دعا الاتحاد الأوروبي إلى اجتماع طارئ بعد دخول نحو ستين ألف مهاجر إلى سبتة، الجيب الإسباني في شمال أفريقيا، خلال أيام قليلة. ويقوم خفر السواحل الإسباني بدوريات في المياه قرب سبتة، وقالت السلطات يوم الأحد إن معظم المهاجرين الذين عبروا الحدود أعيدوا إلى المغرب المجاور. ولقي 72 شخصاً على الأقل حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى المدينة، في أكبر موجة نزوح جماعي تشهدها المدينة.
وهذا ما نعرفه حتى الآن:
ماذا حدث في سبتة؟
يبلغ عدد سكان سبتة 84 ألفاً فقط، لكن رئيس الحكومة المحلية خوان خيسوس فيفاس قال إن نحو 60 ألف مهاجر دخلوا المدينة من الأربعاء إلى الجمعة. وذكرت وزارة الداخلية الإسبانية أن العدد قد يكون 50 ألفاً. ووصل كثير من المهاجرين سباحةً من المغرب، مستخدمين بدلات غوص وقوارب مطاطية، وتمكنوا من تجاوز الأسوار الحدودية بالسباحة أو باقتحام الأسلاك. وقالت السلطات المحلية إن مراكز الاستقبال لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد، وإنها طلبت استجابة طارئة.
وقال مهاجر مغربي لوكالة رويترز: «عبرت عبر الرمال في بداية الفنيدق، ثم تسلقت جداراً تابعاً للشرطة المغربية، وبعدها دخلت عبر الحدود سباحةً. سبحت نحو 200 متر في البحر، وهذا كل شيء».
بحلول السبت، قال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا إن «الجميع تقريباً» غادروا، وعاد الوضع في المدينة إلى طبيعته عملياً. وكانت موجة الهجرة هذه أكبر بكثير من آخر موجة مماثلة في مايو/أيار 2021، إذ قال فيفاس حينها إن نحو 12 ألف شخص عبروا من المغرب إلى سبتة خلال يومين.
استعمرت إسبانيا سبتة عام 1580، وما تزال المدينة تحت سيطرتها. وهي، إلى جانب مليلية، واحدة من منطقتين فقط ما زالتا تحت سيطرة دول أوروبية في البر الأفريقي. وتُعد سبتة نقطة دخول رئيسية إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي لطالبي اللجوء والمهاجرين، وتحيط بها أسوار حدودية عالية وأنظمة مراقبة، إضافة إلى انتشار دائم للحرس المدني والشرطة الوطنية.
لماذا دعا الاتحاد الأوروبي إلى اجتماع طارئ؟
قالت أيرلندا، التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، إنها دعت إلى اجتماع طارئ عبر الفيديو لوزراء داخلية دول الاتحاد يوم الثلاثاء لمناقشة الأزمة. وجاءت الدعوة بعدما أصدرت 22 دولة من أصل 27 دولة في الاتحاد الأوروبي رسالة مشتركة دعت إلى «عمل منسق وتعزيز الحدود الخارجية». وقالت الدول في رسالتها: «لا يمكننا السماح لعمليات عبور جماعي غير خاضعة للسيطرة، أو لتوظيف الهجرة كأداة، أو لتهديدات هجينة أخرى، بأن تخلق انطباعاً بأن الدخول غير القانوني إلى الاتحاد الأوروبي ممكن، أو بأن الدخول غير القانوني لمهاجر يمكن أن يتحول إلى إقامة قانونية».
في غضون ذلك، علقت إيطاليا العمل بسياسة شينغن للحدود المفتوحة مع إسبانيا. وأدانت مدريد هذه الخطوة، لكن أثرها العملي يظل غير واضح، إذ لا توجد حدود مشتركة بين البلدين. وأعربت فرنسا وبريطانيا عن «تضامنهما» مع إسبانيا، لكن فرنسا أعلنت أيضاً زيادة عدد الشرطة على حدودها مع إسبانيا خمسة أضعاف. كما قالت البرتغال إنها ستعزز الضوابط على حدودها البرية والبحرية الجنوبية.
ودعا مانفريد فيبر، زعيم حزب الشعب الأوروبي، إلى منح وكالة الحدود الأوروبية «فرونتيكس» صلاحيات إنفاذ حقيقية. وقال فيبر السبت: «أريد أن نمنح فرونتيكس، وكالة الحدود الأوروبية الخارجية، أعني حماية حدودنا في أوروبا، صلاحيات إنفاذ حقيقية. إذا لم تكن حكومة يسارية في إسبانيا مستعدة لتأمين الحدود الخارجية، فيجب أيضاً أن تُمنح فرونتيكس سلطة القيادة. وعندها يجب أن تذهب أوروبا إلى هذه الحدود وتعيد النظام». وتقود حكومة إسبانيا حالياً حزب العمال الاشتراكي.
ما الذي أدى إلى موجة الهجرة؟
ليس واضحاً لماذا حدثت الموجة الآن. قد يكون أحد الأسباب المحتملة لهذا التوقيت حكماً أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو/تموز، قالت فيه إن المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر لا يجوز إعادتهم فوراً. ولا ينطبق هذا الحكم على من يدخلون إسبانيا براً. وقال الصحافي الإسباني المتخصص في الهجرة بشمال أفريقيا، إغناسيو ثمبريرو: «لا شك أن حكم 8 يوليو/تموز لعب دوراً، لكن ذلك لا يفسر حجم التعبئة». غير أن خبراء آخرين شككوا في هذه النظرية، وقالوا إن قلة من المهاجرين كانت على علم بالحكم، ورأوا أن سياسة الهجرة المنفتحة نسبياً للحكومة الإسبانية ربما لعبت دوراً.
وأرجع غراندي-مارلاسكا السبب إلى شبكات تهريب البشر، التي تستغل المهاجرين الضعفاء وتروّج تفسيرات مضللة لحكم المحكمة العليا. وقال وزير الداخلية للصحفيين في سبتة إن إسبانيا أعادت النظام إلى حد كبير خلال 24 ساعة، لكنه حذّر من أن الأزمة لم تنته رسمياً بعد، وأن تعزيزات الشرطة والجيش ستبقى ما دامت الحاجة قائمة، رغم انخفاض عمليات العبور الليلية إلى نحو الصفر. وأضاف: «المغرب لا يشكل أي تهديد لسبتة أو لبقية إسبانيا، إنه شريك موثوق تماماً»، مشيراً إلى عدم وجود معلومات استخباراتية تفيد بقدوم دخول جماعي وشيك.
وقال كثير من المهاجرين الذين أجريت معهم مقابلات إنهم يريدون فقط فرصة لبناء حياة أفضل لأنفسهم وعائلاتهم. وقال كاريل لانو، الرئيس التنفيذي لمركز دراسات السياسات الأوروبية، للجزيرة: «هناك عمل منسق من دول هي في الأساس أعداء لأوروبا، يهدف إلى تقويض الوحدة الأوروبية في أحد المجالات التي تكون فيها الوحدة الأوروبية في أضعف حالاتها، وهو الهجرة، وحيث يكون استغلال الانقسام الأوروبي أسهل ما يمكن». وأضاف: «نريد إعادة التصنيع، ونريد أن نصبح أقوى في مجال الصناعة، لكننا في الوقت نفسه لا نعرف كيف نستقدم العمال. وبشكل عام، أوروبا بحاجة إلى مزيد من المهاجرين، حتى في العمالة الماهرة. المشكلة أن دولاً أوروبية كثيرة تفرض رقابة صارمة على الهجرة».
ويرى مراقبون أن المغرب ربما دبّر هذه الواقعة بتشجيع من الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصرفات إسبانيا الأخيرة وخطابها، خاصة فيما يتعلق بفلسطين والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وبينما رفضت إسبانيا عام 2024 السماح لسفينة شحن ترفع العلم الأميركي وتحمل أسلحة إلى إسرائيل بالرسو في ميناء الجزيرة الخضراء، رحبت السلطات المغربية بتلك السفينة.
ماذا يفعل المغرب؟
يعتقد بعضهم أيضاً أن المغرب ربما سهّل أزمة الهجرة باعتبارها أداة ضغط دبلوماسي. ومنذ حصوله على استقلاله عام 1956، يطالب المغرب بالسيادة على سبتة ومليلية. رفضت إسبانيا بشكل قاطع أي محادثات من شأنها تغيير الوضع القائم في سبتة.
وقال سيمبريرو إنه يبدو أن القوات المغربية “تكتفي بالتفرج” منذ الأربعاء، ورأى أن المغرب “اغتنم فرصة” لإجبار إسبانيا على التفاوض. وأضاف أنه للوصول إلى كاسر الأمواج الذي يشكل الحدود بين سبتة والمغرب، هناك طوق من الشرطة والقوات المساعدة، ومن الواضح أن المهاجرين سُمح لهم بالمرور.
من جهته، قال كارلوس إيتشيفيريا، مدير مرصد سبتة ومليلية، إن استخدام مصطلح “الغزو” المثير للجدل يمكن تبريره، لأن “آلاف الأشخاص يعبرون بشكل غير قانوني حدودًا دولية، ويشكلون ضغطًا على دولة مجاورة”.
وفي السبت، دعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى تحقيق مستقل “لإلقاء الضوء الكامل” على أسباب هذا التدفق.
لماذا أثار ترامب القضية؟
استغل ترامب هذا الموقف كفرصة في حملته الانتخابية، وحاول ربط ما حدث في سبتة بسياسات الهجرة المتشددة التي تتبناها إدارته والحزب الجمهوري.
وقال يوم الجمعة: “رأيت إسبانيا أمس، وشاهدت الكارثة التي حدثت. يبدو الأمر وكأنه غزو لبلد بمئات الآلاف من الأشخاص”.
كما سعى ترامب إلى ربط القضية بالانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، حيث يبدو أن الجمهوريين يواجهون صعوبة كبيرة في الحفاظ على أغلبيتهم الضيقة في الكونغرس. وقال ترامب أمام أعضاء حكومته في منتجع كامب ديفيد الرئاسي بولاية ماريلاند: “سيحدث لنا الشيء نفسه إذا لم يُنتخب الجمهوريون، لكن أسوأ وأكبر بكثير”.
وفي السبت، حدّثت وزارة الخارجية الأمريكية تحذير السفر الخاص بإسبانيا، ورفعت مستوى التهديد في سبتة إلى المستوى الثالث، ودعت الأمريكيين إلى إعادة النظر في السفر إليها بسبب الاضطرابات. وأوضحت الوزارة أن “التدفق الهائل وغير المنضبط للمهاجرين من المغرب إلى سبتة قد يؤدي إلى أوضاع أمنية خطيرة وغير متوقعة”.
في الوقت نفسه، حث إستيبان بيلتران، مدير منظمة العفو الدولية في إسبانيا، السلطات الإسبانية والمغربية على إعطاء الأولوية لحقوق الإنسان في تعاملهما مع الوضع. وقال: “مبدأ عدم الإعادة القسرية مطلق، والترحيل الجماعي محظور في جميع الحالات”.