لن تلتئم سوريا دون نظام صحي مُعاد بناؤه حرب سوريا

اجتمع الأسبوع الماضي مسؤولون من الاتحاد الأوروبي ومسؤولون سوريون في بروكسل لإجراء محادثات على مستوى عالٍ حول إعادة إعمار البلاد. دعم الاتحاد الأوروبي لمنظومة الصحة في سوريا، بما في ذلك تخصيص 14 مليون يورو (حوالي 16.25 مليون دولار) لإعادة تأهيل مستشفى الرستن في حمص، يمثل مساهمة مهمة تستحق الاعتراف بها.

بينما يبيّن الاتحاد الأوروبي ما يمكن أن تسفر عنه الاستثمارات الاستراتيجية، يبقى الفارق بين ظروف العائدين واحتياجاتهم لحياة صحية عقبة كبرى أمام مسار التعافي. بعد أربعة عشر عاماً من النزاع، تواجه سوريا أزمة صحية عامة لا يمكن لأي حكومة معالجتها بمفردها.

لن تقتصر استعادة الخدمات الصحية على جهود محلية محدودة، بل ستتطلب عملاً منظماً وبحجم واسع من قِبل المجتمع الدولي بأسره.

تفصّل تقرير حديث أعدته منظّمتي، “ريليف إنترناشونال”، حجم الأزمة: كثير من بين 3.7 مليون سوري عادوا إلى ديارهم ليجدوا منظومة صحية محطمة وتعاني نقص الموارد بعد سنوات من الخراب. تشير نتائجنا إلى أن 78 في المئة من العائدين في دير الزور أفادوا بعدم توفر الرعاية الصحية. وفي منطقة التيبني ذكر 41 في المئة من الأسر المستطلعة أن فرداً واحداً على الأقل من العائلة لم يستطع الحصول على رعاية طارئة خلال الأشهر الستة السابقة. من نقص الكوادر والمعدّات إلى أوقات الانتظار الطويلة، تواجه المجتمعات عقبات أمام الوصول إلى الرعاية بنتائج قد تكون مسألة حياة أو موت.

في الخمسين مرفقاً صحياً التي تدعمها “ريليف إنترناشونال”، تشهد فرقنا هذه التداعيات يومياً. أطفال يأتون وهم يعانون سوء تغذية حاد كان يمكن رصده ومعالجته قبل أشهر، وكبار يعانون أمراضاً مزمنة كالسكري وارتفاع الضغط دون حصولهم على أدويتهم. الحوامل وأطفالهن يتعرضون لمخاطر جمة لغياب الرعاية السابقة للولادة والقدرات التوليدية الماهرة حين يحين وقت الولادة.

يقرأ  هجوم روسي على زابوريجيا — كييف ترد بضرب مصافي نفط روسية

كما نسمع من أشخاص توقفوا كلياً عن طلب الرعاية؛ فقد فقدوا الثقة في وجود خدمات ذات جودة، أو باتت تكاليف الوصول إليها تفوق قدرتهم، أو لا يرون جدوى من رحلة البحث عنها. لدى كثيرين الرعاية المتاحة ببساطة غير ميسورة التكلفة.

عائلات مثل عائلة عارف في التيبني ما تزال تنتظر استعادة الخدمات الصحية. عندما رجع عارف إلى بلدته قبل أشهر وجد المركز الصحي المحلي مغلقاً: أبوابه مقفلة، وموظفوه غادرون منذ زمن، وصيدليته خالية من أدوية الربو التي كان يحتاجها. بالنسبة لعائلة عاشت سنوات من انعدام الأمن، كان من المؤلم أن تكتشف أن البيت باقٍ لكن الرعاية الصحية غائبة.

ترصد فرقنا أيضاً الجراح الخفية التي خلّفها هذا الحرب في نسيج المجتمع السوري. وجد تقريرنا أن 86 في المئة من النساء المستطلعات يعانين توتراً وقلقاً نفسياً ناجمين عن التعرض للنزاع وعدم اليقين المرتبط بالتشرد. القلق والحزن والصدمة واسعة الانتشار، ومع ذلك تظل خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي محرومة بشدّة من التمويل والكادر.

تؤثر هذه التحديات في كل جوانب تعافي سوريا. كيف تتحقق السلامة الوطنية إذا لم ينل الناس السلامة الذهنية؟

حجم الإعاقة بعد الحرب لا يقل إثارة للقلق ويثير تساؤلات حول جودة الحياة الممكنة بعد العودة. يُقدّر أن نحو 28 في المئة من السوريين — ما يقارب الضعف من المتوسط العالمي — يعيشون اليوم بإعاقة ما، وتتزايد هذه النسبة في ظل التلوث الواسع للأراضي بالمتفجرات والذخائر غير المنفجرة، فيما خدمات التأهيل من أقل الخدمات تمويلاً في البلاد.

إعادة بناء نظام الصحة في سوريا جوهرها استعادة شروط الحياة نفسها؛ وهذا يعني مواجهة الجراح الظاهرة والغير ظاهرة للحرب.

ويتطلب ذلك الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية باعتبارها العمود الفقري لأي عملية تعافي: العيادات، الأطباء، القابلات، العاملون الصحيّون المجتمعيون، وسلاسل الإمداد التي تتيح تشخيص المرضى ومعالجتهم قرب منازلهم.

يقرأ  نعم — يمكنك التدريس من دون هواتفهكذا نفّذتُ ذلك

كما يعني تعزيز خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي كجزء أساسي من الرعاية الأولية في كل أنحاء البلاد. وبالمثل، يلزم توفير خدمات متخصصة وموجهة للفئات التي لا تحتمل التأخر أكثر، بما في ذلك النساء والفتيات، الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، المصابون بأمراض مزمنة، وذوو الإعاقات.

في الوقت نفسه، لا بد من استمرار دعم اللاجئين الذين لا يزالون مهجّرين. مع تدهور الخدمات الصحية في دول الإقامة بسبب خفض المساعدات، يواجه السوريون حواجز أمام الرعاية الحيوية أينما لجأوا. علينا الحفاظ على الخدمات اللازمة واحترام مبادئ الأمان والكرامة والاختيار عند العودة.

تبدأ استعادة الوصول إلى رعاية صحية ذات جودة ومتكافئة في سوريا بوضع الصحة والرفاه في صميم عملية التعافي. يتطلب ذلك تعاوناً حكومياً شاملاً ودعماً مستداماً من المجتمع الدولي، مدعوماً باستثمارات متعددة السنوات ومساعدة تقنية.

مثل اجتماع بروكسل الأسبوع الماضي يشكل خطوة مهمة نحو تغيير نهج التعاون الدولي. الآن يجب على الحكومات والداعمين والجهات القادرة أن يفكروا فيما إذا كان دعمهم يتناسب مع حجم ما تحتاجه سوريا من أجل تعافٍ مستدام ومستقبل صحي ومزدهر.

الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق