في الرابع من أغسطس/آب 2020، في تمام السادسة وسبع دقائق مساءً، انقسم تاريخ بيروت إلى مرحلتين. فانفجار ضخم ناجم عن اشتعال 2750 طناً من نترات الأمونيوم المخزنة بطريقة غير آمنة، مزّق العاصمة اللبنانية.
ويُعتبر هذا الانفجار، على نطاق واسع، أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث، إذ أودى بحياة 218 شخصاً على الأقل، وجرح آلافاً، ودمر أحياء بأكملها.
بعد ست سنوات، ما تزال المأساة جرحاً مفتوحاً، والعائلات الثكلى تخوض معركة قانونية لا هوادة فيها ضد الطبقة السياسية المتجذرة لكشف الحقيقة.
التضحية القصوى
قبل دقائق من الانفجار، أُرسل فريق من فرقة إطفاء بيروت لإخماد حريق في العنبر 12 في المرفأ. وكان من بين الطاقم سحر فارس، الممرضة التي أصبحت أول عنصر نسائي عملياتي في الفرقة، ورجل الإطفاء جو نون.
اندفع الاثنان نحو النار دون أن يعلما أنها ستكون مهمتهما الأخيرة. وبعد ست سنوات، ما تزال خوذتاهما الحمراوان معلقتين في محطة الإطفاء، رمزاً لواجب كلّفهما حياتهما.
لكن من قلب هذه المأساة الهائلة وُلدت رابطة صامدة. فبعد أن جمعتهم الآلام المشتركة والاحتجاجات المطالبة بالمحاسبة، تزوج ويليام نون، شقيق جو، وماريا فارس، شقيقة سحر، بعد ثلاث سنوات من الانفجار.
واختارا أن يزرعا جذوراً جديدة في مدينة مجروحة، ورزقا مؤخراً بطفلين أسمياهما جو وسحر.
وقال ويليام للجزيرة إن الطفلين أعادا الضحك إلى المنزل بعد غياب طويل، لكنهما ليسا بديلين عن الفقيدين. وأضاف: “أعطيا العائلة أملاً جديداً، لكنهما لا يمكن أن يحلا مكان جو وسحر، لأن لكل إنسان حضوراً لا يُعوَّض”.
طفولة مسروقة
لم تنجُ أصغر سكان المدينة من الكارثة. الطفلة ألكسندرا ناجيار، البالغة من العمر ثلاث سنوات، كانت واقفة في منزل عائلتها في حي مار مخايل عندما سوّت موجة الصدمة المنطقة بالأرض. حملها والدها بول ناجيار بين ذراعيه في حالة من اليأس، وهي مصابة بجروح بالغة.
توفيت الطفلة النشيطة متأثرة بجروحها بعد أيام. وصارت الصورة المفجعة لألكسندرا بين ذراعي أبيها رمزاً عالمياً لطفولة مسروقة.
بالنسبة لعائلة ناجيار ومئات العائلات الأخرى، تدفعهم ذكرى ذلك اليوم إلى مطالبة لا تتزعزع بمعرفة من ترك هذه المواد المتفجرة في المرفأ.
الإفلات من العقاب السياسي
واجهت مساعي المساءلة عراقيل منهجية بسبب التدخل السياسي. كشفت التحقيقات الأولية أن نترات الأمونيوم وصلت على متن سفينة ترفع علم مولدوفا في عام 2013، وأن عدداً من كبار المسؤولين كانوا يعلمون بالخطر لكنهم لم يتصرفوا.
ويشير خبراء إلى أن هذا الإهمال ينبع من ثقافة إفلات من العقاب تعود إلى نهاية الحرب الأهلية اللبنانية في 1990، عندما تحول قادة الميليشيات إلى السياسة وحصنوا أنفسهم من الملاحقة القضائية.
أُبعد قاضي التحقيق الأول فادي صوان بعد استدعائه سياسيين بارزين للاستجواب. وواجه خلفه القاضي طارق بيطار عقبات مماثلة عندما رفض مسؤولون كبار المثول أمامه، مستندين إلى حصانتهم النيابية.
بلغ الشلل القضائي ذروته عندما أمر المدعي العام السابق في محكمة التمييز غسان عويدات، بشكل مثير للجدل، بوقف التحقيق بالكامل.
لحظة حاسمة
رغم هذه العقبات الضخمة، ثمة تطورات حديثة تعطي بصيص أمل. بعد انتخاب حكومة جديدة في 2025، ألغى المدعي العام بالنيابة جمال الحجار قرارات عويدات وسمح للقاضي بيطار باستئناف عمله.
وفقاً لبول ناجيار، دخل الملف القضائي الآن مرحلة حاسمة. وقال للجزيرة إن القاضي بيطار أنجز إعداد لائحة الاتهام وأغلق الملف رسمياً في مارس/آذار الماضي، وأحاله إلى محكمة التمييز.
وبينما لا يوجد سقف زمني صارم لمرحلة المراجعة الحاسمة هذه، وقد تمتد لأشهر، تؤكد العائلات أنها فقدت صبرها أمام أي تأخير إداري.
وهي تطالب بإنهاء هذه المراجعة فوراً حتى تبدأ المحاكمات الفعلية، لتثبت أن بيروت، بعد ست سنوات، ما تزال ترفض التخلي عن حقها في العدالة.