أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنها تعتزم إلغاء تأشيرات الدخول غير المهاجرة للأجانب الذين قدّموا طلبات لجوء في الولايات المتحدة أو ما زالوا يسعون للحصول عليه. ويرى خبراء أن هذه الخطوة قد تكون أكبر عملية إلغاء جماعي للتأشيرات في التاريخ الأميركي.
وستلغي وزارة الخارجية تأشيرتي «بي-1» و«بي-2» الصادرتين بين عامي 2016 و2026، إذا كان حاملوها قد طلبوا اللجوء سابقاً أو يطلبونه حالياً. وهاتان التأشيرتان غير المهاجرتين تُمنحان للسفر بغرض العمل أو السياحة.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت يوم الاثنين إن الإجراء يستهدف «الأجانب الذين جاءوا إلى الولايات المتحدة بادعاء أنهم زوار لفترة قصيرة، ثم قدّموا طلبات لجوء للبقاء هنا بشكل دائم». ولم يحدد بيغوت عدد التأشيرات التي ستُلغى في هذه العملية، لكن وكالة أسوشيتد برس نقلت عن وثائق لوزارة الخارجية ومسؤولين أميركيين اثنين أن ما يصل إلى 200 ألف شخص قد يتأثرون.
وتأتي هذه الخطوة ضمن حملة ترامب الأوسع ضد الهجرة، والتي اشتدت خلال ولايته الثانية رئيساً للولايات المتحدة. وتضمنت أجندته المناهضة للهجرة إلغاء تأشيرات وبطاقات إقامة دائمة، وحملة ترحيل قاسية، بما في ذلك مداهمات بأسلوب عسكري نفذتها وكالات فيدرالية بينها دائرة الهجرة والجمارك الأميركية على مجتمعات المهاجرين وأماكن عملهم. وتقول منظمات حقوقية إن هذه المداهمات انتهكت حقوق حرية التعبير والإجراءات القانونية الواجبة. وخلال سلسلة مداهمات في منيابوليس في بداية هذا العام، قُتل محتجون على يد عملاء.
كما اتخذت إدارة ترامب خطوات للحد من عدد الأشخاص الذين يحق لهم «المواطنة بالولادة»، وهو حق محمي دستورياً يمنح الجنسية الأميركية تلقائياً للأطفال المولودين في البلاد. فبعد فترة وجيزة من بدء ولايته الثانية في يناير/كانون الثاني 2025، وقع ترامب أمراً تنفيذياً نص على أنه إذا كان أحد الوالدين متواجداً في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، ولم يكن الوالد الآخر مواطناً أو مقيماً دائماً قانونياً وقت ولادة الشخص، فلا يمكن للطفل المطالبة بالمواطنة بالولادة. وأضاف الأمر أنه إذا كان وجود أحد الوالدين في البلاد قانونياً لكنه مؤقت عبر تأشيرة سياحة أو دراسة أو عمل، ولم يكن الوالد الآخر مواطناً أميركياً، فإن المواطنة بالولادة لن تنتقل إلى الطفل أيضاً.
غير أن المحكمة العليا الأميركية ألغت هذا الأمر في يوليو/تموز من هذا العام. وفي هذا الشهر، وقع ترامب أمراً تنفيذياً جديداً يستهدف «سياحة الولادة»، وأمراً آخر يوسع الفئات التي تجعل بعض الأطفال غير مؤهلين للمواطنة بالولادة. ورفعت منظمات حقوقية في الولايات المتحدة طعناً قانونياً ضد هذين الإجراءين في ولاية نيو هامبشاير.
وفي خطوة منفصلة في وقت سابق من هذا الشهر، ألغت وزارة الخارجية أكثر من 175 ألف تأشيرة كانت بحوزة رعايا أجانب، معظمها بسبب نشاط إجرامي مزعوم، أو مخالفات تأشيرة، أو احتيال، أو دعوات إلى العنف، أو أعمال أخرى اعتُبرت تهديداً للأمن القومي. كما شددت إدارة ترامب القيود على المتقدمين للحصول على التأشيرات، وعلقت منح تأشيرات جديدة لمواطني 75 دولة. وفي الأسبوع الماضي، ألغى قاضٍ اتحادي هذه السياسة، معتبراً أنها تنتهك قانون الهجرة الفيدرالي لأنها تميز على أساس الجنسية.
أما عن استهداف تأشيرتي «بي-1» و«بي-2»، فعادةً يُطلب من المتقدمين للحصول على هذه التأشيرات للأعمال أو السياحة التأكيد على أنهم لن يطلبوا اللجوء في الولايات المتحدة، وتقديم ما يثبت أنهم يعتزمون العودة إلى بلدانهم. غير أن بعضهم يقدمون طلبات لجوء بعد وصولهم إلى البلاد. وانتقد نائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو استخدام تأشيرات السياحة والعمل كطريق لتقديم طلبات اللجوء. وكتب على منصة إكس: «الناس في أميركا وجميع أنحاء العالم سئموا من طلبات اللجوء الوهمية. اللجوء ليس من المفترض أن يكون ثغرة للالتفاف على قانون الهجرة».
وبخلاف خطوة إلغاء أكثر من 175 ألف تأشيرة في وقت سابق من هذا الشهر، فإن الإلغاء الأخير يشمل أشخاصاً لم يرتكبوا أي جريمة بموجب القانون الأميركي.
أما عن الأثر المتوقع لهذه الخطوة، فقد أشارت روت بيرميخو كاسادو، الباحثة في سياسات الهجرة واللجوء والمحاضرة في جامعة الملك خوان كارلوس في مدريد، إلى أن إلغاء تأشيرة غير مهاجرة ليس مثل إنهاء طلب لجوء. فالأشخاص الذين يدخلون الولايات المتحدة بتأشيرات عمل أو سياحة ثم يطلبون اللجوء يستمدون وضعهم القانوني الحالي من إجراءات اللجوء المعلقة، وليس من التأشيرة الأصلية. لذلك، «سيخسرون وضعهم كزوار مؤقتين، لكنهم لن يصبحوا بالضرورة قابلين للترحيل الفوري فقط بسبب إلغاء تأشيراتهم»، وذكرت أن «حقهم في متابعة طلب اللجوء سيظل قائماً عادة حتى البت فيه».
وهذا يعني أن كثيراً من المتقدمين سيصبحون معتمدين كلياً على قضايا اللجوء للبقاء في الولايات المتحدة. وقالت: «إذا رُفضت هذه الطلبات في النهاية، فلن يعد لديهم أي وضع غير مهاجر أساسي يعتمدون عليه».
ثانياً، قد يؤدي إلغاء هذه التأشيرات إلى نزاع قانوني حول ما إذا كانت الحكومة تعاقب الأفراد بشكل غير عادل لأنهم مارسوا حقاً يحميه قانون اللجوء الأميركي. وقالت: «ورغم أن السلطة التنفيذية لديها سلطة واسعة في إصدار التأشيرات وإلغائها، فقد يُطلب من المحاكم النظر في مخاوف تتعلق بالإجراءات القانونية الواجبة والقانون الإداري».
ثالثاً، قد تثني هذه السياسة الأفراد الذين يدخلون بتأشيرات سياحة أو عمل عن تقديم طلبات لجوء في المستقبل. وقالت: «فحتى لو لم تؤدِ إلى ترحيل فوري، فإن الإجراء يشير إلى تحول كبير نحو التعامل مع طلبات اللجوء المقدمة بعد الدخول باعتبارها دليلاً على أن التأشيرات المؤقتة استُخدمت بشكل لا يتوافق مع الغرض المقصود منها. وبهذا المعنى، قد تكون السياسة موجهة بوصفها رادعاً وبياناً سياسياً أكثر منها آلية للترحيل الفوري».
وقالت بيرميخو كاسادو إن تحديد الأشخاص الذين تنطبق عليهم السياسة سيتطلب مطابقة بيانات موسعة بين وزارة الخارجية ووزارة الأمن الداخلي ومحاكم الهجرة، وهو ما وصفته بأنه «عبء إداري».
أما الجنسيات الأكثر احتمالاً للتأثر، فلم تنشر وزارة الخارجية الأميركية تفصيلاً حسب الجنسيات لأولئك الذين طلبوا اللجوء بعد دخولهم الولايات المتحدة بتأشيرتي «بي-1» أو «بي-2»، وهذه المعلومة غير متاحة للجمهور من مصادر أخرى. غير أن بيرميخو كاسادو أشارت إلى أن الفئات الأكثر تأثراً ستكون على الأرجح مماثلة لتلك التي سجلت أكبر أعداد طلبات اللجوء في السنوات الأخيرة.
وبحسب أرقام وزارة الأمن الداخلي، فإن الجنسيات التي قُبلت لها طلبات لجوء بأعداد كبيرة في السنوات الأخيرة تشمل دولاً من أمريكا الوسطى والجنوبية، مثل فنزويلا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس، إضافة إلى مناطق أخرى من العالم بينها دول مثل الصين وروسيا وتركيا ومصر. أما طلبات مواطني هايتي والهند وكوبا والمكسيك، فكانت تُرفض في معظمها، وفقاً لبيانات المكتب التنفيذي لمراجعة الهجرة التابع لوزارة العدل.
وشددت بيرميخو كاسادو، مع ذلك، على أن التأثير الفعلي سيعتمد على تركيبة طالبي اللجوء الذين دخلوا البلاد أصلاً بتأشيرتي «بي-1» و«بي-2». فبعض الجنسيات تولد أعداداً كبيرة من قضايا اللجوء عبر عبور الحدود بشكل غير نظامي، وليس عبر تجاوز مدة التأشيرة أو تغيير الوضع القانوني، ما يعني أنها قد تكون أقل تأثراً مما توحي به إحصاءات اللجوء الإجمالية وحدها.