ظهور في محكمة نيويورك
بعد يومين من اختطاف قوات خاصة أمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادوروو (63 عاماً) خلال عملية داخل بلاده، ظهر مادورو أمام قاعة محكمة في مدينة نيويورك. يوم الاثنين أعلن عدم إدانته بالاتّهامات الاتحادية الموجّهة إليه، والتي تضم تهم الإرهاب المرتبط بالمخدرات والتآمر لاستيراد الكوكايين. وهو يرتدي زياً سجينياً باللونين الأزرق والبرتقالي استمع إلى لائحة الاتهام التي قدّمها المدّعون العامّون ضده وضد شركائه في القضية، بينهم زوجته وابنه.
إعلاءات وموقف مادورو
إدارة ترمب حاولت تأطير عملية الاختطاف بوصفها إجراءً لإنفاذ القانون، معتبرة أن موافقة الكونغرس غير مطلوبة. أما مادورو فتمسك أمام القاضي بلقب «أسير حرب» وصرّح عبر مترجم أنه «بريء، وغير مذنب، ورجل محترم، وما زلت رئيس بلادي»، قبل أن يقطع القاضي كلامه. زوجته سيليا فلوريس، التي مثلت إلى جانبه كمتهمة مشاركة، نَفَت هي الأخرى التهم.
ردود فعل محلية
قادة فنزويليون آخرون كرروا موقف مادورو. في تسجيل متلفز ظهر يوم السبت ديلسي رودريغيز برفقة شقيقها خورخي رودريغيز ووزير الداخلية ديوسدادو كابيلو ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، مؤكدين أن مادورو ما زال الرئيس الشرعي الوحيد. لكن في يوم تولّي رودريغيز رئاسة مؤقتة للبلاد، نشرت بياناً عبر منصات التواصل عرضت فيه التعاون مع الرئيس الأمريكي ودعت إلى «علاقات محترمة» و«حوار يفضي إلى السلام» بدلاً من النزاع.
المندوب الفنزويلي لدى الأمم المتحدة صموئيل مونكادا اعتبر أن «فنزويلا ضحية هذا العدوان بسبب مواردها الطبيعية».
الموقف الأمريكي
وصفت واشنطن العملية التي جرت في كاراكاس في 3 يناير بأنها عمل لإنفاذ القانون. ماركو روبيو قال في مقابلة إن الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع فنزويلا، بل تحارب شبكات تهريب المخدرات. السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايكل وولتز، برّر العملية بوجوب مكافحة جماعات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود التي تهدّد الأمن الإقليمي والأمريكي، مؤكداً أن «هذه ليست حرباً ضد فنزويلا أو شعبها ولاتحتلّ دولة».
في الوقت نفسه، جاءت تصريحات الرئيس ترمب متعارضة إلى حدّ ما، إذ تحدّث عن إدارة شؤون فنزويلا وانتظار «انتقال آمن ومنضبط»، وهدّد بإمكانية تنفيذ ضربة عسكرية ثانية إذا رفضت كاراكاس التعاون مع خطته لحلّ الأزمة.
اتهامات وإجراءات عسكرية سابقة
خبير القانون الدستوري بروس فاين قال إن سياسات الولايات المتحدة تهدف إلى تبرير استخدام القوة، ورأى أن العمليات البحرية التي شُنّت منذ سبتمبر في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي على قوارب زُعم أنها تحمل مخدرات أدّت إلى مقتل أكثر من مئة شخص في سلسلة تفجيرات، من دون أن تقدّم الإدارة الأمريكية دلائل علنية تبين وجود مخدرات على تلك القوارب أو علاقات مباشرة مع منظمات محظورة.
الأثر القانوني لاعتبار مادورو أسيراً حرب
إذا اعتُبر مادورو أسيراً حربياً تنطبق عليه الحمايات المنصوص عليها في الاتفاقية الثالثة لاتفاقيات جنيف (1949)، التي تضمن معاملة إنسانية واحتراماً وحفظاً لحقوق الأسرى. الاتفاقية تسمح بمحاكمة أسير حرب في بلد المختطف خاصة للجرائم المتعلقة بالحرب لكنها تقصر ذلك على جرائم حرب، بينما تُلاحق الولايات المتحدة مادورو بتهم متعلقة بالمخدرات لا بجرائم حرب. كما تنص الاتفاقية عمومًا على إعادة أسرى الحرب «دون تأخير» إلى بلادهم فور انتهاء النزاع.
آراء الخبراء
سوزانه غراتيوس، أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية، اعتبرت أن محاولة تقديم عملية الاختطاف كقضية داخلية لمكافحة المخدرات لا تتماشى مع الوقائع، ورأت فيها انتهاكاً لسيادة فنزويلا، مؤكدة أن حتى لو كان مادورو حاكماً مستبداً فليس هناك مبرر قانوني لاختطافه عبر عملية عسكرية أحادية الجانب. كما لفتت إلى أن مزاعم تغيير النظام أو الوصول إلى الموارد النفطية لا تبرّر تدخلات عسكرية من طرف واحد، مستندة إلى المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
إلياس بانتيكاس، أستاذ القانون عبر الوطني، رأى أن اهتمام الولايات المتحدة بفنزويلا «أمر أقلّ ارتباطاً بمادورو وأكثر ارتباطاً بالولوج إلى احتياطيات النفط».
الموارد والنفط
فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم — حوالي 303 مليار برميل حتى 2023 — لكنها تحقق اليوم جزءاً بسيطاً فقط مما كانت تجنيه من صادرات الخام. وفق بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي، صدّرت فنزويلا نحو 4.05 مليار دولار من النفط الخام عام 2023. تظل هذه الأرقام أدنى بكثير من تلك المسجلة لدى أكبر الدول المصدّرة، في مقدمتها السعودية (181 مليار دولار)، والولايات المتحدة (125 مليار دولار)، وروسيا (122 مليار دولار). ويعزى ذلك إلى حدّ كبير إلى العقوبات الأميركية المفروضة على النفط الفنزويلي.
«النفط هو الهدف الأول. ترامب لا يكتفي بمجرد تمكين شركات نفط أميركية من الحصول على امتيازات، بل يسعى إلى «إدارة» البلاد، وهو ما يعني سيطرة مطلقة ودائمه على موارد فنزويلا»، قال بانتيكاس.
اشار خبراء أيضاً إلى الحملة العسكرية التي امتدت لأشهر والتي شنتها إدارة ترامب ضد فنزويلا قبل اختطاف مادورو — بما في ذلك قصف زوارق — ليوضحوا مدى صعوبة تبرير الهجوم الأميركي بوصفه عملية للحفاظ على القانون والنظام.
«استيلاء ترامب على النفط الفنزويلي ونزع السيادة الفنزويلية عنهما أعمال حرب»، قال فاين.