أعلنت مدينة نيويورك حظراً على استخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية بمرحلتي التعليم الابتدائي والمتوسط في مدارسها العامة. وبما أن هذه المدارس تشكّل أكبر نظام تعليمي عام في الولايات المتحدة، يرى خبراء أن قرار المدينة قد يرسم الطريق أمام بقية المناطق التعليمية الأميركية في كيفية التعامل مع هذه التقنية.
الحظر الذي كُشف عنه الأربعاء سيستمر سنة كاملة، وسينهي استخدام 40 أداة تعليمية مختلفة تمس نحو 600 ألف طالب. لكنه لن يمنع المعلمين من استخدام الذكاء الاصطناعي لإعداد خطط الدروس.
وقال عمدة المدينة زهران ممداني في مؤتمر صحفي الأربعاء: “الأطفال يحتاجون إلى معلمين وتواصل بشري ليتعلموا وينموا. إنهم بحاجة إلى تطوير مهاراتهم إلى جانب أقرانهم، وبناء علاقات مع المربّين، ومواجهة المشكلات الصعبة بأنفسهم”. وأضاف: “صناعة التقنية تريد أن تقنعنا بأن التعليم المبكر القائم على الذكاء الاصطناعي أمر محتوم وضروري، لكننا لا ننظر إليه بهذه الطريقة”.
وأشار ممداني إلى أن المدينة ستقضي العام المقبل في دراسة أثر هذه السياسة على الطلاب. كما سيتم إطلاق برنامج تجريبي محدود في المدارس الثانوية، من بين الأدوات التي ستُختبر منصة “إيديا” لتعليم الرياضيات، والتي تتيح “توجيهاً خطوة بخطوة” وتطلب من الطلاب شرح منطقهم في الحل، على ألا يتجاوز استخدامها 20 دقيقة أسبوعياً. كما ستُستخدم أداة “كويِل” في حصص اللغة الإنكليزية، على أن يقتصر استخدامها على 15 دقيقة أسبوعياً.
وقال عدن لينشنر، مؤسس شركة “كارول ستريت كامبينز” الاستشارية السياسية في نيويورك، للجزيرة: “العمدة يمنح المدارس وأولياء الأمور والباحثين مساحة لدراسة الأثر الحقيقي لهذه الأدوات على نظامنا التعليمي”. وأضاف: “هذا يبدو كنوع من القيادة التي كان الناس يتوقون إليها فعلاً، أي الوقوف في وجه المصالح التجارية والاهتمام بالطلاب”.
وتتضمن السياسة الجديدة أيضاً قيوداً متدرجة على وقت الشاشات، بحيث لا يتجاوز الاستخدام 45 دقيقة يومياً حتى نهاية الصف الثامن. كما يحظر الحظر “الدردشة الآلية المصاحبة” حتى نهاية المرحلة الثانوية، دون أن توضح إدارة المدينة للجزيرة ما يشمله هذا المصطلح تحديداً.
ويأتي هذا التعليق في وقت حساس لمدارس نيويورك العامة، إذ تراجعت نسب إتقان القراءة بنسبة 6 في المائة عام 2025 بين طلاب الصفوف من الثالث إلى الثامن.
ويرى خبراء أن نيويورك قد تضرب مثالاً يحتذى به في كيفية تعامل المناطق التعليمية الأخرى مع الذكاء الاصطناعي. وقالت مارجريت موري، أستاذة التواصل المشاركة في جامعة ميشيغان، للجزيرة: “حظر مدارس نيويورك العامة للذكاء الاصطناعي في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة يحمل رسالة مهمة، لأنه أكبر منطقة تعليمية في الولايات المتحدة. لكن من الصعب قياس فاعلية الحظر لأنهم لم يكشفوا عن آلية التنفيذ”.
ويأتي قرار العمدة وسط تزايد التقارير التي تشير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في تعليم الأطفال قد يؤثر سلباً في النمو المعرفي. فقد خلصت مراجعة شاملة لـ400 دراسة، إضافة إلى مقابلات مع معلمين وأولياء أمور ومربين، أجراها مركز التعليم العالمي في مؤسسة بروكينغز، إلى أن سلبيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصفوف الدراسية تفوق إيجابياته. غير أن التقرير شدد على أن الاستخدام الحذر والمحدود في حالات معينة يمكن أن يحسّن النتائج التعليمية.
وعلّقت شالين تايتل، المحامية في مجموعة “روديك لو” والأستاذة المساعدة في كلية روجر ويليامز للقانون والمتخصصة في قطاعات ناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، على قرار العمدة بالقول: “هذا يتماشى مع العلم. والأهم في الأمر أنه يغيّر النهج المتبع. فسابقاً كان الأسلوب يقوم على ترك الطلاب يستخدمون التقنية من دون تدقيق حقيقي في المخاطر، أما الآن فالقاعدة أصبحت أن المنتجات يجب أن تُثبت سلامتها قبل استخدامها من قبل الطلاب، وأعتقد أن هذا هو النهج الصحيح. إنها خطوة ذكية ومقلوبة على نحو جيد”.
وتناول تقرير مؤسسة بروكينغز موضوعاً متكرراً وصفه الباحثون بـ”فقدان الذاكرة الناجم عن الرقمنة”، حيث يعجز الطلاب عن تذكر معلومات أساسية بسيطة تتعلق بالموضوعات التي درسوها أو قدّموا أعمالاً بشأنها. ويمتد هذا الموضوع إلى مرحلة الشباب؛ فقد وجد تقرير نُشر في يناير 2025 في مجلة “سوسايتيز” الاجتماعية المحكّمة أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و25 عاماً ويعتمدون بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي كانت لديهم مستويات أدنى من القدرة على التفكير النقدي.
وبالنسبة لمن يستعدون للالتحاق بالجامعة، بدأ الأساتذة يلاحظون هذه الآثار. فقد أظهر تقرير لمجلس الكلية أن 84 في المائة من أعضاء هيئة التدريس يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يضعف مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب. وفي مقال نشرته مجلة “كرونيكل أوف هاير إديوكيشن”، قال أستاذ مساعد يدرّس في عدة جامعات إن طلابه يبدون غير قادرين بشكل متزايد على مواكبة مهام القراءة والكتابة التي كان الطلاب قادرين على إنجازها قبل عقد من الزمن.
أما فيما يتعلق بالاستخدام في المنزل، فمن المرجح أن يكون تنظيمه أصعب. وعندما سُئل مستشار مدارس نيويورك العامة كامار صامويلز عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الواجبات المنزلية، قال في المؤتمر الصحفي: “هذا أمر نتعامل معه بوضوح منذ عدة سنوات. الفكرة من هذه السياسة هي ضمان الوصول إلى قيود. يجب ألا ننسى أنه في العام الماضي كان هناك استخدام للذكاء الاصطناعي في مدارسنا. هذه السياسة تسعى إلى الحد من ذلك، وتوسيع فهم معلمينا لكيفية مواجهة الاستخدام الخارجي للذكاء الاصطناعي عندما يحدث في المنزل”.
ويشمل الحظر بعض الاستثناءات، من بينها الطلاب ذوو الإعاقات و”متعددو اللغات”، وكذلك البيئات التي يشارك فيها الطلاب في “برامج التأهيل المهني، مثل علوم الكمبيوتر”. وأضافت تايتل: “من المرجح أنهم سيرغبون في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في صفوف البرمجة مثلاً. كما كانوا واضحين في إعلانهم أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يكون ضرورياً أحياناً لتوفير التسهيلات للطلاب ذوي الإعاقات. إذن هناك بالتأكيد استثناء ومكان له في المدارس”.
كما أعلنت المدينة أن الطلاب سيحصلون على دورتين سنويتين في محو الأمية الرقمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، تهدفان إلى مساعدتهم على فهم هذه التقنية، إضافة إلى قضايا التحيز والأخلاق المرتبطة باستخدامها.