في خضم أزمة الأسمدة إفريقيا تختار حلاً بلا كيماويات: الزراعة الإيكولوجية

في ظل حرب مستمرة منذ أكثر من شهرين بين الولايات المتحدة الأمركية وإسرائيل ضد إيران، نلمس تحوُّلاً قد يقود إلى أزمة غذائية عالمية جديدة. الصراع يرفع تكاليف الوقود والأسمدة والمواد البلاستيكية ووسائل النقل، ما ينعكس في أسعار أغذية مرتفعة لملايين الأسر من مانيلا إلى كيتو. والآن بات إنتاج الغذاء نفسه مهدّداً، مع احتجاز ما يزيد على عشرين في المئة من صادرات الأسمدة العالمية التي لا يمكن عبورها عبر مضيق هرمز، وعرقلة شحنات الغاز الطبيعي والكبريت الضرورية لصناعة الأسمدة في أماكن أخرى.

الوكالات الدولية أبدت قلقها بشكل خاص على تداعيات هذا الوضع في أفريقيا، حيث يواجه مئات الملايين خطر النقص الغذائي والاعتماد الكبير على واردات الغذاء. ويدعو بعض كبار المسؤولين في بنوك التنمية الآن إلى تحركات عاجلة لتأمين مزيد من الأسمدة للدول الأفريقية لمواجهة الأزمة المحتملة.

لقد مررنا بتجربة مشابهة من قبل. خلال أزمة الغذاء العالمية عام 2008، دفعت نفس بنوك التنمية والعديد من الحكومات الأفريقية بسياسات منحت مساحات شاسعة من أراضي القارة لشركات الزراعة الصناعية وروّجت لدعم الأسمدة الكيميائية، سواء للمزارعين الصغار أو الكبار.

هذه المشاريع واسعة النطاق فشلت أحياناً فشلاً ذريعاً، تاركة وراءها خراباً لم تتعافَ منه كثير من المجتمعات. وكذلك برامج دعم الأسمدة لم تَرُقِ نتائجها إلى مستوى التوقعات في كثير من الحالات؛ فلم تؤدِّ إلى زيادات كبيرة في استخدام الأسمدة لدى كل مزارع، ولم تحسم مشكلة الجوع، بل غرقت حكومات في دوّامة الديون. فمثلاً، أنفقت مالاوي مبالغ طائلة على دعم الأسمدة إلى حد اضطراره لخفض موازنات البنية التحتية العامة والتعليم.

مشكلة برامج الأسمدة تتجلى دائماً في السعر. الأسمدة ليست مكلفة في أفريقيا فحسب، بل أغلى قياساً بمعظم أماكن العالم. الشركات والتُجّار الذين يتحكمون في سوق الأسمدة يحققون هوامش ربح تتراوح بين 30 و80 في المئة عبر القارة. عندما ترتفع الأسعار عالمياً، يرفعونها أكثر ثم يحافظون عليها مرتفعة حتى بعد هبوطها في أماكن أخرى. والمزارع، حتى إن وُفرت له أسعار مدعومة، يجد صعوبة في تغطية تكاليف إنتاجه. ولتجنب الوقوع في الديون يضطر لاستخدام أسمدة أقل أو الامتناع عنها إنتاحاً.

يقرأ  مجلس النواب الأمريكي يقر حزمة إنفاق بقيمة ١٫٢ تريليون دولار لإنهاء إغلاق الحكومة

اعتماد أفريقيا الكبير على واردات الأسمدة يزيد الطين بلّة، إذ يستنزف احتياطياتها الأجنبية النادرة لدفع ثمن اعتماد خارجي على احتكار الأسمدة. وعندما تضرب صدمات العرض العالمية، كما يحدث الآن، قد تعجز الدول الأفريقية عن الحصول حتى على أي أسمدة من السوق الدولي.

محاولات تعزيز الإنتاج المحلي للأسمدة تولّد تحدياتها أيضاً. يملك الملياردير أليكو دانغوت مصنع اليوريا الأكبر في أفريقيا في نيجيريا، ويصدّر الجزء الأكبر من إنتاجه إلى الولايات المتحدة والبرازيل، وما يُباع في السوق المحلية أو في دول أفريقية أخرى يجسد الأسعار التي يضمنها السوق الدولي. في أوائل مارس، وبعد أسبوع واحد فقط من بدأ الهجوم على إيران، رفعت شركة دانغوت أسعار اليوريا بنحو 40 في المئة.

المزيد من مصانع الأسمدة في أفريقيا يعني أيضاً المزيد من التلوّث السام للمجتمعات المحلية. سكان المناطق المحيطة بمصانع الفسفاط التابعة للمجموعة الكيميائية التونسية في قابس عانوا سنوات طويلة ويناضلون لإغلاقها بسبب الأضرار الصحية والبيئية على البشر والأراضي والمياه. والتأثيرات لا تقتصر على محليات فحسب؛ فالأسمدة الكيميائية من بين المساهمين الرئيسيين في تغيير المناخ، مسؤولة عن انبعاثات غازات دفيئة أكثر من السفر الجوي عالمياً.

من الضروري أن ننظر إلى هذه اللحظة بمنظور مختلف تماماً. بدل السعي فقط إلى تعزيز إنتاج الأسمدة الأفريقية لتعويض ما يُحجب في الخليج، ينبغي للحكومات في المنطقة إعادة توجيه الإعانات والسياسات بسرعة لدعم النُهج الزراعية الإيكولوجية.

الحقيقة أن جزءاً كبيراً من الأغذية المحلية في أفريقيا يُنتج دون مدخلات كيميائية. المزارعون لا يستخدمون هذه المدخلات في المحاصيل التقليدية مثل الكسافا في غرب أفريقيا، أو السورغم في الساحل، أو الموز حول بحيرات أفريقيا العظمى. كثيراً ما تُحجز الأسمدة للمحاصيل النقدية المخصصة للتصدير.

يقرأ  تحذير من منظمة الصحة العالمية:مخاطر الحرارة الشديدة في بيئات العمل

عبر غرب وشمال أفريقيا، تنحو منظمات المزارعين في اتجاه الممارسات الزراعية الإيكولوجية التي تتجنب الأسمدة الكيميائية. مجموعات مثل Beo-neere، وConvergence des Femmes Rurales pour la Souverainete Alimentaire، وحركة Nous Sommes la Solution تدعم عشرات الآلاف من المزارعين في عدة دول. وفي تونس، تروّج شبكة الانتقال الزراعي الإيكولوجي والجمعية التونسية للتصميم الدائم (البرماكالتشر) لأنظمة غذائية خالية من الأسمدة الكيميائية، بما في ذلك علامة «الغذاء المواطني» للمنتوجات المزروعة دون مدخلات كيميائية.

الأدلة تجمّع على أن الزراعة الإيكولوجية قادرة على زيادة الإنتاج الغذائي في الحقول، وتعزيز سبل عيش المزارعين، وتوفير فوائد نظامية بيئية متعددة. سلسلة دراسات أُجريت في أوائل الألفية شملت 208 مشروعات زراعية في 52 دولة بمشاركة حوالي 9 ملايين مزارع أظهرت زيادات في المحصول تتراوح بين 50 و100 في المئة لمحاصيل غذائية متنوعة مثل الكسافا والبطاطا الحلوة والدخن والذرة والسورغم حين طُبقت ممارسات زراعية حساسة بيئياً.

في السنغال، وجد باحثون أن المزارعين الذين اتبعوا الإيكولوجيا الزراعية حققوا محاصيل أعلى بنسبة 17 في المئة ودخولاً أعلى بنسبة 36 في المئة مقارنة بنظرائهم التقليديين؛ وفي البرازيل كانت النِسبتان على التوالي 49 و177 في المئة. ومع ذلك، لكي يبلغ هذا التوجه إمكاناته الكاملة، لا بد من كسر الدورة الاقتصادية التي تحكمها زراعة المحصول الواحد والأسواق التصديرية على حساب تغذية المجتمعات المحلية.

الإيكولوجيا الزراعية هي المسار الأنسب لإعادة الاستدامة إلى نظمنا الغذائية. وهي تتوافق أيضاً تماماً مع النداء الحازم الذي صدر عن 60 حكومة اجتمعت في كولومبيا الشهر الماضي للمضي قدماً في تخفيض الاعتماد على الوقود الأحفوري كوسيلة حقيقية لمحاربة تغيّر المناخ.

فما الذي نحتاجه أكثر من حجة لتفضيل نظم غذائية محلية وتمكينها، بدلاً من الأسمدة المعتمدة على الوقود الأحفوري التي تُكرّس سيطرة الشركات وتعمّق سيناريوهات مناخية قاتمة؟

يقرأ  عذرًا، لا أستطيع المساعدة في ترجمة أو إعادة صياغة محتوى جنسي يتعلق بالقُصَّر.إليك صياغة آمنة مقترحة:«الهيئة الفرنسية لمكافحة الاحتيال تبلغ شركة شي إن بشأن دمى أثارت جدلاً»

الآراء الواردة في هذا النص تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

أضف تعليق