في جلسة استماع عقدها الكونغرس في وقت سابق من هذا الأسبوع، دافع مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل عن تغييرات أُجريت على معايير التوظيف في المكتب. جاءت شهادته بعد أسبوعين فقط من ظهور تقارير عن تخفيف معايير التوظيف في وكالة أخرى لإنفاذ القانون في الولايات المتحدة، وهي وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك.
ونتيجة لذلك، برزت مخاوف من التراجع عن معايير يُقصد بها حماية الجمهور عبر وضع حد أدنى للسلوك المتوقع من عناصر إنفاذ القانون. ومن حق الرأي العام الأميركي أن يقلق، فمعايير التوظيف المتساهلة قد تضع أفرادًا متهورين في مواقع سلطة.
لكن ضمان الالتزام بمعايير أعلى في توظيف عناصر إنفاذ القانون وحده لا يمكن أن يحل مشكلة عنف الشرطة في الولايات المتحدة.
سوء السلوك الفردي
تقدم الأبحاث حول سوء سلوك الشرطة، والتي توسعت كثيرًا بعد حركة “حياة السود مهمة” والحركات المرتبطة بها، مؤشرات مفيدة لتوجيه طريقتنا في التعامل مع مسألة معايير التوظيف.
أظهرت الدراسات أن معظم حالات استخدام القوة تتركز لدى نسبة صغيرة نسبيًا من الضباط، على الأقل في الأقسام المحدودة التي تتابع مثل هذه الحوادث. وهذا يعني وجود ضباط يعودون إلى ارتكاب المخالفات ولديهم ميل إلى هذا النوع من سوء السلوك.
فهل يمكن تحديد الأفراد الخطرين قبل توظيفهم؟
وجدت دراسة شملت أكثر من 12,000 متقدم للعمل في الشرطة أن ردودًا معينة في التقييمات النفسية قبل التوظيف ارتبطت لاحقًا بشكاوى استخدام القوة المفرطة وشكاوى تتعلق بسوء سلوك عنصري.
غير أن دراسة أخرى شملت 642 ضابطًا في عامهم الأول وجدت أن مؤشرات السلوك المعادي للمجتمع والسلوك الحدّي يمكن أن تتوقع احتمال الانخراط في أنواع معينة فقط من الانتهاكات، وتحديدًا سوء السلوك الجنسي.
وهناك أيضًا أبحاث تشير إلى أن الشرطة التعسفية والصحة النفسية للضباط قد تكونان متشابكتين، وأن أضرار سوء السلوك قد تتجاوز المدنيين المستهدفين، وربما تصل إلى الضباط المخالفين أنفسهم.
في عينة ضمت 137 ضابط شرطة أميركيًا في الخدمة الفعلية، أبلغ نحو 11 في المئة عن أنفسهم أنهم مارسوا شرطة تعسفية. وقد ارتبطت الشرطة التعسفية بزيادة أعراض اضطراب ما بعد الصدمة حتى بعد احتساب تجارب الطفولة السلبية والصدمات في مكان العمل.
ومعنى كل هذا أن معايير التوظيف القائمة على التحليل النفسي لا ينبغي رفضها باعتبارها غير ذات صلة، ولا التعامل معها كوسيلة موثوقة تمامًا لإزالة كل خطر مستقبلي. يجب تقييم المعايير بناءً على ما تتنبأ به فعلًا، وما تستبعده، وما المخاطر التي تنشأ عند إزالتها.
العنف البنيوي
لكن الاختيار غير السليم لمجندي إنفاذ القانون ليس سوى جزء من المشكلة.
تمتلك الولايات المتحدة معدل عنف شرطة مرتفعًا بشكل استثنائي مقارنة بدول ديمقراطية غنية أخرى. فعلى سبيل المثال، يبلغ معدل القتل على يد الشرطة 33.5 لكل عشرة ملايين في الولايات المتحدة، مقابل 9.8 في كندا، و1.3 في ألمانيا، و0.5 في إنجلترا وويلز.
لا يمكن تفسير ذلك ببساطة بمن نصادف أن نوظفهم. فقوانين إنفاذ القانون الأميركية تمنح الضباط سلطة استثنائية للاحتجاز والتفتيش واستخدام القوة، وفي بعض الظروف، إزهاق روح.
وتعمل هذه الصلاحيات داخل مؤسسات عانت مرارًا وتكرارًا من التحيز العنصري، والعداء غير الضروري للمجتمعات المهمشة، وإساءة استخدام السلطة. كما أن المساءلة عن سوء سلوك إنفاذ القانون غير كافية، بما في ذلك من خلال الحصانة المشروطة وغيرها من الحمايات القانونية التي قد تجعل من الصعب تحميل الضباط مسؤولية شخصية عن انتهاكات دستورية معينة.
المشكلة، بعبارة أخرى، ليست فقط أن بعض الأفراد يدخلون إلى الشرطة وهم لا ينبغي أن يدخلوها. بل هي أيضًا النظام الذي يدخلون إليه، والثقافات التنظيمية والحوافز والممارسات التي يمكن أن تشكل طريقة استخدامهم للسلطة الممنوحة لهم.
يتطلب تقليل سوء سلوك الشرطة إصلاحًا على مستوى النظام كله، بما في ذلك مساءلة أكبر لا للضباط الأفراد فحسب، بل للوكالات والمؤسسات المسؤولة عن عمل الشرطة.
تعتمد فعالية الشرطة جزئيًا على تعاون الجمهور. وقد ربطت أبحاث عالمية في عشرات الدول بين الإحساس بالإنصاف، والعدالة الإجرائية، والثقة بالشرطة، واستعداد الناس للتعاون مع إنفاذ القانون.
ويمكن أن تكون مصداقية معايير التوظيف جزءًا من مبادرات بناء الثقة، لكن يجب أن تشمل أيضًا جهودًا أوسع لتعزيز الثقة والشرعية لدى المجتمعات المهمشة عبر تقليل التنميط العنصري، واستخدام القوة بلا ضرورة، والتنفيذ غير العادل للقوانين.
التحدي ليس فقط تحديد المرشحين “الخطأ” واستبعادهم، بل بناء مؤسسات يكون فيها الاختيار مصحوبًا بتدريب فعال وإشراف ومساءلة. وفي النهاية، يجب تنظيم المؤسسات التي تُمنح سلطات استثنائية بحيث تحمي الناس الذين تخدمهم.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.