في عيد العمال، يلجأ عمال غزة إلى أي مصدر دخل متاح

مدينة غزة، قطاع غزة — فوق أنقاض بناية مهدمة، ينكبّ ابراهيم أبو العيش على رفع الحجارة وقطع السقف المنهارة لتهيئة الطريق أمام بلدوزر سيزيل ما تبقى من المبنى.

يبدأ ابراهيم، 24 عاماً، يومه في الساعات الأولى من الصباح ويعمل حتى المساء، موظفاً عاملاً مع شركة مقاولات محلية متخصصة في إزالة الأنقاض عن المباني التي دمرتها الحرب الإسرائيلية التي وُصفت بأنها إبادة جماعية على غزة.

على الرغم من صعوبة المشهد، شرع بالعمل في هذا المجال بعد وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر، في إطار جهود محلية متواضعة لإزالة الركام وإعادة فتح الطرق وإزالة المخاطر من المنشآت غير المستقرة في قطاع دمرته حرب ممتدة لأكثر من عامين.

ابراهيم سعيد لأنه وجد عملاً في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أحدثتها الحرب في غزة، لكنه، خريج محاسبة، يؤكد أن العمل شاق للغاية وخطير.

«عمل مرهق جداً. لم أتخيل يوماً أنني سأعمل في مهنة كهذه»، قال إبراهيم وهو يستريح لبضع دقائق قبل أن يستأنف عمله. وأضاف: «تعرضت لإصابات عدة، ومرة سقط جزء من سطح بيت على زميل لنا فأُصيب إصابة بالغة».

مع ذلك، يجد إبراهيم نفسه مضطراً لتحمّل قسوة ومخاطر العمل بسبب المسؤوليات الثقيلة الملقاة على عاتقه: يعيل أسرة من تسعة أفراد، تشمل والدَيه وإخوته، يعيشون في مخيم للنازحين في جباليا شمال القطاع.

«لا يتجاوز دخلي 80 شيقل (حوالي 27 دولاراً) في اليوم… مقارنةً بكم التعب والإرهاق الذي أواجهه، المبلغ ضئيل ولا يكفي لتغطية احتياجات الأسرة الأساسية وسط هذه الظروف القاسية وارتفاع الأسعار»، قال ذلك وهو يصف واقعاً معيشياً مريراً.

الخسائر الواسعة في المساكن والممتلكات خلقت بيئة عمل بالغة الصعوبة للعمال، الذين فقد معظمهم وظائفهم ومهاراتهم خلال الحرب ولجأوا إلى أي فرصة متاحة مهما كان أجرها متدنّياً أو مخاطرتها كبيرة.

يقرأ  انفجارات تهز محيط مدينة غزةوسط اشتباكات بين حماس و«متعاونين مع إسرائيل»

«لا يوجد أي معايير أمان في بيئة العمل، لكن الأمور صارت صعبة جداً فلا شيء يأتي بسهولة هذه الأيام»، يقول ابراهيم.

أيام قاتمة — تأتي ذكرى عيد العمال هذا العام بينما يمر القطاع بواحد من أحلك أيامه منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، حيث تدهورت سوق العمل والاقتصاد بشدة.

مئات الآلاف من العمال باتوا بلا عمل، فيما لا يكاد من لديهم وظائف يحصلون على أجر يكفي للحياة اليومية. بحسب بيانات وزارة العمل في غزة، فإن نسبة البطالة ارتفعت لتبلغ نحو 80 في المئة، وفقد أكثر من 250 ألف عامل وظائفهم خلال الحرب.

كما ارتفعت معدلات الفقر إلى أكثر من 93 في المئة، ويواجه أكثر من 75 في المئة حالة انعدام أمن غذائي حاد. وتفاقمت الأزمة بفعل القيود المفروضة على عمل المنظمات الإنسانية، مما جرَّ اعتماد أكثر من 95 في المئة من السكان على المساعدات، بينهم شريحة واسعة من العمال الذين فقدوا مصادر دخلهم تماماً.

حذرت الوزارة من أن استمرار نقص فرص العمل سيعمّق الركود الاقتصادي ويقلّص القدرة التشغيلية ويُضعف فرص التعافي ما لم تُرفع القيود على القطاع، وتُستأنف حركة المعابر، ويعاد تمكين القطاعات الإنتاجية للعمل.

معيشة قاسية — يوسف الريفي، 32 عاماً، يعمل في مخبز مؤقت على جانب طريق في وسط مدينة غزة.

قبل الحرب كان يوسف يملك مخبزاً صغيراً بالشراكة مع والده وإخوته في شرق المدينة، لكنه دُمّر كلياً مع منزل العائلة خلال الحرب. قضى بعدها عامين بلا مصدر دخل يعيل به زوجته وطفليه حتى التحق مؤخراً بالمخبز المؤقت.

«أعمل هنا مع عدد قليل من العمال… لدي خبرة سابقة في الخَبز، لكن لا شيء يشبه عملي قبل الحرب»، قال يوسف موضحاً أن أثر الحرب امتد ليقضي على آماله في المستقبل أيضاً.

يقرأ  ارتفاع طفيف في عودة اللاجئين السوريين من ألمانيا بعد سقوط نظام الأسد

«أعمل من السادسة صباحاً حتى وقت متأخر من المساء مقابل 50 شيقل (حوالي 17 دولاراً) في اليوم، وأحياناً أقل، تحت لهيب الشمس في خيام مؤقتة»، يضيف. «العمل غير منتظم… هناك أيام لا يعمل فيها المخبز بسبب تقلبات أسعار الدقيق وخلوّه من التوفر».

لا يغطي ما يكسبه نفقات أسرته، ما يضطره إلى الاقتراض من المحيطين أو بيع متعلقات ضرورية لتأمين لقمة العيش. «بعت هاتفي وهاتف زوجتي لأؤمن طعاماً وشراباً… ما أكسبه بالكاد يكفي أولادي»، يقول.

قليلون من العمال أمثال يوسف يملكون أملاً فعلياً بتحسّن الوضع؛ لكن غياب البدائل يدفعهم للقبول بأي عمل متاح. «يجب على العامل أن يسعى لكسب لقمة العيش. هذه واقعنا… عيشة قاسية لا ترحم وملطخة بالدم»، يختم يوسف.

أضف تعليق