في ذكرى أنس ومحمد.. صحفيو غزة الذين اغتالهم الاحتلال

في الذكرى الأولى لرحيل زميلنا أنس الشريف، ندعو الله أن يتغمده برحمته، وأن يرحم جميع زملائنا الذين قضوا من شبكة الجزيرة الإعلامية ومن الوسط الصحفي في قطاع غزة. في يوم مثل هذا، لا نملك إلا أن نتذكر شجاعة أنس وجرأته وتفانيه في المهنة وفي عمله ورسالته.

نتذكر صموده وقدرته على تحمل الضغط في أصعب الظروف وأقساها، ومواصلته عمله دون تردد في شمال غزة، حتى استُشهد في الغارة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت خيمة الجزيرة أمام مستشفى الشفاء.

كانت تلك الغارة مكلفة جدًا للجزيرة وللوسط الصحفي في القطاع، إذ أدت إلى استشهاد خمسة صحفيين آخرين، بينهم مراسل الجزيرة المهذب المبدع الهادئ اللامع محمد قريقع، ومصورا الجزيرة محمد نوفل وإبراهيم زاهر، وصحفيان كانا قرب الخيمة هما مؤمن عليوة ومحمد الخالدي.

ونحن نحيي الذكرى الأولى لاستشهادهم، علينا أن نتذكر أعمالهم وفضائلهم وصفاتهم، وأن نتذكر الدور الاستثنائي الذي لعبوه إلى جانب بقية زملائهم في القطاع. علينا أن نتذكر النموذج الجديد الذي أرسوه في عالم الصحافة والإعلام.

من المهم الحديث عن هذا النموذج الصحفي، الذي تجسد في أداء استثنائي في ظروف استثنائية، وأعاد تعريف مفهوم الصحافة والإعلام في العصر الحديث، وأعاد الكرامة للمهنة ورسالتها الإنسانية النبيلة.

إنه نموذج نشأ وسط حرب إبادة جماعية اختلفت عن كل ما سبقها من كل النواحي. بدأت بإغلاق الجيش الإسرائيلي قطاع غزة، وقطع الكهرباء والماء بشكل كامل، ووقف تدفق الغذاء والدواء والاحتياجات الإنسانية لأكثر من 2.4 مليون شخص، عزلهم عن العالم وحاصرهم وعرضهم لوابل من القنابل والصواريخ والقذائف. وفي الوقت نفسه، منع الجيش الإسرائيلي الصحفيين الأجانب من الوصول إلى القطاع، وما زال يفعل ذلك حتى اليوم.

اضطر صحفيو القطاع إلى النزوح والتشرد مثل بقية سكان غزة. هربوا من منازلهم مع عائلاتهم، وفقدوا مكاتبهم التي كانت مثل بيوت ثانية لهم.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. لقد استهدف الاحتلال عائلات الصحفيين بشكل متعمد، ومن بينها عائلتي أنا، التي نزحت إلى مكان ظننا أنه آمن، بناءً على ما أعلنه الجيش الإسرائيلي.

يقرأ  هيربرت يتصدر بطولة بريطانيا للغولف ويعادل أقل عدد ضربات قياسي في البطولات الكبرى

ثم جاء الاستهداف المباشر والمتعمد للصحفيين. استُهدفوا وهم يعملون في الميدان، كما حدث مع زميلنا إسماعيل الغول؛ واستُهدفوا وهم في خيام عملهم، كما حدث مع صحفي قناة فلسطين اليوم أحمد منصور، الذي التهمته النار ليلًا بعد استهداف مكان عمله؛ واستُهدفوا حتى وهم في منازلهم مع عائلاتهم، كما حدث مع مراسل تلفزيون فلسطين محمد أبو حطب، بعد دقائق فقط من عودته إلى منزله في خان يونس، فاستُشهد هو و11 من أفراد عائلته.

ولم يسلم الصحفيون في المستشفيات من الاستهداف. المصور الصحفي حسن اصليح، الذي كان يتلقى العلاج من إصابة سابقة، استُشهد بقصف إسرائيلي استهدف مجمع ناصر الطبي في خان يونس في 13 مايو/أيار 2025.

وبعد ثلاثة أشهر فقط، وتحديدًا في 25 أغسطس/آب 2025، استهدفت إسرائيل المستشفى نفسه بضربة مزدوجة مروعة، أسفرت عن مقتل 22 شخصًا وإصابة العشرات. وكان بين الضحايا خمسة صحفيين يعملون مع الجزيرة ووسائل إعلام دولية أخرى: محمد سلامة، ومريم أبو دقة، وحسام المصري، ومعاذ أبو طه، وأحمد أبو عزيز.

كان هذا استهدافًا واضحًا ومباشرًا للصحفيين؛ فقد استهدف أولًا زميلًا كان يثبت كاميرا لوكالة رويترز على سطح المستشفى، وهي كاميرا كانت توضع هناك بشكل روتيني لبث الصورة مباشرة. وعندما هرع صحفيون ومسعفون إلى المكان لإخلاء القتلى والجرحى، فاجأتهم ضربة أخرى.

حتى المهمات التقريرية التي حصلت على موافقة مسبقة من الجيش الإسرائيلي بعد تنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تسلم من الاستهداف. هذا ما حدث لي ولزميلي المصور المخضرم سامر أبو دقة. ففي 15 ديسمبر/كانون الأول 2023، ذهبنا إلى خان يونس لتغطية قصف استهدف مدرسة، فتعرضنا لقصف صاروخي إسرائيلي. أصبت أنا لكنني نجوت. أما سامر فأصيب لكنه لم يستطع الحركة، وظل ينزف ست ساعات في انتظار موافقة الجيش الإسرائيلي على دخول سيارات الإسعاف لإنقاذه. وعندما سُمح أخيرًا، عُثر على جثث سامر وثلاثة مسعفين من الدفاع المدني الفلسطيني كانوا برفقتنا في تلك المهمة.

هذه الهجمات عززت قناعتنا كصحفيين بأن السترات الواقية والخوذات وشارات الصحافة التي نرتديها أثناء عملنا جعلتنا أهدافًا لطائرات الجيش الإسرائيلي ودباباته وقناصته، بدلًا من أن تكون حماية لنا.

يقرأ  إسبانيا تسحق النمسا بهدفين لأيارزابال في ثمن نهائي كأس العالم 2026

كان من المؤسف حقًا أن يظل العالم ومؤسساته الدولية صامتة في وجه جرائم الحرب هذه. كان ذلك الصمت لا يقل إيلامًا من الاستهداف نفسه.

وحتى عندما بدأت بعض الجهات بإصدار بيانات وإدانات، لم تكن بمستوى هذه الجرائم، ولم تكن كافية للضغط على إسرائيل لتغيير سياستها في استهداف الصحفيين. بل إنها أعطت إشارة إلى الإفلات من العقاب وشجعت إسرائيل على مواصلة الجرائم. حتى اليوم، قتلت إسرائيل نحو 265 صحفيًا، وبلغ عدد ضحايا الإبادة الجماعية ربع مليون إنسان.

هذا يثير أسئلة كثيرة. كيف يمكن للصحفيين أن يواصلوا عملهم وينقلوا واقع الناس وسط إبادة جماعية، وهم غير قادرين على الحديث عن معاناتهم هم؟ كيف يودعون زملاءهم كل يوم، ثم يواصلون مهمتهم وهم يعرفون أنهم قد يُحملون هم أنفسهم إلى المقبرة؟

بالتأكيد أسئلة صعبة. لن يعرف إجاباتها الحقيقية إلا من عاش هذه التجربة، واحترق بنارها، ودفع ثمنًا باهظًا. إنها تجربة تعجز الكاميرات والكلمات عن توثيقها، لكنها مع ذلك تستحق أن تُروى.

أولًا، لأنها تجربة مهنية استثنائية يجب حفظها من النسيان والضياع. وثانيًا، لأن نقلها قد يكون مصدر إلهام لزملائنا في العالم، خصوصًا الجدد منهم في هذه المهنة.

وفي الإجابة عن هذه الأسئلة، من البديهي القول إن الأحداث والحروب المتعاقبة في القطاع على مدى ربع القرن الماضي أنتجت أعدادًا كبيرة من الصحفيين، يتمتعون بخبرة طويلة ومكثفة، ومواصفات مهنية عالية جدًا، وقدرة مذهلة على العمل تحت الضغط، نتيجة لتلك التجربة الطويلة والعميقة.

لكن الأهم في رأيي أنهم ساعدوا في إنتاج جيل من الصحفيين يؤمنون بأهمية عملهم الشاق والمرهق والخطير، ليس مجرد وظيفة، بل مهنة إنسانية ورسالة نبيلة وواجبًا أخلاقيًا ووطنيًا، من أجل نقل قضايا الناس ومعاناتهم والظلم الهائل الذي يتعرض له البشر في هذا الجزء من العالم.

علاوة على ذلك، أصبح الصحفيون وعائلاتهم ومنازلهم ومكاتبهم وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم وذكرياتهم، وكل ما يربطهم بهذا المكان، عرضة للظلم نفسه والتهديد نفسه على نحو غير مسبوق. هذا أضاف قناعة جديدة إلى إيمانهم بما يفعلون، وجعلهم يعيشون حالة نفسية فريدة.

يقرأ  انتخابات كشمير الباكستانية والاحتجاجات: كل ما تحتاج معرفته

إنها حالة لم تعد فيها مفاهيم الموت والحياة تختلف كثيرًا؛ فالصحفي، مثل أي شخص آخر، أصبح يشعر بعدم الأمان لنفسه ولعائلته ولزملائه ولمهنته، وأصبح يطارده إحساس بأنه أقرب إلى الموت منه إلى الحياة. وإذا اقتنع الإنسان بأنه سيموت حتمًا، فسوف يقضي لحظاته الأخيرة في العمل الذي يحبه ويؤمن به، متمسكًا بمهنيته وإنسانيته وأهميته وتأثيره وقيمته.

والآن، بعد ثلاث سنوات من إبادة جماعية مستمرة بأشكال وألوان ودرجات مختلفة، تخيل معي لو لم يكن هذا الدور، وهذا الجهد، وهذه التضحيات، موجودة في وجه هذه الإبادة. تخيل كيف كانت ستبدو الإبادة بحجمها وحدودها، بما في ذلك الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين أنفسهم. وتخيل كيف كان سيبدو العالم اليوم لو لم يسمع تفاصيل هذه الإبادة.

صحيح أن الثمن كان باهظًا، وباهظًا على نحو غير مسبوق، لكنه على الأقل لم يذهب سدى. أما الذي ذهب سدى فهو محاولات إسرائيل وجيشها المستميتة لقتل الحقيقة في مهدها، بقتل حملة الرسالة وجنود الحقيقة، وبعزل القطاع عن العالم الخارجي.

لم تفشل إسرائيل في تحقيق ذلك فحسب، بل إن جهودها الوحشية لإسكات صحفيي غزة جعلت العالم، أو على الأقل جزءًا كبيرًا منه، يدرك حقيقة واحدة: أن ما يحدث هو جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية تُرتكب بحق شعب محاصر.

واصل الصحفيون الذين ما زالوا على قيد الحياة أداء المهمة بلا كلل، وبمستوى من المهنية والكفاءة نادرًا ما يُرى. والأهم الآن من وجهة نظرنا كصحفيين وكضحايا هو وقف هذه الجرائم، ووقف هذه الإبادة.

ولا يمكن وقفها إلا بمحاسبة الجناة ومعاقبتهم، حتى لا يواصلوا ارتكاب المزيد من الجرائم، وحتى لا نشجع مجرمين جددًا على ارتكاب جرائم جديدة في أماكن جديدة.

غياب المساءلة والعقاب يعني أن أنسًا ومحمدًا وإسماعيل وسامر وابني حمزة وجميع زملائنا لن يستريحوا في قبورهم. لقد شارك العالم في قتلهم مرتين: مرة بالصمت على الجريمة، ومرة بالصمت عن عدم محاسبة المجرم.

أضف تعليق