دونالد ترامب أعلن خلال اثنين وأربعين ساعة الماضية أنه يدرس سحب القوات الأميركية المتمركزة في المانيا وإيطاليا وإسبانيا، في ظل احتدام التوتر مع دول أوروبية انتقدت طريقة إدارته للحرب مع إيران.
تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرت في وقت سابق من الأسبوع، التي قال فيها إن الولايات المتحدة تُهان على يد إيران في النزاع المستمر وأن إدارة ترامب «لا تملك استراتيجية مقنعة» لإنهاء الصراع، أثارت حدة الخلاف. وفي لقاء مع طلاب بمدينة مارسبرغ الألمانية قال ميرت: «هذا يكلفنا ثمناً باهظاً. هذا الصراع، هذه الحرب ضد إيران، لها أثر مباشر على ناتجنا الاقتصادي».
ردّ ترامب عبر منصة «تروث سوشال» بأن ميرت «يعتقد أنه مقبول لإيران أن تمتلك سلاحاً نووياً. إنه لا يعرف عمّا يتحدث!»، ثم أضاف في منشور لاحق: «الولايات المتحدة تدرس وتراجع احتمال تقليص عدد القوات في ألمانيا، مع قرار سيُتخذ خلال فترة قصيرة». وعندما سُئل يوم الخميس عما إذا كان سينظر أيضاً في سحب القوات من إيطاليا وإسبانيا — اللتين انتقدتا الحرب أيضاً — قال: «ربما… لماذا لا أفعل ذلك؟ إيطاليا لم تساعدنا ولا شيء، وإسبانيا كانت سيئة للغاية، سيئة إلى أبعد حد».
وكشفت تقارير، نقلاً عن مسؤول كبير في البيت الأبيض لم يُكشف عن هويته، أن ترامب بحث مع مستشاريه إمكانية سحب بعض القوات الأميركية من أوروبا. وتستضيف ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا معاً قرابة 53,000 جندي أميركي.
حجم الوجود العسكري الأميركي في أوروبا
بحلول ديسمبر 2025، بلغ عدد أفراد الخدمة الفعلية الأميركيين في أوروبا نحو 68,064، وفق بيانات مركز بيانات القوى الدفاعية التابع للبنتاغون (DMDC).
أين تتمركز هذه القوات؟
تنتشر القوات عبر 31 قاعدة دائمة و19 موقعاً عسكرياً في أنحاء أوروبا. القيادة الأوروبية الأميركية (USEUCOM) تُدير العمليات العسكرية الأميركية في أوروبا بالتنسيق مع حلفاء الناتو، وتضم ست رُتب خدمية: الجيش، البحرية، القوات الجوية، مشاة البحرية، قوات العمليات الخاصة، والقوة الفضائية الحديثة.
أهم الدول والمحطات
– ألمانيا: أكبر قاعدة أميركية في أوروبا هي قاعدة رامشتاين الجوية، حيث تتواجد قوات منذ عام 1952. ووفق بيانات DMDC كان هناك حتى ديسمبر 2025 نحو 36,436 من الأفراد في ألمانيا موزعين على خمس حاضنات عسكرية.
– المملكة المتحدة: بلغ عدد القوات الأميركية في المملكة المتحدة 10,156 فرداً حتى نهاية ديسمبر 2025، موزعين على ثلاث قواعد ويركز وجودهم أساساً من عناصر القوات الجوية.
– إيطاليا: تتواجد قوات أميركية في إيطاليا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتشمل وحدات من الجيش والبحرية والقوات الجوية. وفي نهاية 2025 احتوت إيطاليا على نحو 12,662 من عناصر الخدمة الفعلية في قواعد في فيتشنزا وأفيانو ونابولي وصقلية.
– إسبانيا: تستضيف إسبانيا قواعد بحرية وجوية قرب مضيق جبل طارق، وكان عدد المعيَّنين بشكل دائم 3,814 بحسب بيانات ديسمبر 2025.
– بولندا: تستضيف بولندا 369 من الأفراد المعينين بشكل دائم، إضافة إلى نحو 10,000 من قوات التناوب الممولة عبر مبادرة الردع الأوروبية (European Deterrence Initiative)، وتتمركز هذه القوات في أربع قواعد.
– رومانيا: إلى جانب وجود متناوب، يسكن فيها 153 موظفاً عسكرياً معينين بصورة دائمة، مع وصول القوات الأميركية إلى قواعد مثل ميهايل كوغالنيسكيو، كامب تورزيي وديفيسيلو.
– المجر: تنفذ الولايات المتحدة نشرات دورية وتمارين في المجر، وكان هناك 77 فرداً معينين بصورة دائمة في قاعدتي كتشكمت وبابا.
من يقرر عدد القوات؟
عادةً ما يحدد الرئيس ووزارة الدفاع أعداد القوات المتمركزة في الدول الأوروبية، لكن للكونغرس دور رقابي يمكن أن يعرقل أو يعقِّد الانسحابات الكبيرة عن طريق التشريع والتمويل. في 2020 هدد ترامب بسحب نحو 12,000 جندي من ألمانيا، لكن الكونغرس ضغط لإحباط الخطوة ثم ألغى الرئيس بايدن القرار لاحقاً. كما يتضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 بنداً يمنع تخفيض أعداد القوات الدائمة في أوروبا إلى أقل من 75,000 بصورة دائمة.
لماذا يهدد ترامب بسحب القوات؟
تأتي تهديدات ترامب في سياق توتر جديد على خلفية الحرب مع إيران. بدأت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في 28 فبراير ولا تزال دون حل، وقد أدى الخناق الفعلي على مضيق هرمز بتنازع القيود الإيرانية والحصار الأميركي إلى تعطيل الملاحة بشكل كبير وإلحاق أضرار بالاقتصاد العالمي. ووجَّه ترامب انتقادات لزعماء أوروبيين لعدم دعمهم الولايات المتحدة في الحرب، وانتقد زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر واصفاً إياه بأنه لم يساعد واشنطن ولم يساعد في إعادة فتح مضيق هرمز وذهب إلى حد القول إنه «ليس ونستون تشرشل». كما هاجم ترامب رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني بعدما انتقدت الحرب. ومن العوامل الأخرى التي زعزعت العلاقات عبر الأطلسي العام الماضي: الرسوم الجمركية الأميركية، محاولة ترامب شراء غرينلاند، وتقليص المساعدات الأميركية لأوكرانيا.
من يخدم هذه القواعد؟
الوجود العسكري الأميركي في أوروبا يعود إلى الحرب العالمية الثانية، ومع تصاعد الحرب الباردة تحول الدور لمحاولة تعزيز دفاع أوروبا ضد الاتحاد السوفيتي. لكن القواعد لم تقتصر على حماية أمن القارة فحسب، بل كانت أيضاً محاور لوجستية استراتيجية سمحت للولايات المتحدة بشن عمليات في الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق وأفغانستان والآن إيران.
تساهم الدول المضيفة بتوفير الأراضي مجاناً عادةً وبموظفين محليين تُدفع رواتبهم من الخزينة المحلية، ما يجعل حمل استضافة القوات مشترَكاً من حيث التكاليف. ويُعد مركز لاندستول الإقليمي الطبي، قرب قاعدة رامشتاين في المانيا، أكبر مستشفى أميركي خارج الولايات المتحدة، ويعمل كمركز رئيسي للإخلاء والعلاج لقوات الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.