين» في المعاملة: إذ تُستثنى إسرائيل من القيود الدولية إلى حد كبير لأنها حليف غربي إقليمي، بينما تُعامل إيران كخصم يستدعي أقصى درجات الضغط. يقول نجّار إن المعايير الدولية تُطبق انتقائيًا — تُنفّذ بحزم في حالات وتُتجاهل بهدوء في حالات أخرى.
علاوة على ذلك، تثير سياسة «الغموض النووي» الإسرائيلية مخاوف عميقة تتعلق بالشفافية، ليس فقط حول القدرات بل حول معايير الاستخدام نفسها، وكل ذلك من دون آليات محاسبة معمول بها في حالات أخرى.
خلاصة تحليلية
يُجمع كثيرون على أن بقاء الوضع كما هو مرهون بالتوازنات الاستراتيجية الدولية: ما دامت المصالح الإقليمية والدولية تتقدم على تطبيق موحّد للقانون الدولي، فستظل سياسة إسرائيل النووية محمية إلى حد كبير من التدقيق، بينما تبقى إيران عرضة لحملات ضغط واتهامات مكثفة.