يُعدّ محمد صلاح، بلا جدال، أحد أعظم لاعبي ليفربول في التاريخ، ويَفُوق تأثيره على الملعب حدود الأرقام والإنجازات الرياضية.
عندما يخوض صلاح مباراته الأخيرة بقميص ليفربول هذا الأحد، سيغادر النادي كأيقونة ثقافية حاضرة في ذاكرة الجماهير، وإرثه سيتجاوز حدود لعبة كرة القدم نفسها.
أعلن المهاجم المصري البالغ 33 عاماً في مارس أنّه سيترك أنفلد بنهاية هذا الموسم، وقد وصفه مدرب ليفربول آرن سلوات بأنه «يستحق احتفاءً كبيراً» بعد قرب عقد قضاه في قلعة البريميرليغ.
سيلتقي ليفربول مع برينتفورد يوم الأحد على ملعب أنفلد، مناسبة ملائمة لختام رحلة أحد أبرز الوجوه في تاريخ النادي.
إحصائياً، لا يمكن إلا الإقرار بعظمة أرقامه: أكثر من 250 هدفاً مع النادي، لقبان في الدوري الإنجليزي، أربعة أحذية ذهبية كأفضل هداف في الدوري، وثلاث جوائز لاعب العام من رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين، إلى جانب إنجازات أخرى عديدة.
لكن الإرث الذي بناه صلاح يتعدى سجلاته: كونه لاعباً مسلماً وشمال أفريقيّاً صريحاً في أوروبا — بصورة أصيلة وغير متصنّعة — أحدث صدى عميقاً لدى آلاف المشجعين واللاعبين الناشئين على حد سواء.
كما قال الصحفي الرياضي المقيم بلندن أحمد شوبل لشبكة الجزيرة الشهر الماضي: «لو قيل لي وأنا في العاشرة من عمري إن أفضل لاعب في الدوري مسلم، لكنت اعتبرت ذلك ضرباً من الخيال. ولو عرفت أن اسمه محمد صلاح، لكنت طلبت منك مغادرة غرفتي»، في إشارة إلى مدى اندهاشه وتحوّل المعايير بالنسبة له كشاب.
يتذكر شوبل صراع التعايش مع الجو الكروي الإنجليزي النموذجي، المرتبط بثقافة الشرب والقمار، وهما من الأمور المحرّمة في الإسلام؛ لذا كانت رؤية صلاح ملتزماً بدينه ومعبّراً عنه بطريقة طبيعية أول مرة يشعر فيها شوبل بأن هويته تجد مكانها على المسرح العالمي لكرة القدم. حتى احتفال صلاح بالسجود كان، في رأيه، دليلاً على أنّ كل شيء مرتبط بالله.
وأضاف شوبل: «للأسف، الإسلاموفوبيا عادت للارتفاع في المملكة المتحدة وفي أوروبا عموماً. أعتقد أن صلاح ببساطة لكونه نفسه يساهم في تخفيف ذلك».
وأشار إلى أن صلاح لم يفرض أي رواية ويبتعد عن التظاهر المبالغ فيه بشأن دينه، قائلاً: «تلك الورعة والتواضع اللذان يظهرهما تجاه إيمانه ملفتان، وتكسران الكثير مما يُروّج يومياً عن المسلمين من افتراضات خاطئة».
إلى جانب كونه واحداً من أبرز الرياضيين المسلمين في إنجلترا، قلب صلاح أيضاً تصوّرات عن اللاعبين الشمال أفريقيين في أوروبا، بحسب ما قال الصحفي الرياضي الشمال أفريقي ماهر مزاحي للجزيرة.
ورغم وجوده الآن في مصاف النخبة الأوروبية، فقد مثّلت نشأته تحدياً واضحاً؛ إذ كان يسافر خمسة أيام في الأسبوع أربع ساعات ذهاباً وأربع ساعات إياباً من قريته نجريج إلى القاهرة للتدريب مع نادي المقاولون، ما غرس فيه انضباطاً صارماً خلال سنواته الأولى استثمره لاحقاً على المسرح العالمي.
ويقول مزاحي إن مسيرة صلاح كانت مصدر إلهام لزملائه، فاقدّم مثالاً لاعب منتخب مصر إبراهيم عادل سعى للانتقال من نادٍ في الإمارات إلى نادي نوردشيلاند الدنماركي على أمل تقليد نجاح صلاح في أوروبا.
سيقود صلاح منتخب مصر في نهائيات كأس العالم 2026، وسيلعب إلى جانب عادل هناك.
كما لخص مزاحي: «ما فعله كان بمثابة تمهيد للطريق؛ وإن كان هذا معياراً للعظمة، فهو بلا شك أعظم لاعب مصري على الإطلاق. إذا استطاع هو ذلك، فيمكن لأيِّ أحدٍ آخر أن يفعل».
وختم شوبل بملاحظة تفاؤل بسيطة: «الأطفال في العاشرة الذين يشاهدونه اليوم يمكن أن يكبروا في عالم فيه هذا النموذج يحتل مكانته، ولن يبدُ حلم تحقيقه أبعد مما يحلمون به».