معاناة يومية لأطفال غزة… صراعٌ مرير للحصول على ماء نظيف وطعام ينهك أجسادهم

في مخيم المغازي للاجئين وسط قطاع غزة، استيقظت الطفلة ميسرة زقوت، البالغة من العمر عشر سنوات، عند شروق الشمس كما تفعل كل يوم. جهّزت عبوات الماء ووقفت مع شقيقها جواد (خمس سنوات) عند مدخل الخيمة، يراقبان الشوارع والمخيمات المحيطة، على أمل أن تمرّ شاحنة مياه قرب مخيمهما.

مرّت ساعات ولم تظهر أي شاحنة مياه، فاتجهت ميسرة إلى صفّ اللغة الإنجليزية في الخيمة التعليمية بالمخيم. وفجأة سمعت هتافات: لقد وصلت شاحنة المياه. انفضّ صفّ الإنجليزية سريعًا، وهرعت ميسرة مع بقية الأطفال إلى عبوات الماء. هذا هو روتينها منذ أكثر من عامين، وهو روتين آلاف الأطفال في غزة الذين يكابدون الحياة أثناء حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل.

قالت ميسرة للجزيرة: “عائلتي لا تملك أي ماء في الخيمة، لا للشرب ولا لغسل الأطباق ولا لقضاء الحاجة. كان عليّ أن أذهب بسرعة لأملأ عبواتنا قبل نفاد الماء”. كان جسدها الصغير يتمايل يمنة ويسرة تحت ثقل العبوتين. وفي النهاية وصلت إلى خيمة عائلتها بابتسامة ممزوجة بالألم والإرهاق، ومعها حوالي عشرين لترًا من الماء لعائلة من ستة أفراد.

## مسؤوليات مرهقة

لا تنتهي المعاناة اليومية لتأمين الماء والطعام عندما يعود الأطفال إلى خيامهم في غزة. يمضي يامن صالح (12 عامًا) وأخوه أمان (6 أعوام) معظم يومهما في البحث عن شاحنات المياه والمطابخ المجتمعية وانتظارها. وقد ترك هذا الروتين أثرًا جسديًا كبيرًا عليهما.

قال يامن: “في كل مرة أحمل فيها الماء إلى الخيمة أشعر بالتعب والألم، خصوصًا في كتفي وظهره. أحيانًا أتعثر وأقع لأن عبوات الماء ثقيلة جدًا. إنه أمر مؤلم ومحرج”.

أما والدتهما فداء صالح، فتشعر بحزن عميق. قالت: “يُفطر قلبي أن أرى أطفالًا مستلقين في الخيمة منهكين من عبء الحياة في النزوح. الرحلات اليومية لجلب الماء والطعام تستنزف كل طاقتهم، الطاقة التي كان يفترض أن تذهب إلى التعلم واللعب مثل أطفال العالم الآخرين. كما أنها تؤثر على شهيتهم وجودة نومهم”.

يقرأ  فوضى خلال جولة «الأعظم» ليونيل ميسي في الهند: جماهير تقذف كراسي وزجاجات داخل الاستاد

التأثيرات الجسدية لمعاناة الأطفال اليومية تتجاوز الألم الموضعي. بحسب الدكتورة سمية صلاح، التي تعمل في عيادات طبية وسط غزة، فإن المهام اليومية المرهقة التي يؤديها الأطفال تسبب مشاكل في العضلات نتيجة الإجهاد والتشنجات، وأمراضًا خطيرة مثل الفتق والجنف.

وروت صلاح للجزيرة قصة الطفلة رغد (9 سنوات) التي عاشت مع عائلتها مجاعات متعددة في شمال غزة، وكانت تحمل الماء لمسافات طويلة كل يوم. شُخّصت رغد بالجنف، وهو انحناء في العمود الفقري. وإذا لم تحصل على علاج مناسب، فقد تعاني مضاعفات خطيرة ودائمة.

هذه المشاكل الصحية لم تكن شائعة بين الأطفال قبل اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن صلاح ترى الآن حالات مماثلة كل يوم.

ويُرجَّح أن تستمر هذه المشاكل حتى يمكن إعادة إعمار غزة بعد الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية، التي قتلت حتى الآن أكثر من 73,400 فلسطيني، وأصابت آلافًا آخرين، وأجبرت غالبية سكان القطاع على العيش في مخيمات النزوح.

وإسرائيل ترفض السماح ببدء الإعمار رغم “وقف إطلاق النار” المعلن في أكتوبر/تشرين الأول، وتواصل وضع العقبات أمام أي اتفاق يسمح للفلسطينيين بإعادة بناء ما دمّرته.

إلى جانب ذلك، هناك صعوبات تواجه المنظمات الإنسانية الدولية. يعتمد الفلسطينيون على هذه المنظمات في الحصول على الماء والطعام، لكن عدة منظمات، من بينها “المطبخ المركزي العالمي” ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، اضطرت إلى تقليص خدماتها في غزة هذا العام، جزئيًا بسبب القيود الإسرائيلية على دخول شاحنات المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وأيضًا بسبب نقص التمويل.

ومع ذلك، فإن الغالبية الساحقة من الفلسطينيين في غزة تحتاج إلى المساعدة. وتقدّر اليونيسف أن 82 في المئة من الأسر في غزة تعاني من انعدام الأمن المائي، وأن ما يصل إلى 70 في المئة غير قادرين على الحصول على ستة لترات من الماء للفرد في اليوم، وهو ما تصفه المنظمة بأنه “أقل بكثير من معايير الطوارئ الدنيا”. وتضيف اليونيسف أن ما يقرب من 90 في المئة من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة قد دُمّرت، مما يبرز ضرورة توفير المياه النظيفة.

يقرأ  لبنان يراهن على محادثات حاسمة في واشنطن لإحباط غزو إسرائيلي — تقرير توضيحي

قال محمد مصلح، رئيس بلدية مخيم المغازي، للجزيرة إن هناك نقصًا حادًا في إمدادات المياه في المخيم بسبب عوامل متعددة، منها غياب قطع الغيار والوقود للمولدات ومضخات المياه جراء الحصار الإسرائيلي. وأشار أيضًا إلى أن توسع المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل في غزة، وهو ما يخالف بنود اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع العام الماضي، يقيّد أيضًا وصول البلدية إلى آبار المياه. وأوضح مصلح أن المغازي لا يملك سوى صهريج مياه واحد تديره البلدية المحلية، ويحاول توفير المياه لأكثر من خمسة آلاف عائلة.

## “هذا ليس عدلًا”

الصراع لإيجاد الطعام والماء يجعل العائلات في حالة يأس، وقد يكون هذا الأمر صعبًا على الأطفال بشكل خاص.

أوضحت هدى زقوت، والدة ميسرة، أن ابنتها كانت تنهار في البكاء غالبًا إذا عادت إلى الخيمة فارغة اليدين. قالت: “صُدمت عندما دخلت ابنتي الخيمة وهي تبكي وتحمل وعاءً فارغًا. لم تكن منزعجة فقط لأن جهودها ذهبت سدى، بل كانت أيضًا مغلوبة على أمرها لأنها لم تستطع إحضار الطعام لعائلتها”.

وتتذكر ميسرة: “كنت حزينة وغاضبة جدًا. ذهبت مبكرًا وانتظرت في الطابور أمام المطبخ المجتمعي لمدة ساعة تحت الشمس. نفد الطعام قبل دوري. هذا ليس عدلًا”.

أما فداء، فلاحظت أن معاناة أطفالها اليومية تركت أثرًا نفسيًا كبيرًا عليهم. قالت: “أصبح هذا جزءًا من شخصياتهم. معظم الوقت يفكرون ويتحدثون عن مسؤولياتهم اليومية مثل الكبار. لقد تغيّروا كثيرًا”. أصبح أطفال غزة أكثر عناداً، وأقل حديثاً وتعبيراً عن مشاعرهم، وفق ما تقوله أمهاتهم. تقول فداء، وهي أمّ نازحة: “لا أستطيع حبس دموعي في كل مرة يتحدث فيها أطفالي معي عن ذكرياتنا قبل الحرب. يتذكرون مدرستهم، وطعامنا الذي كنا نطبخه في البيت، وخروجنا الأسبوعي مع العائلة، فتنور وجوههم بالابتسام. هذه الذكريات صارت طريقتهم الوحيدة ليجدوا فيها بعض السعادة وسط واقعنا القاسي.”

يقرأ  وفيات واضطرابات في أرجاء أوروباموجة حر شديدة — كل ما يجب أن تعرفهأخبار أزمة المناخ

عرض يامن وأمان صالح شهادتيهما المدرستين في مخيم المغازي بغزة.

ورغم النزوح وثقل مسؤوليات البقاء على قيد الحياة، ما يزال أطفال غزة وعائلاتهم يتمسكون بالأمل في مستقبل أفضل.

تقول فداء: “لم نستطع أخذ معظم أغراضنا عندما غادرنا منزلنا في شمال غزة في بداية الحرب، لكنني أصررت على حمل شهادات أطفالي المدرسية لتذكيرنا بأهمية التعليم. اليوم أنا سعيدة لأنني أستطيع تعليم أطفالي وتشجيعهم على المشاركة في المبادرات التعليمية والأنشطة الترفيهية كلما سنحت الفرصة.” وتضيف بفخر: “أنا أيضاً فخورة جداً بابني يامن، الذي أصبح قائد فريق الدبكة في مخيمنا رغم كل التحديات التي نعيشها.”

أما محمد زقوت، والد ميسرة ورئيس لجنة المخيم، فيقول إن اللجنة أنشأت خياماً تعليمية، يتطوع فيها معلمون من المخيم لتعليم الأطفال المواد الأساسية. كما تنظّم اللجنة أنشطة ثقافية وترفيهية لمساعدة الأطفال على تخفيف التوتر والاستمتاع.

ويضيف محمد: “رسالتي إلى العالم تتلخص في بيت شعر للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش: ‘نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا’، وهو أيضاً شعار مخيمنا. نحلم بحياة آمنة وكريمة، يستطيع أطفالنا فيها أن يلعبوا ويتعلموا ويكبروا مثل كل أطفال العالم.”

أما ميسرة، فتحلم بطفولة طبيعية ببساطة. تقول: “تمنيت لو كانت لي غرفتي الخاصة والكثير من الألعاب. تمنيت لو أذهب إلى مدرسة حقيقية وأرتدي زياً جميلاً ومشطي شعري. تمنيت لو كان الماء يأتينا عبر أنابيب، وأن يكون لدينا صنبور يعمل دائماً حتى لا نضطر إلى حمل الماء.”

أضف تعليق