المحكمة العليا الأمريكية تحكم لصالح شركة «راوند أب» وتمنع دعاوى عدم التحذير
أصدرت المحكمة العليا للولايات المتحدة حكماً تاريخياً يميل إلى جانب الشركة المصنعة لمبيد الحشائش «راوند أب»، في قرار متوقع أن يعيق آلاف الدعاوى التي تزعم أن الشركة لم تحذر المستخدمين من احتمال أن يسبب المنتج السرطان. القرار، الذي صدر بأغلبية 7-2، قضى بأن دعاوى الإخفاق في التحذير المرفوعة بموجب قوانين الولايات لا يمكن المضي فيها لأن تنظيمات فدرالية خلصت إلى أن صلة الغليفوسات بالسرطان غير مرجحة ولا تفرض وسمًا تحذيريًا.
خلفية القضية
القضية عُرضت على القضاة بعد موجة طوفانية من الدعاوى، شملت أحكامًا بمليارات الدولارات ضد شركة باير العالمية، التي استحوذت على «راوند أب» حين اشترت الشركة الأم مونسانتو عام 2018 بصفقة قيمتها 63 مليار دولار. أمام المحكمة، طعنت باير في حكم هيئة محلفين في ولاية ميسوري قضى بتعويض قدره 1.25 مليون دولار لمُدّعٍ اسمه جون دورنيل، الذي قال إنه أُصيب بلمفوما اللاهودجكِن بعد سنوات من التعرض للغليفوسات عبر استعمال «راوند أب».
أساس القرار
القضاة المحافظون، وعلى رأسهم بريت كافانو (الذي كتب رأي الأغلبية)، رأوا أن قانونًا فدراليًا ينظم المبيدات — لا سيما قانون المبيدات الحشرية والفطرية والقوارض (FIFRA) — يمنع قوانين الولايات من فرض متطلبات وسم مغايرة أو إضافية. حسب رأي الأغلبية، إن قبول دعوى دورنيل كان سيُجبر مونسانتو على إضافة تحذير من السرطان إلى ملصق المنتج رغم أن القانون الفدرالي يطلب استخدامها للوسم الموافق عليه من وكالة حماية البيئة دون انذار من هذا النوع. قفزت أسهم باير بنحو 18٪ بعد صدور القرار.
المعارضة والاختلاف
القاضية الليبرالية كيتانجي براون جاكسون أبدت اعتراضًا حادًا، وانضم إليها القاضي المحافظ نيل غورساش في الرفض، معتبرين أن دعوى دورنيل لا تفرض متطلبات وسم مختلفة فعليًا عما يطلبه القانون الفدرالي، وبالتالي لا ينبغي حظرها بمبدأ الإحلال الفدرالي. وصفت جاكسون الحكم بأنه «ملحوظ ومؤسف، لأنه يغلق أبواب المحاكم أمام مدّعين في دعاوى التعويض مثل دورنيل بلا مبرر».
ردود الفعل السياسية والعامة
القرار يمثل انتصارًا لإدارة الرئيس السابق دونالد ترامب التي دعمت باير في القضية، لكنه قد يضع صناع السياسات في مأزق سياسي، خصوصًا مع جماعات من حركة «اجعل أمريكا صحية مجددًا» التي تسعى للحد من استخدام المبيدات. من جانبه، قالت باير إن قرار المحكمة «جيد للعلم والمزارعين والصناعات التي تعتمد على وضوح التنظيمات من أجل الابتكار»، وأنه قد يضع حدًا لمعظم دعاوى «راوند أب» بعد عقد من المعارك القضائية.
الموقف العلمي والامتثال
شددت الشركة مرارًا خلال التقاضي على أن وكالة حماية البيئة لم تجد أن الغليفوسات يتسبب في السرطان وأنها أقرت وسوم المنتجات من دون تحذير من السرطان. وفي مواجهة مطالبات محتملة بمليارات الدولارات، أعلنت باير في فبراير عن تسوية مقترحة بقيمة 7.25 مليار دولار لتسوية عشرات الآلاف من الدعاوى الحالية والمستقبلية، مع استثناء بعض المطالبات والقضايا الجارية بقيمة تقارب مليار دولار.
انتقادات من منظمات المجتمع المدني
نددت منظمات بيئية ودفاع عن الصحة العامة بالحكم. قالت تارا هاينزن، مديرة الشؤون القانونية في مجموعة «الغذاء والماء يراقب»، إن المحكمة «مرة أخرى مالَت إلى جانب الشركات الكبرى على حساب الناس والبيئة»، ووصف آخرون القرار بأنه «كارثة للصحة العامة» ستؤدي إلى استمرار أوبئة السرطان والعقم والأمراض المزمنة لأجيال قادمة.
حيثيات الدعوى الفردية
دورنيل رفع الدعوى عام 2019 مُدعيًا أن مونسانتو فشلت في تحذير المستخدمين من مخاطر «راوند أب» والغليفوسات. أكد أن تشخيصه بلمفوما اللاهودجكِن، وهو نوع نادر وغالبًا ما يكون عدوانيًا من سرطانات خلايا الدم البيضاء، نُسب إلى تعرضه للمبيد منذ 1996 حين كان مسؤول الرش في حي بمدينة سانت لويس على مدار نحو عشرين عامًا، غالبًا دون معدات حماية. هيئة محلفين حكمت لصالحه في 2023، ثم أيدتها محكمة استئناف الولاية في 2025، إلى أن ألغت المحكمة العليا هذا المسار القضائي بمبدأ الإحلال الفدرالي.
خلاصة وتوقعات
القرار يمهّد لمرحلة جديدة في ملف الغليفوسات لشركة باير، وقد يخفف بصورة جوهرية من الضغط القضائي الذي كاد أن يهدد قدرتها على توريد المبيد للمزارعين. إلا أن الانتقادات الحقوقية والبيئية مستمرة، وستبقى المسألة محل جدل عمليًا وقانونيًا وسياسيًا في الولايات المتحدة والعالم. محاكم الولايات لا تزال تواجه قيودًا على الدفع بدعاوى تستند إلى مطالبات وسم مختلفة عن تلك المعتمدة فدراليًا، بينما تواصل الأطراف النظر في بدائل تسوية واستئناف لتحديد مصائر القضايا المتبقية. محكمه القرار سيترك أثرًا طويل الأمد على علاقات الصناعة بالهيئات التنظيمية وعلى حقوق المتضررين في الحصول على تعويضات.