مخاطر وعوائد الشراكة بين فرنسا وكينيا — ملف خاص

كِينيا تستضيف قمة «أفريقيا إلى الأمام» 2026 بالشراكة مع فرنسا، وهي الأولى من نوعها التي تُعقد خارج دولة ناطقة بالفرنسية. القمة جمعت زعماء أفارقة وممثلين لقطاع الأعمال من داخل القارة وخارجها، وأثارت جدلاً واسعاً محلياً ودولياً.

منذ تولي الرئيس وليام روتو، انفتحت كينيا على شراكات غربية متعددة، وبرزت كأحد أكثر البلدان استقراراً وسهولة للوصول في المنطقة. ومع ذلك، لا يزال إرث الاستعمار الفرنسي يلاحق باريس، التي فقدت نفوذاً في عدة مستعمرات سابقة بغرب افريقيا. في محاولة لتعويض ذلك، توجَّهت باريس نحو كينيا المعروفة بانفتاحها على الاستثمارات الأوروبية.

التعاون الدفاعي
وقعت فرنسا وكينيا اتفاقية تعاون دفاعي في أبريل 2026، وقد تَقدّمها وصولُ 800 جندي فرنسي إلى مدينة مومباسا الساحلية لإجراء تدريبات مشتركة مع قوات الدفاع الكينية (KDF). بعد توقيع الاتفاقية، حذر منتقدون من احتمال أن تُعرّض كينيا نفسها لتأثير قوى ذات نزعات استيطانٍ جديدة، مستندين إلى سجلات فرنسا في شراكات غير متكافئة بغرب أفريقيا.

ينص الاتفاق على إطار آلي لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد تلقائياً، ويشمل التعاون في الأمن البحري، والمخابرات، وعمليات حفظ السلام، والمساعدات الإنسانية وإدارة الكوارث. وقد أرسلت باريس بالفعل نحو 600 عنصر عسكري إلى كينيا، بحسب تصريحات مسؤوليْن قالوا إن مهمتهم تتضمن تدريب أفراد KDF.

الاتفاقية تمنح عناصر القوات الفرنسية حماية تشبه الحصانة الدبلوماسية داخل كينيا، وتلزم حلّ الخلافات عبر قنوات دبلوماسية بدلاً من المحاكم الكينية. كما تسمح بإنفاذ الأحكام الصادرة بحق جنود فرنسيين داخل فرنسا وتمنح باريس ولاية قضائية أولى على الجرائم التي يرتكبها جنودها على الأراضي الكينية. يرى منتقدون أن نصوص الاتفاق تصبّ لمصلحة فرنسا وتؤمّن مصالحها الاستراتيجية في المحيط الهندي الغربي، وهو ممر حيوي للملاحة العالمية والتمركز العسكري وعمليات مكافحة الإرهاب.

يقرأ  الأمطار الغزيرة تعرقل جهود التعافيحصيلة وفيات فيضانات آسيا تتجاوز ١٬٧٥٠ — أخبار أزمة المناخ

وثّق معارضون أيضاً أن كينيا سرّعت المصادقة على اتفاقيات تعاون دفاعي مع خمس دول هي: الصين وزيمبابوي وجمهورية التشيك وإثيوبيا وفرنسا، محذرين من مخاطر التعرض لتأثير قوى قد تتدخل في شؤونها الاقتصادية والسياسية وتضعف سيادتها.

ردود ومسؤولون
تعرضت فرنسا لانتقادات إضافية بسبب تصريحات سابقة للرئيس إيمانويل ماكرون، الذي قال إن قادة دول الساحل «نسيوا أن يشكروا» باريس، ما أثار غضباً واسعاً. في حديثه لسفراء فرنسيين عام 2025 قال ماكرون: «لا أحد منهم لكان دولة ذات سيادة اليوم لو لم يتدخل الجيش الفرنسي في المنطقة».

في كينيا، نفى النائب نيلسون كويتش، رئيس لجنة الدفاع والاستخبارات والعلاقات الخارجية في البرلمان، أن تكون الحصانة قد مُنحت دون قيود. قال لكِرتة الإعلام: «هذا غير صحيح تماماً… لقد أكدنا أن جرائم مثل القتل يجب أن تُحاكم في كينيا». وأضاف أن سوء العلاقات التاريخية بين فرنسا وغرب أفريقيا لا يمنع إقامة شراكة بنّاءة مع باريس، مشيراً إلى دعم فرنسا لمشروعات مختلفة داخل كينيا.

مع ذلك، أشارت مصادر برلمانية إلى أن فرنسا سعت لإدراج بند يسمح بوجود قوة دائمة على أرض كينيا، رغم تصريح كويتش بأن نشر القوات الفرنسية لن يكون دائماً بالضرورة.

مكاسب الطرفين
فرنسا تجني من الشراكة استقراراً سياسياً، وفرصاً اقتصادية، ووصولاً استراتيجياً إلى المحيط الهندي الغربي. أما كينيا فترنو إلى استثمارات وتطوير بنية تحتية، وتعاون أمني، وزيادة نفوذ دولي. تُعد فرنسا حالياً من أكبر المستثمرين في كينيا: استثمرت نحو 1.8 مليار يورو خلال العقد الماضي، ويعمل في البلاد نحو 140 شركة فرنسية حتى 2026 مقارنة بنحو 40 شركة عام 2013، فيما تساهم الاستثمارات الفرنسية في نحو 46 ألف وظيفة مباشرة.

على المستوى الأمني، يُنظر إلى الانخراط العسكري الفرنسي كإضافة لاتفاقيات أمنية قائمة مع دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة، اللتين تحافظان على قواعد في كينيا، ويُعتقد أنه يعزّز جهود كينيا في مواجهة التهديدات الإرهابية مثل حركة الشباب في الصومال.

يقرأ  «اقتل ديك»: سخرية عالم الفن بين الساحلين تتخيل انتقام عائلة ساكلر

ملاحظات المراقبين
تُثير ممارسات دخول الشركات الفرنسية وامتيازات مواطنيها القادمين لكينيا تساؤلات حول التوازن في الشراكة، إذ يتمتع الفرنسيون بتسهيلات سفر وبوصول سلس إلى السوق الكينية بينما لا تُمنح نفس الامتيازات للمواطنين الكينيين، ما يعيد النقاش حول التكافؤ في العلاقات الثنائية.

باتريسيا رودريغيز، مديرة شؤون أفريقيا في شركة Control Risks، قالت لشبكة الجزيرة إن الطرفين يسعيان اليوم إلى شراكات متوازنة ومفيدة للطرفين. «لا أحد يريد التحرّر تماماً من تأثير الآخر، الهدف هو تعميق الروابط الاقتصادية الاستراتيجية في سياق تجاري وسياسي مضطرب»، وأضافت أن فرنسا، تحت قيادة ماكرون، تبحث عن تقوية علاقاتها مع شرق وجنوب القارة بعد موجة معارضة لفرنسا في غرب افريقيا. ومن وجهة نظرها، تُعد كينيا بوابة استراتيجية لباريس في شرق القارة.

نقطة تحوّل محتملة
تُعطي قمة فرنسا-كينيا مؤشراً على تحول محتمل في العلاقات بين البلدين وربما في تعامل فرنسا مع دول ناطقة بالإنجليزية في أفريقيا. مع تصاعد الاستثمارات الفرنسية وتوسيع التعاون العسكري وتكثيف الدبلوماسية، تبدو النوايا قائمة على تقوية الروابط في وقت تتنافس فيه قوى عالمية على النفوذ في القارة.

ومع ذلك، ستستمر النقاشات حول السيادة والمساءلة وما إذا كانت العلاقة متوازنة حقاً، إذ قد تزيد القمة من حدة الجدل حول حدود التعاون ومخاطره على استقلالية الدول الأفريقية. منذ عام 2024 تواجه كينيا موجات عنف سياسي قاتلة، حيث يخرج المواطنون للاحتجاج على سياسات الرئيس روتو غير الشعبية، بما في ذلك حملات قمع التظاهرات وقيود واسعة على حرية الصحافة. حكومه البلاد تحاول احتواء الغضب الشعبي بينما تتصاعد المخاوف من مزيد من المواجهات.

في سياق متصل، شرع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في جولة إفريقية شملت ثلاث دول بدأت بزيارة إلى مصر، في خطوة تُناقَش على خلفية التحالفات الأمنية المتجددة في القارة.

يقرأ  أين توجد أكثر اللغات المهددة بالانقراض في العالم؟— أخبار الفنون والثقافة

إذا منحَت كينيا القوات الفرنسية إقامة دائمة على أراضيها فقد يؤدي ذلك إلى تأجيج التوترات أكثر، لا سيما وأن الحكومة تستعد لاحتمال اندلاع احتجاجات قبل موسم إعداد الميزانية، وهو وقت حساس سياسياً واقتصادياً.

قال السياسي الكيني كاليب حاميسي لقناة الجزيرة إن اتفاقية الدفاع تجعل كينيا عرضة لأن تتحوّل إلى ساحة لوكالة جهات دولية، وأن الاتفاقية باتت غير محبوبة بين الكثير من الكينيين. وأشار إلى خطر احتمال انخراط قوات أجنبية متمركزة داخل البلاد في عمليات أو نزاعات تخدم المصالح الاستراتيجية لقوى خارجية بدلاً من أولويات كينيا الوطنية.

«لقد تحملت كينيا العبء في علاقات عسكرية بين دولية كثيراً ما عرضتها لأن تكون أرضاً بديلة للصراع، وبالتالي عرضة لأضرار جانبية من الحروب»، قال حاميسي.

ورأى أن وجود قوات فرنسية في غرب إفريقيا يشكل تهديداً أمنياً وفائدة أحادية لفرنسا مع قليل من المكاسب الملموسة للدولة المضيفة. وأضاف أن البرلمان بحاجة إلى فحص بنود الخلاف في اتفاقيات دفاع سابقة مع قوى عسكرية عظمى بعناية قبل الالتزام باتفاقيات دولية جديدة.

«مهمّة معدّي الاتفاق والمفوّض الكيني أن يدرسوا البنود المثيرة للجدل في اتفاقيات التعاون الدفاعي السابقة مع القوى العسكرية الكبرى قبل أن يحمّلوا كينيا التزامات دولية»، كما أوضح.

وختاماً، قد يعتمد نجاح هذه الشراكة على ما إذا كانت الاتفاقيات المستقبلية ستقدّم فوائد متبادلة، وتلتزم بالشفافية، وتحترم المصالح الوطنية الكينية، بدلاً من أن تفتح فصلاً آخر من النفوذ الأجنبي في إفريقيا متنكراً في زي التعاون.

أضف تعليق