تبدأ المناقشة العامة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة صباح الثلاثاء في نيويورك وسط ظروف قاتمة. وإلى جانب ازدحام المرور وارتفاع أسعار الفنادق، ومواكب السيارات، وتعاقب كبار الشخصيات التي تلقي خطابات محسوبة، ستستمع هذه الدورة إلى آخر خطاب للأمين العام أنطونيو غوتيريش عن حال الأمم المتحدة.
قاد غوتيريش الأمم المتحدة عشر سنوات، وخلال تلك الفترة فشل مرارًا في الدفاع عنها عندما تعرضت للهجوم. وهو يترك موقعه على رأس منظمة عالمية تقف على حافة الانهيار المالي، وأصبحت أكثر تهميشًا من أي وقت مضى.
ومن المفارقات أن غوتيريش مدين في هذا الوضع المتدهور للولايات المتحدة، الدولة المضيفة للأمم المتحدة، ولرئيسها المتقلب دونالد ترامب. ففي وقت سابق من هذا العام، انسحبت إدارة ترامب من عشرات الوكالات والأجهزة الأممية، واتخذت خطوة استثنائية بإيقاف كل مدفوعاتها المقررة في الميزانية العادية وميزانيات حفظ السلام. لكن هذه القرارات الجذرية لم تأت من فراغ. فعدم رضا ترامب عن الأمم المتحدة متعدد الأوجه، وقد يكون قراره بوقف الوفاء بالتزام مالي ملزم قانونيًا تتويجًا منطقيًا لسياسة أمريكية عمرها عقود.
في منتصف الثمانينيات، اتهمت إدارة ريغان الأمم المتحدة بأنها منبر للعالم الثالث ومعادٍ للولايات المتحدة. ولإجبار المنظمة على خدمة مصالحها بشكل أفضل، وتحت ذريعة الحاجة الواسعة إلى الإصلاح التي وقع فيها كل الأمناء العامين، بدأت الولايات المتحدة تحتجز جزءًا من مساهمتها المقررة، التي كانت تمثل ربع الميزانية العادية وثلث ميزانية حفظ السلام آنذاك.
وبحلول عام 1987، خففت الولايات المتحدة سياسة احتجاز المدفوعات، لكن السابقة كانت قد ترسخت. وواصلت واشنطن استخدام التهديد باحتجاز المدفوعات للحفاظ على قبضتها على منظمة كانت وما زالت تراها أداة تخدم مصالحها الوطنية، لا وكيلًا متعدد الأطراف يخدم البشرية كلها.
ومنذ سنوات ريغان، أبقت الولايات المتحدة الأمم المتحدة تحت رقابة مالية مشددة، وظلت تراكم متأخراتها عمدًا حتى اليوم. وهي تدين حاليًا بنحو 4.2 مليار دولار، أي ما يعادل 120 في المئة من الميزانية العادية للأمم المتحدة لعام 2026.
وقد تبنى ترامب بسهولة هذه السياسة القائمة على الابتزاز المالي. فقد تباطأت إدارته في دفع المدفوعات الإلزامية، رغم أنها دفعت في وقت سابق من هذا الشهر 827 مليون دولار من متأخراتها للحفاظ على حقها في التصويت في الجمعية العامة.
وقد تكون نظرة الرئيس المتناقضة إلى الأمم المتحدة متجذرة في تفصيل أقل شهرة. ففي عام 2001، ضغط ترامب، وكان آنذاك مطورًا عقاريًا، على الأمين العام كوفي عنان ليحصل على مشروع ترميم مقر الأمم المتحدة الذي تبلغ كلفته مليار دولار، لكنه لم ينل ما أراد. ومن المحتمل ألا يكون ذلك قد نُسي.
لكن كما في سنوات ريغان، هناك عامل رئيسي آخر يدفع هجوم ترامب على الأمم المتحدة: سياسات الكونغرس الأمريكي. فمع مواجهة إسرائيل لانتقادات متصاعدة في الأمم المتحدة بسبب الإبادة الجماعية في غزة، تصاعد الضغط من اللوبي الإسرائيلي في واشنطن. ولم يعد الغطاء الدبلوماسي الذي وفرته الولايات المتحدة لإسرائيل في مجلس الأمن كافيًا.
وبحلول عام 2025، بعد عامين على الحملة الإبادية، أصبحت انتقادات غوتيريش الفاترة والمتأخرة للسياسات الإسرائيلية، وقرارات الجمعية العامة النقدية، والتقارير القاسية لمقرري مجلس حقوق الإنسان، ومنهم فرانشيسكا ألبانيز التي فرضت عليها واشنطن عقوبات في خرق لالتزاماتها كدولة مضيفة، أكثر مما يتحمله ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو والكونغرس الأمريكي.
في الثمانينيات، اعتبرت واشنطن الأمم المتحدة منبرًا للعالم الثالث ومعاديًا لها؛ أما اليوم فتُعتبر معادية لإسرائيل ومعادية للسامية. وقد جرّ دعم الولايات المتحدة الأعمى وغير المشروط لإسرائيل إلى عزلة متزايدة في الأمم المتحدة، وكذلك قرارها شن حرب عدوانية على إيران.
وفي ظل هذه التطورات، يحتكر اختيار الأمين العام المقبل أجندة الكواليس. وسرعان ما ستُنسى فترة غوتيريش الباهتة على رأس منظمة تقف على حافة الإفلاس المالي والانحلال السياسي. لكن ما ينبغي تذكره هو أن سياسة استرضائه لواشنطن منذ إدارة ترامب الأولى قد فشلت بوضوح.
سيورث الأمين العام الجديد نمط التفاهم القائم الذي اضطر كل الأمناء العامين منذ خافيير بيريز دي كوييار إلى العمل في ظله، أي مشكلات مزمنة في التدفق النقدي بسبب المتأخرات الأمريكية.
وهذا ينبغي أن يدفع القيادة الجديدة للأمم المتحدة إلى التفكير في إعادة النظر جذريًا في طريقة إعداد ميزانية الأمم المتحدة وتوزيع مساهمات الدول الأعضاء. فترك سلطة المال بيد واشنطن جرح دائم سببه المنظمة نفسها، وقد يكون قاتلًا لها.
وهناك سؤال أساسي آخر: هل كان حال الأمم المتحدة أفضل لو لم يكن مقرها في الولايات المتحدة؟ فلطالما نظرت واشنطن إلى الأمم المتحدة إما كأداة لمصالحها الوطنية وإما كخصم لها. حتى إنها استخدمت موقعها كدولة مضيفة لاستبعاد قادة عالميين اعتبرتهم معادين أو غير مرغوب فيهم، مثل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، واليوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
من الواضح أن هذه قرارات لا تستطيع اتخاذها إلا الجمعية العامة. لكن أمينًا عامًا يمتلك البصيرة والصلابة السياسية ينبغي أن يقدم آراءه وقيادته في هذه الأسئلة المصيرية لإنقاذ المنظمة من مزيد من التهميش والاندثار المحتمل.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن صاحبها ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.