بريطانيا تضخ 11.3 مليار دولار في غواصات الجيل القادم

في 30 يوليو 2026، أعلنت المملكة المتحدة عن تخصيص أكثر من 8 مليارات جنيه إسترليني، أي نحو 11.3 مليار دولار، للمرحلة الرابعة من برنامج غواصات “دريدنوت”. هذه الغواصات هي الجيل الجديد من الغواصات النووية البريطانية المسلحة، وستحل محل غواصات فئة “فانغارد” التي حملت الردع النووي البريطاني تحت الماء لعقود.

يشمل هذا التمويل استكمال التجارب البحرية للغواصة الأولى “إتش إم إس دريدنوت” ودخولها الخدمة، ومواصلة بناء الغواصة الثانية “إتش إم إس فالينت” حتى تصل إلى مرحلة تجاربها البحرية، بالإضافة إلى مواصلة العمل على الغواصتين الثالثة والرابعة: “إتش إم إس وارسبايت” و”إتش إم إس الملك جورج السادس”.

غواصات “دريدنوت” ضخمة فعلاً؛ إذ يزيد وزنها عن 17 ألف طن، ويبلغ طولها أكثر من 152 متراً، ما يجعلها أكبر قليلاً من غواصات “فانغارد” السابقة. تحمل كل غواصة طاقماً من نحو 130 بحاراً يقضون أشهراً تحت الماء منقطعين تماماً عن العالم الخارجي. وهذه الغواصات مكلفة بتنفيذ ما تسميه البحرية الملكية “عملية ريلنتليس”، أي الحفاظ على دورية ردع نووي بحرية مستمرة دون انقطاع منذ عام 1969. الهدف أن تبقى غواصة بريطانية مسلحة نووياً مخفية في المحيط في كل الأوقات، جاهزة للرد إذا تعرضت البلاد لهجوم نووي. هذا السجل الذي يمتد 57 عاماً من الدوريات المتواصلة يُعد واحداً من أطول عمليات الردع العسكري المستمرة في العالم، والغواصات الأربع الجديدة مصممة لتمديد هذا السجل حتى النصف الثاني من هذا القرن.

أما الغواصات الحالية فقد أظهرت علامات تقدم في العمر بالمعنى الحرفي. فغواصات “فانغارد” الأربع يتراوح عمرها بين 27 و33 عاماً، أي أنها تجاوزت بكثير العمر الافتراضي الذي صُممت من أجله عندما دخلت الخدمة في التسعينيات. لذلك فإن استبدالها لم يعد مجرد تحديث عسكري، بل ضرورة تشغيلية ملحة لتفادي أي ثغرة في تغطية الردع النووي، خاصة مع اقتراب هذه الغواصات القديمة من نهاية ما يمكن أن تتحمله مفاعلاتها وهياكلها بأمان.

يقرأ  «زعيم القطيع»ماذا الآن بعد أن حقق حزب ريفورم في المملكة المتحدة مكاسب انتخابية كبيرة؟

أُعلن هذا الاستثمار خلال زيارة قام بها رئيس الوزراء آندي بورنهام، الذي تولى منصبه في 20 يوليو 2026، ووزير الدفاع ويس ستريتنج، إلى منشآت شركة “بي إيه إي سيستمز” لبناء السفن في بارو-إن-فورنيس. والتقى المسؤولان خلال الزيارة بعدد من العمال المشاركين مباشرة في تجميع الغواصات الجديدة.

وقال بورنهام: “الحفاظ على أمن هذا البلد هو المسؤولية الأولى لأي حكومة، لكن الأمن ليس فقط فيما نبني، بل فيمن يبني ومن يستفيد منه. الغواصات التي تُنتج في بارو ستحمي بريطانيا لعقود قادمة، والـ47 ألف وظيفة وتدريب مهني ستغير حياة الناس في هذه البلدة وفي عشرات الأماكن المماثلة”.

هذا الرقم الوظيفي يشير إلى أن برنامج “دريدنوت” يقدم أكثر من مجرد قدرة عسكرية. فالمؤسسة البريطانية للدفاع النووي، التي تشرف على البرنامج بأكمله من البناء إلى الدوريات التشغيلية، تدعم حالياً نحو 47 ألف وظيفة في مختلف أنحاء البلاد. ويتركز أكثر من ربع هذه الوظائف في بارو، حيث تُبنى الغواصات. كما يوفر ميناء ديفونبورت نحو 8 آلاف وظيفة مرتبطة بإصلاح وصيانة الغواصات، فيما يوجد نحو 5 آلاف وظيفة في فاسلين باسكتلندا، حيث تتمركز الغواصات النووية بين الدوريات. وحدها بارو أضافت 1800 وظيفة جديدة خلال العامين الماضيين فقط، مع تسارع أعمال بناء غواصات “دريدنوت”.

ويتوقع المسؤولون أن يستمر هذا الأثر الوظيفي في التوسع. فمن المتوقع أن يصل إجمالي الوظائف المرتبطة بصيانة الأسطول الحالي وبناء الغواصات الجديدة إلى 65 ألف وظيفة بحلول عام 2030، كما أن البرنامج سيدعم نحو 22 ألف منصب تدريب مهني بحلول عام 2035، وفق ما ذكرته البحرية الملكية. وتقف خلف هذه القوة العاملة قاعدة صناعية أوسع بكثير، إذ يغذي برنامج الغواصات النووية سلسلة توريد تضم أكثر من 6000 شركة موزعة في أنحاء المملكة المتحدة. وهذا يظهر مدى عمق الأثر الاقتصادي لبرنامج “دريدنوت”، الذي يتجاوز جدران حوض بناء السفن في بارو ليشمل شركات التصنيع والهندسة في كل البلاد.

يقرأ  بماذا تختلف المناورات الحربية الصينية الجديدة حول تايوان عن التدريبات السابقة؟أخبار عسكرية

وجاء هذا التمويل الجديد بعد تحسن ملموس في كفاءة بناء هذه الغواصات. فقد أعلنت البحرية الملكية أن شركة “بي إيه إي سيستمز” زادت إنتاجيتها بنسبة 40 بالمئة خلال السنوات الثلاث الماضية. وهذه زيادة مهمة جداً في برنامج عانى تاريخياً من التأخير وتجاوز التكاليف، كما هو الحال في مشاريع بناء الغواصات النووية المعقدة في بريطانيا ودول حليفة أخرى. ويبدو أن هذه النتيجة تعني أن العمال والإدارة وجدوا كفاءات حقيقية، بدلاً من مجرد ضخ المزيد من الأموال في خط إنتاج بطيء كما كان يحدث سابقاً.

أضف تعليق