في الأول من حزيران/يونيو، سيتوجه أكثر من 57 مليون مواطن إلى صناديق الاقتراع في سابع انتخابات وطنية منذ اعتماد دستور 1995، في اختبار سياسي حاسم لاثيوبيا — ليس مجرد حدث انتخابي روتيني، بل تجربة مركزية لمعرفة ما إذا كانت دولة كبيرة متعددة ومتحولة بسرعة قادرة على إدارة انتقال ديمقراطي معقَّد.
يختلف النظام الانتخابي الإتيوبى عن كثير من النماذج الإفريقية: الناخبون لا يختارون رئيساً مباشراً، بل ينتخبون ممثلين برلمانيين بنموذج أقرب إلى النظام البريطاني. في هذا الاستحقاق تتنافس 47 حزباً سياسياً وأكثر من 10 آلاف مرشح على مقاعد على المستويين الفدرالي والإقليمي.
من المتوقع أن ينعكس أداء الحكومة في القطاعت الرئيسية خلال السنوات الأخيرة على نتيجة الاقتراع. شهدت البلاد دورة اقتصادية قوية سجلت نمواً سنوياً متوسطاً في الناتج المحلي الإجمالي يقارب 7.5%، مع توقعات هذا العام تتجاوز 10%.
هذه الأرقام ليست مجرد معطيات نظرية؛ فمدناً كبرى، من بينها أديس أبابا، تشهد تحوّلاً عمرانياً مرئياً بدعم مشاريع بنية تحتية طموحة وإحياء في قطاعات الزراعة والصناعة.
تحسّن أداء الصادرات بشكل ملحوظ مدفوعاً بالزراعة والتعدين، بينما بدأت السياحة والخدمات الرقمية تضطلع بدور متنامٍ في الاقتصاد. وسدّ النهضة الإثيوبي أكسب البلاد موقع قوة إقليمية في مجال الطاقة، مع مشاريع كبرى أخرى في الأفق تشير إلى استمرار دفعة اقتصادية ملحوظة.
ومع ذلك، تواجه الحكومة تحديات جدية؛ لا تزال القضايا الاقتصادية والأمنية تتطلب تدخلاً مستمراً لتلبية مطالب الجمهور المتزايدة. ولم تتمكن المعارضة من استغلال هذا الواقع لتقديم بديل متماسك ومقنع.
تبقى كثير من قوى المعارضة مجزأة على أسس إثنية ومذهبية، ما يحدّ من قدرتها على المنافسة بفاعلية في نظام الأغلبية البسيطة (الفائز يحصد المقعد). في هذا السياق، قد تؤدي الانقسامات إلى تشتت القاعدة الانتخابية لصالح الحاكمين الحاليين.
في محاولة لتوسيع المشاركة السياسية، اتخذت إجراءات تسمح بفراغ بعض المقاعد عن مرشحين عن الحزب الحاكم، سعيًا لإفساح المجال لتمثيل المعارضة وتشجيع برلمان أكثر تعددية.
ثمة توقع بأن المشهد السياسي بعد الانتخابات سيواصل ممارسة إشراك شخصيات معارضة في مناصب تنفيذية، امتداداً لجهود بناء ثقافة سياسية أكثر شمولاً.
لا يمكن فهم مسار الديمقراطية في إثيوبيا بمعزل عن السياق العالمي والتاريخي؛ فحتى الديمقراطيات الراسخة تواجه استقطاباً متصاعداً، وتضخيم معلومات مضللة، وتطرفاً سياسياً.
في إثيوبيا تتفاقم هذه الضغوط بفعل تحديات بنيوية طويلة الأمد، بينها انقسامات إثنية متجذرة وتاريخ نزاعات حديث نسبياً.
لهذا، الانتخابات وحدها لا تكفي لحل كل الاشكاليات السياسية. إن عملية الحوار الوطني المستمرة تشكل مكملاً حاسماً للعملية الانتخابية؛ فالسعي للتوافق حول قضايا دستورية وسياسية جوهرية عبر مسار شامل وتشاوري يهدف إلى تناول مسائل تتجاوز قدرة القرار الأكثرية البسيطة. إن التوصل إلى خاتمة ناجحة لهذا الحوار سيكون هاماً بقدر أهمية نتائج الاقتراع في تشكيل مستقبل الديمقراطية.
الأهمية الحقيقية لهذا الاقتراع لا تكمن فقط في هوية الفائزين، بل في ما يمثله: ممارسة سيادة شعبية في ظروف صعبة، وخطوة — غير كاملة لكنها ذات مغزى — في مسار أوسع نحو تكريس الديمقراطية. وفي بلد بحجم إثيوبيا وأهميته الجيوسياسية وتنوّعه، تمتد الآثار إلى خارج حدوده.
أكثر من 57.2 مليون ناخب يتوجهون إلى الصناديق ليسوا في طور اختيار ممثلين فحسب، بل يؤكدون التزاماً جماعياً بمستقبل ديمقراطي. السؤال ليس ما إذا كانت الرحلة ستكون عسيرة — فهي كذلك بالفعل — بل ما إذا كانت المؤسسات والآليات والإرادة السياسية قادرة على التطور لمواجهة هذا التحدي. وكل من يعرف تاريخ صمود إثيوبيا يدرك الجواب.
الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لـ”الجزيرة”.