بعد خمس سنوات على استحواذ سعيد على السلطة، تعود مظالم تونس القديمة إلى الواجهة

بعد أكثر من 15 عامًا على انتفاضة التونسيين التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، تُسمع من جديد في الشوارع، من الشمال إلى الجنوب، مظالم مألوفة. ويعود شعار ثورة 2011 إلى الواجهة: “شغل، حرية، كرامة وطنية”.

هذه المرة، تغذّي هذه المطالب انقطاعات في المياه والكهرباء، وارتفاع الأسعار، ونقص الأدوية، وصعوبة تأمين لقمة العيش. وهي مشاكل تمسّ التونسيين من مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية، في ظل بيئة سياسية مختلفة تمامًا.

يأتي هذا السخط في وقت تمر فيه تونس بذكرى مرور خمس سنوات على قرار الرئيس قيس سعيد تعليق عمل البرلمان وإقالة الحكومة وبدء الحكم بمراسيم. وقد وصف سعيد هذه الخطوات بأنها ضرورية لإنهاء سنوات من الشلل السياسي والفساد. ورحّب كثيرون بالقرار حينها، لأنهم كانوا محبطين من نظام سياسي فشل في معالجة مشاكل البلاد الاقتصادية بعد ثورة 2011. وبعد خمس سنوات، ما زال كثير من تلك المظالم قائمًا، بينما تقلصت بشكل حاد مساحة الاعتراض على من هم في السلطة.

## مطالب قديمة وغضب جديد

العقد الذي تلا الإطاحة ببن علي شهد انتخابات تنافسية ومساحة أوسع للأحزاب والمجتمع المدني. لكنه شهد أيضًا تغييرات حكومية متكررة وخلافات سياسية وتحسنًا محدودًا في حياة كثير من التونسيين. وبقيت البطالة مرتفعة، لا سيما بين الشباب وفي المناطق الداخلية. وبقيت الخدمات العامة ضعيفة، في حين واصل ارتفاع الأسعار الضغط على دخل الأسر. وبحلول نهاية 2020، بلغت البطالة 17.4 في المئة، وفق البنك الدولي.

وواجهت تونس أيضًا تهديدات أمنية خطيرة، منها هجمات واغتيالات سياسية، ما زاد الضغوط الاقتصادية وضرب قطاعات مثل السياحة. هذه الإحباطات هي التي ساعدت قيس سعيد على بناء تأييد له بوصفه شخصية من خارج المنظومة، واعدًا بقطيعة مع المؤسسة السياسية التقليدية ومع ما كان كثير من التونسيين يعتبرونه نظامًا مختلًا.

في 25 يوليو 2021، علّق سعيد أعمال مجلس نواب الشعب، وأقال رئيس الحكومة هشام المشيشي، ورفع الحصانة البرلمانية. وقال إنه كان يتحرك لمعالجة أزمة وطنية. ووصف معارضوه الخطوة بأنها انقلاب. وبعد ذلك، حلّ سعيد البرلمان وأشرف على اعتماد دستور جديد في 2022 عزز صلاحيات الرئيس بشكل كبير.

منذ ذلك الحين، جرى سجن معارضين وصحافيين ومحامين ونشطاء أو محاكمتهم في قضايا تصفها منظمات حقوقية بأنها ذات دوافع سياسية. وواجه المجتمع المدني قيودًا متزايدة، بينما قال منتقدون إن الضوابط المؤسسية على سلطة الرئيس أُضعفت. وعلى سبيل المثال، وصفت هيومن رايتس ووتش “قضية التآمر” بأنها جزء من حملة أوسع لقمع المعارضة.

يقرأ  «كيث هارينغ ثلاثي الأبعاد» يسلط الضوء على حياة الفنان الغنية بالأعمال الفنية — كولوسال

## ما هي “قضية التآمر”؟

تتمحور القضية حول اتهامات وجهتها السلطات التونسية إلى سياسيين معارضين ومحامين ونشطاء وشخصيات عامة أخرى بالتورط في مؤامرة ضد أمن الدولة، وبالسعي إلى زعزعة استقرار البلاد وتقويض الحكومة. وضمت قائمة المتهمين شخصيات من أطياف سياسية مختلفة.

في أبريل 2025، قضت محكمة تونسية بالسجن على 37 متهمًا بعقوبات تراوحت بين أربع سنوات و66 عامًا. ووصفت هيومن رايتس ووتش القضية بأنها ذات دوافع سياسية، وانتقدت المحاكمة لعدم توفير ضمانات كافية للمحاكمة العادلة. وفي 27 نوفمبر 2025، أيدت محكمة استئناف تونسية إدانة 34 من أصل 37 متهمًا، وحكمت عليهم بالسجن بين خمس سنوات و45 عامًا، وبرأت ثلاثة.

وواصلت هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى انتقاد الإجراءات، ووصف القضية بأنها جزء من حملة أوسع لقمع المعارضة. وترفض السلطات هذه الاتهامات وتؤكد أن المتهمين حوكموا بتهم خطيرة تتعلق بأمن الدولة. غير أن التحول السياسي لم ينتج بعد الانتعاش الاقتصادي الذي وعد به سعيد.

## وعود لم تتحقق

كثير من مشاكل تونس الاقتصادية سابقة على وصول سعيد. فسنوات من ضعف الاستثمار والضغوط المالية والبنية التحتية المتقادمة تركت المرافق العامة والخدمات الحكومية تكافح لتلبية الطلب. لكن هذه الإخفاقات أصبح من الصعب فصلها عن سجل سعيد، لأنه وصل إلى السلطة واعدًا بأن دولة أقوى يمكنها تجاوز ضعف النظام السياسي القديم.

في صيف هذا العام، اقتربت درجات الحرارة في مناطق من تونس من 50 درجة مئوية، ما رفع الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية. وسجلت القيروان 49.8 درجة مئوية يوم الخميس، وفق المرصد التونسي للطقس والمناخ. وأدخلت الشركة التونسية للكهرباء والغاز قطعًا متناوبًا للتيار الكهربائي في عدة مناطق، وأثرت الانقطاعات على محطات ضخ المياه في بعض المناطق.

وأفاد بعض الناس بأنهم أمضوا أيامًا دون ماء جارٍ. وزاد نقص المياه المعبأة الضغط. وتشكلت طوابير طويلة أمام المتاجر وأمام شاحنات المياه التي كانت تنقل الإمدادات إلى بعض المناطق.

وتقول ربيحة، وهي عاملة نظافة تبلغ 40 عامًا من تونس، إن المطالب ليست رفاهية، بل تتعلق بالقدرة على تحمل تكاليف أساسيات الحياة اليومية والوصول إليها. وقالت للجزيرة: “الناس تعبت. إنهم يختارون عبور البحر والموت في الطريق إلى أوروبا. آمل أن نقف معًا ونجد حلًا الآن”. وأضافت: “نحن لا نطلب المستحيل. الأمر يتعلق بالماء والكهرباء. نريد أن نعيش كبشر. نشعر بأننا أموات ونحن على قيد الحياة”.

يقرأ  «ذقنا فظائع الحرب»قصص لاجئين عادوا إلى أوطانهم — أخبار اللاجئين

وبالنسبة إلى كثير من التونسيين، تأتي هذه النواقص في إطار ضغط أوسع على القدرة الشرائية، جعل تأمين الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة. كما شكلت الحرارة الشديدة ضغطًا على نظام صحي مرهق أصلًا، إذ حذر أطباء من زيادة الضغط على أقسام الطوارئ.

غير أن المقصود ليس أن سعيد هو من خلق مشاكل تونس الاقتصادية؛ فهو لم يفعل. السؤال هو: هل وفّر النظام الأكثر تمركزًا الذي بناه حكومة أكثر فعالية كما وعد؟

## مساحة المعارضة تضيق

أما الصحافية منال الدربالي، فترى أن التغيير ملموس ليس في الإعلام فحسب، بل في الفضاء العام الأوسع. وتقول إن التونسيين بعد ثورة 2011 اكتسبوا قدرة جديدة على التحدث بصراحة والوصول إلى المعلومات. ورغم الاحتجاجات والاضطرابات السياسية في تلك الفترة، شعر الصحافيون أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة من هم في السلطة.

“بعد سنوات من الرقابة والقمع البوليسي، انفتح كل شيء”. قالت دربالی إن الصحفيين كانوا يشعرون بأن الشارع معهم بشكل أو بآخر، مشيرة إلى أنه كان لديهم أيضًا قنوات لرفع مخاوفهم حول ظروف العمل وتقديم مقترحات إلى المسؤولين، سواء عبر البرلمان أو الوزارات، وكان الوصول إلى صناع القرار ما يزال ممكنًا.

وأضافت: “بعد 25 يوليو، أغلقت كل هذه المساحات”. وأوضحت أن الصحفيين اليوم يجدون صعوبة حتى في الحصول على ردود أساسية من المؤسسات الحكومية، فبعض الجهات الرسمية تترك الطلبات دون رد لأشهر.

وشارك تونسيون في تظاهرة احتجاجية ضد الرئيس قيس سعيد في العاصمة تونس، حيث جددوا مطالبهم بالحريات السياسية وتحسين الظروف المعيشية، وهي مطالب ظلت معلقة منذ ثورة 2011.

وقالت دربالی: “للأسف، التاريخ يعيد نفسه، وعدنا نعتمد على مقاطع فيديو المواطنين للتحقيق في المعلومات والتحقق منها”.

تعكس روايتها قلقًا أوسع بين منتقدي سعيد من أن المؤسسات والمساحات العامة التي ظهرت بعد الثورة تتعرض لإضعاف مستمر.

الاحتجاجات الحالية لا تقتصر على المعارضة التقليدية في تونس. حركة “نفاس”، التي نظمت مظاهرات أخيرة في تونس، تسعى إلى جمع الأحزاب والشخصيات المستقلة خارج إطار المعارضة القائمة لسعيد. كما جذبت احتجاجاتها مواطنين لم يكونوا يشاركون سابقًا في التظاهرات السياسية.

يقرأ  جنك وبيكر: بريطانيا تمنعهما من الدخول بعد تصريحات عن إسرائيلأخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

قال ربيع قاسم، عضو تجمع نفاس، إن المقارنة بين السنوات الخمس الماضية والعقد الذي تلا الثورة لا ينبغي اختزالها في السؤال حول ما إذا كانت تونس أفضل أو أسوأ قبل سعيد.

وأضاف: “أنا لا أقول إن تونس بين 2011 و2021 كانت جنة، فقد كانت هناك أزمات خطيرة جدًا: بطالة، فساد، هشاشة اقتصادية، صراعات سياسية، وفشل في تحقيق جزء كبير من أهداف الثورة”.

لكنه أشار إلى أن تلك الفترة حملت أيضًا مكاسب، من بينها حرية تعبير واحتجاج أوسع، ومجتمع مدني أقوى، وإعلام أكثر تنوعًا، وانتخابات سمحت بتداول سلمي للسلطة.

وقال قاسم: “بعد 25 يوليو، لم تُحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت قائمة، بل انضافت إليها تراجع في التوازنات السياسية والحريات ومساحة المجتمع المدني”.

ويرى أن كثيرًا من مطالب 2011 ما تزال دون حل، متسائلًا: “أين الشغل؟ أين الماء؟ أين الخدمات العامة؟ أين الكرامة؟”

وأوضح أن الضائقة الاقتصادية والقمع السياسي أصبحا يغذيان بعضهما البعض، إذ إن الناس الذين يعانون من ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات يجدون أيضًا مساحات أضيق للتعبير عن غضبهم.

لكن هذا لا يعني أن تونس تعيش لحظة مشابهة لـ2011. فكثير من التونسيين ما يزالون متحفظين تجاه الأحزاب والسياسيين الذين هيمنوا على العقد الذي تلا بن علي، بينما لا يزال لسعيد مؤيدون يلقون باللوم على تلك الفترة في سنوات الركود الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي.

وليست كل حالة غضب بسبب انقطاع المياه أو انقطاع الكهرباء أو ارتفاع الأسعار تعني بالضرورة معارضة للرئيس، لكن الاحتجاجات تُظهر كيف يمكن للمظالم الاقتصادية والسياسية أن تتداخل بشكل متزايد.

قبل 2021، كان التونسيون يستطيعون إلقاء اللوم على النظام الديمقراطي الذي رأوا أنه غير فعال في تحسين حياتهم. وبعد 2021، فكك سعيد جزءًا كبيرًا من ذلك النظام ووعد بأن رئاسة أقوى ستوفر حكمًا أفضل.

بعد خمس سنوات، ما تزال الكثير من المظالم نفسها قائمة، لكن الفرق أن المساحات المتاحة للاعتراض عليها أصبحت أضيق.

“الشغل، الحرية، الكرامة الوطنية” كان شعار ثورة أنهت حكم بن علي. وبعد خمسة عشر عامًا، يعود التونسيون ليطلبوا وظائف وخدمات أساسية وحريات أكبر، لكن هذه المرة من رئيس وصل إلى السلطة واعدًا بمعالجة إخفاقات النظام الذي جاء بعد الثورة.

أضف تعليق