البابا ليو الرابع عشر يطالب بـ«تغيير حاسم في المسار» لقطع الطريق أمام الصراع واستغلال الأرض
زار البابا ليو الرابع عشر مدينة بامندا في غرب الكاميرون، حاضراً برسالة سلام إلى منطقة تعد بؤرة صراع انفصالي تعتبر من أكثر الأزمات العالمية إهمالاً. احتشدت الحشود في الشوارع، مهللة ومبتهجة، لتستقبله بأبواق ورقصات في مشهد امتزجت فيه الفرح بالمرارة على وقع معاناة دامت سنوات.
خلال قداس واجتماع سلام أقيم في كاتدرائية القديس يوسف على أرض تبرعت بها قبيلة مانكون، ترأس البابا لقاءً ضم زعيماً تقليدياً من المانكون، ومشرفاً من الكنيسة المشيخية، وإماماً، وراهبة كاثوليكية، في لفتة تهدف إلى إبراز حركة بينية الأديان سعت لوقف العنف ورعاية الضحايا. أشاد البابا بهذه المبادرات وحذر من تحويل الدين إلى أداة في النزاعات، مؤكداً أن الدين لا ينبغي أن يُستغل لأغراض عسكرية أو سياسية أو اقتصادية.
وقال كلمات صارمة ومؤثرة: «طوبى لصانعي السلام! ولكن ويلٌ للذين يَسْتَغِلّون الدين واسم الإله لأغراضهم العسكرية والاقتصادية والسياسية، فيجرّون المقدس إلى ظلامٍ وقذارة». ودعا إلى «تغيير حاسم في المسار» يبعد العالم عن الصراع واستغلال الأرض وشعوبها من أجل مكاسب ضيقة.
وأضاف أن العالم «يجتاحه قلة من الطغاة، فيما تحافظ عليه أعداد كبيرة من الإخوة والأخوات الداعمين»، في تنديد واضح بمن يهيمنون على خيرات الشعوب ويستثمرون أرباحها في السلاح، ما يكرس دورة لا تنتهي من عدم الاستقرار والموت.
جاءت تصريحات البابا بعد أيام من هجوم جديد شنه عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي، في سياق خلاف متصاعد بين الزعيمين.
سيتلو البابا قداساً لشعب بامندا القريبة من الحدود مع نيجيريا قبل عودته إلى ياونديه. لم يتضح فوراً ما إذا كان أي من المقاتلين الانفصاليين الكاميرونيين، الذين أعلن بعضهم وقفاً مؤقتاً لإتاحة مرور آمن للبابا، سيحضرون.
خلفية النزاع
يرتكز الصراع في إقليمي الكاميرون الناطقتين بالإنجليزية إلى آثار التقسيم الاستعماري الذي شهدته البلاد بعد الحرب العالمية الأولى، حين قُسّمت بين فرنسا وبريطانيا. انضمت المناطق الناطقة بالإنجليزية لاحقاً إلى الكاميرون الفرنسية في استفتاء عام 1961 بدعم من الأمم المتحدة، لكن الناشطين الانفصاليين يقولون إنهم تعرضوا منذ ذلك الحين لهامشية سياسية واقتصادية مزمنة.
في 2017 انطلق تمرد لانفصاليين ناطقين بالإنجليزية هدفه الانفصال عن الأغلبية الناطقة بالفرنسية وإقامة دولة مستقلة؛ وقد أسفر الصراع بحسب مجموعة الأزمات الدولية عن أكثر من 6000 قتيل وتشريد أكثر من 600 ألف شخص.
تتردد تقارير عن دعم حركات الانفصال من جهات خارجية عدة. وفي ديسمبر الماضي أدان هيئة محلفين اتحادية في الولايات المتحدة شخصين بتهمة التآمر لتقديم أموال ومعدات للمقاتلين الانفصاليين، كما أعلنت سلطات بلجيكا في مارس الماضي اعتقال أربعة أشخاص في إطار تحقيق يتعلق بمقيمين يُشتبه بكونهم من قيادات الانفصاليين وجمعهم أموالاً لصالحهم من الأراضي البلجيكية.
الموارد والاستغلال
أثارت موارد الكاميرون الطبيعية—من النفط والغاز إلى الكوبالت والبوكسيت وخام الحديد والذهب والألماس—طغيان شركات خارجية على قطاعات الاستخراج لسنوات. ومع هيمنة شركات فرنسية وبريطانية تقليدياً، برزت حضوراً صينياً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، لا سيما في مناطق التنقيب عن الذهب شرق البلاد.
وقفات أمل وهشاشة السلام
إعلان بعض المجموعات الانفصالية عن وقف قتال مؤقت لثلاثة أيام من أجل مرور آمن للبابا اعتُبر خطوة رمزية تعكس التزاماً بالمسؤولية وضبط النفس واحترام الكرامة الإنسانية، كما قال متحدث باسم تحالف الوحدة، لوكاس أسو. ومع ذلك، ورغم تراجع الهجمات القاتلة في السنوات الأخيرة، لا تبدو بوادر حل نهائي للصراع قريبة؛ فقد تعثرت محادثات السلام برعاية وسطاء دوليين، ويتبادل الطرفان الاتهامات بسوء النية.
ختم البابا رسالته بنداء أخلاقي واضح: يجب أن تُدين وتُرفض استغلال خلق الله، وأن يتبنى الضمير النزيه موقفاً رافضاً لهذه المعادلة التي تقلب العالم رأساً على عقب وتغذّي دورة لا تنتهي من العنف والظلم.