على دروب سوريا المحطمة من بانياس إلى حلب — حرب سوريا

عند الظهيرة، امتلأت الصهاريج واستعد القطاار للمغادرة. بعد وزن العربات واحدة تلو الأخرى، يُسَلَّم الشحن إلى طاقم القاطرة رقم 708. كابينة القاطرة هي المكان الوحيد المتاح للجلوس داخل القطار.

محشورون في مساحة لا تتعدى بضعة أمتار مربعة، يتشارك طاقم مكوَّن من ثلاثة رجال المكان الضيق. إيقاع القضبان الهادئ والطنين الخافت للمحرك ينسجان خلفية مستمرة لمحادثاتهم.

مثل سائر القاطرات التي ما تزال تعمل، صُنعت 708 في الاتحاد السوفييتي وتعود إلى سبعينيات القرن الماضي. كل شيء فيها، من لوحة العدادات إلى النوافذ البالية، ينتمي إلى زمن آخر، والداخل المعدني في الغالب لا يوفر سوى راحة محدودة.

موقد دائري صغير يتيح للطاقم إبقاء أكواب الشاي والماتيه التقليدي ساخنة، ما يساعدهم على البقاء يقظين. الجو داخل الكابينة هادئ إلى حد ما، ومكبر صوت صغير يبث كلاسيكيات فيروز.

على المقود يقف السائق ابو محمود، الذي سيتولى قيادة المرحلة الأولى من الرحلة. هو ورئيس القطار حسين تجاوزا الخمسين من العمر، وقد أمضيا حياتيهما كلها في العمل لدى شركة السكك الحديدية السورية. مساعد أبو محمود، محمد، حديث العهد نسبياً؛ في السابعة والثلاثين من عمره، يبرز بارتدائه سترة برقبة عالية وحذاء ملمَع جيداً. هو من قرية صغيرة بين حمص وطرطوس، وخدم في الجيش ثماني سنوات حتى عام 2018.

يشرح سبب التحاقه بالجيش.

«في ذلك الوقت، قال النظام للشباب على الساحل: ‘ليس أمامكم خيار، البحر وراءكم. إما الجيش أو الموت’»، يقول.

«لهذا التحقت، وأيضاً لأجني راتباً»، يضيف.

بعد الخدمة العسكرية التحق بشركة السكك الحديدية.

«لم أكن لأعترض على البقاء فترة أطول، لكن بعد ثماني سنوات كنت عادة تُسَرَّح»، يوضح.

جميع الرجال الثلاثة من المنطقة الساحلية التي يغلب عليها العلويون. يعترفون بأنهم شعروا بالقلق من الحكومة الجديدة، لا سيما بعد عمليات القتل في مارس 2025 التي استهدفت المجتمع العلوي. القائد الجديد لسوريا، أحمد الشـراء، سنّي.

يقرأ  إيرانالاحتجاجات · انقطاع الإنترنت · حرب السردبرامج تلفزيونية

مع ذلك يقول محمد: «مهمتنا لم تتغير، ونواصل إنجازها بغض النظر عن ذلك».

«على الناس أن يعتادوا التغيير؛ لا بد أن يستغرق الأمر وقتاً ليُستعاد الثقة بالسياسيين»، يضيف.

يومئ حسين وابو محمود، ومن خلال النافذة يبرز التمثال الكبير لحافظ الأسد وهو مستلقٍ على جنبه.

رغم مخاوفهم، يرون في القطار وسيلة لتجاوز الانقسامات الاجتماعية.

«أنا علوي، كان بإمكاني أن أجلس في البيت ولا أفعل شيئاً طوال اليوم لأنني خائف، لكني سأفتقد القاطرة؛ لن أتحمل أن أكون غير مُستفَدٍ منها وأن أفوّت متعة المشهد»، يقول حسين.

أضف تعليق