الحرب الإيرانية كشفت محدودية الحياد — مجلس التعاون الخليجي

المواجهة العسكرية الراهنة بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ليست مجرد عملية عسكرية محدودة أو حلقة جديدة في مسلسل الردع المتبادل. إنها بمثابة لحظة كشف تحوّل في بنية النظام الدولي؛ أعادت رسم الانقسامات الجيوسياسية بطرق غير مسبوقة وكشفت عن حدود افتراضات حكمت سلوك القوى الكبرى لعقود، وعلى رأسها الاعتقاد القائل بأن النزاعات يمكن احتواؤها بالحياد أو بالأدوات الدبلوماسية التقليدية.

ما برز منذ الأيام الأولى للصراع هو أن العالم لم يعد يعمل بمنطق التوترات المدارة والضبط المتعمد، بل داخل بيئة مترابطة بشدة تقطع فيها الجغرافيا مع شبكات عابرة للحدود، وفيها قادرة أزمة إقليمية واحدة أن تتحول بسرعة إلى صدمة عالمية مباشرة. إيران شنت ضربات عبر دول عدة في المنطقة خلال الأيام الأولى وحدها، مستهدفة أصولاً أميركية وبنيات تحتية للطاقة وغيرها في الخليج، ما أحدث اضطراباً فورياً في الأسواق العالمية.

حدود الحياد

مسار الحرب أثبت أن مفهوم «الحياد» صار غير قابل للحياة في السياقات الإقليمية المعاصرة، ولا سيما في الشرق الأوسط. حينما تمتد أدوات الصراع عبر ميليشيات بالوكالة، وإغلاق الممرات البحرية الحيوية، والتهديد بإيقاف إمدادات الطاقة العالمية، تصبح أي دولة — مهما بذلت من جهود — معرضة للانجراف إلى مسار الأزمة بصورة أو بأخرى. قطر، على سبيل المثال، أمضت سنوات في الوساطة بين واشنطن وطهران وكانت مفتوحة القنوات مع جميع الأطراف، ومع ذلك تعرضت بنية مدنية ومنشآت طاقة لضربات إيرانية خلال ساعات من اندلاع الحرب.

الحياد أسهل أن يُعلن منه أن يُحافظ عليه. الضربات الإيرانية على بنى الطاقة في دول الخليج أجبرت عدداً من المنتجين على إعلان القوة القاهرة وتعليق عملياتهم. في قطر أوقفت شركة قطر للطاقة إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وكان للتبعات أثر فوري في أوروبا حيث شهدت أسعار الغاز ارتفاعات تقارب خمسين في المئة في هولندا وبريطانيا، تذكيراً بأن الاقتصاد العالمي، والأمن الطاقي وسلاسل الإمداد مرتبطة الآن مباشرة باستقرار هذه البقعة.

يقرأ  خامنئي: طهران أذهلت العالم خلال الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية على إيرانأخبار الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية على إيران

عندما يختلف الحلفاء

التعامل مع أنظمة صعبة أو متصلبة ظل تحدياً مستمراً. بعض دول حلف الناتو أبدت تردداً أو رفضت بالمطلق توسيع التعاون الذي طلبته واشنطن. وعلى المستوى متعدد الأطراف انكشفت انقسامات في مجلس الأمن الدولي: فبينما أدان بعض الأعضاء الضربات الإيرانية على دول الخليج، لم يتمكّن المجلس من التوافق على موقف بشأن الضربات الأميركية-الإسرائيلية، وهو دليل على الخلافات العميقة بين القوى الكبرى حول مسار التعامل مع إيران.

معسكر الدعوة لوقف إطلاق النار يستند إلى سجل تاريخي مثقل. التدخلات العسكرية، كما في العراق وليبيا، بينت أن الإطاحة بالأنظمة بالقوة لا تفضي بالضرورة إلى بناء أنظمة مستقرة؛ بل تفتح أبواب الفوضى والانهيار المؤسسي. التدخل الخارجي في هذين البلدين ساهم في إطالة أمد النزاع والتفكك المؤسسي، وما زال كلا البلدين يرزحان تحت آثار ذلك.

هذا المعسكر يرى في الحرب مضاعف أزمة؛ والأولوية من وجهة نظرهم هي وقف الخسائر الإنسانية والاقتصادية والعودة إلى المسار الدبلوماسي، حتى لو تطلّب الأمر التعايش مع نظام صعب. الاستقرار النسبي عندهم أفضل من الفوضى عديمة المخرجات المتوقعة.

لكن هذا الطرح يواجه مأزقاً مركزياً: يفترض أن النظام الإيراني قابل للاحتواء ضمن قواعد الدبلوماسية التقليدية، وهو افتراض بدا أنه تعرض لتشكيك بعد 28 فبراير، عندما استهدفت إيران دولاً خليجية بينها قطر والسعودية، رغم الضمانات الصريحة بأن أراضي تلك الدول لن تُستخدم لشن عمليات عدائية ضد إيران.

معسكر تغيير النظام يرى العكس: لا أن الحرب خلقت الأزمة بل كشفت حقيقتها. يذهب هذا المعسكر إلى أن سلوك إيران، سواء عبر استهداف الممرات البحرية أو توسيع حروب الوكلاء، أثبت أن النظام لا يمكن احتواؤه أو ترويضه بالأدوات التقليدية. عقود من الدبلوماسية والعقوبات لم تمنع إغلاق مضيق هرمز. مؤيدو هذا التوجه يعتقدون أن سنوات الاتفاق النووي والوساطات الإقليمية ساهمت في توسيع قدرات طهران ونفوذها بدلاً من كبحهما، وأن الحل يتطلب تغيير بنية النظام نفسها.

يقرأ  إسرائيل على شفا الانهيار — غزة

ومع ذلك، يطرح هذا الخيار سؤالاً معقداً للغاية: ماذا بعد تغيير النظام؟ التجارب السابقة في المنطقة لا تقدّم نموذجاً ناجحاً لإعادة بناء الدولة بعد الإطاحة، مما يجعل هذا الخيار أخطر مما قد تبرره مكاسبه المحتملة. الضربة الافتتاحية لهذه الحرب — اغتيال المرشد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي — قامت على فرضية أن إزالة رأس الدولة ستقود إلى انهيار شامل؛ غير أن خليفة عُيّن سريعاً بعد الضربة واستمرت مؤسسات الدولة في العمل.

النظام الدولي عند مفترق طرق

الحرب تكشف أيضاً تحولاً أعمق في طبيعة التهديدات التي تواجه النظام الدولي. لم تعد التهديدات تقليدية أو محصورة داخل حدود الدول؛ بل أصبحت شبكية وقادرة على الانتشار عبر الجبهات العسكرية والاقتصادية والرقمية في آن واحد. لم تعد المخاطر مصدرها الجيوش النظامية فحسب، بل ناتجة عن تقاطع أدوات متعددة: ميليشيات، هجمات إلكترونية، استهداف اقتصادي وإغلاق ممرات بحرية. هذه التعقيدات تجعل الاعتماد على أدوات تقليدية سواء دبلوماسية أو عسكرية أمراً بالغ الصعوبة في معالجات الأزمات.

الدعوات إلى وقف إطلاق النار من دون معالجة جذور الأزمة قد تساوي تأجيل الانفجار الوشيك، في حين أن السعي لتغيير جذري بدون رؤية واضحة لمرحلة ما بعده قد يفتح باباً لفوضى أعظم.

بين هذين الخيارين تطرح نفسها مسألة جوهرية: كيف يمكن التعامل مع نظام تراه دول عديدة جزءاً من المشكلة، من دون أن يؤدي السعي إلى تغيّره إلى خلق مشكلة أكبر؟

الواقع الظاهر هو أن المرحلة المقبلة ستترك مساحة ضئيلة للمنطقة الرمادية التي اعتادت الدول أن تتصرف ضمنها طويلاً. سيكون الاختيار إما منطق الاحتواء الحذر أو منطق الحسم الحاسم. وفي الحالتين ستكون تكلفة القرار باهظة، ليس على المستوى الإقليمي فحسب بل على النظام الدولي كما نعرفه.

يقرأ  سخط في أستراليا بعد انقطاع خدمات الاتصالات الذي رُبط بحالات وفاة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصّة النشر.

أضف تعليق