ستجري إثيوبيا انتخاباتها الوطنية السابعة في 1 يونبو، وقد أذن المجلس الانتخابي الوطني الإثيوبي (NEBE) بالمضي قدماً في التصويت على الرغم من استمرار النزاعات الداخلية والانتهاكات الحقوقية.
بينما من الضروري الحفاظ على زخم التحول الديمقراطي، فإن الوضع الراهن في البلاد لا يوفر شروطاً ملائمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وموثوقة.
قصص موصى بها
النزاع والعنف
عندما تولى رئيس الوزراء أبيي أحمد السلطة عام 2018، ساد تفاؤل كبير بإمكانية انتقال البلاد إلى ديمقراطية دستورية. ومع أن بعض المراقبين كانوا متحفظين، فقد رحب معظم الإثيوبيين بالتغيير السياسي الذي أعقب موجة احتجاجات دامية أضعفت الحكومة السلطوية السابقة المنبثقة عن جبهة تحرير شعبية ديمقراطية إثيوبية (EPRDF).
فعلاً، في الأشهر الأولى من توليه الحكم نفّذ أبيي خطوات إصلاحية ملموسة. أُفرِج عن سجناء سياسيين وصحفيين ونشطاء سُجنوا ظلماً، وتم تعديل قوانين قمعية، من بينها قانون «مكافحة الإرهاب» المثير للجدل وقوانين الإعلام والانتخابات وغيرها. كما أعاد أبيي تطبيع العلاقات مع إريتريا، وهو إنجاز حظي بتقدير دولي ونال عنه جائزة نوبل للسلام.
لكن هذه الإصلاحات سرعان ما طغت عليها صراعات داخلية. في 2020 اندلع حرب بين الحكومة الفدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، أسفرت عن مقتل مئات الآلاف. خلصت هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية والعديد من منظمات الحقوق إلى ضلوع قوات الحكومة في انتهاكات جسيمة ومنظمة لالحقوق الإنسانية.
كما أكدت اللجنة الدولية لخبراء حقوق الإنسان بشأن إثيوبيا التي شكّلها الأمم المتحدة وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل الجماعي والعنف الجنسي والتعذيب. ورغم هذه النتائج، لم تُتخذ خطوات ملموسة لضمان المساءلة عن الانتهاكات.
ساعد اتفاق سلام بريتوريا، الموقع في نوفمبر 2022، على وقف الأعمال العدائية ووضع حد للصراع المدمر. ومع ذلك تتزايد المخاوف من تجدد العنف بعد أن أطاحت جبهة تيغراي مؤخراً بالإدارة المؤقتة للمنطقة التي عيّنتها الحكومة الفدرالية.
على نحو مماثل، أدت المواجهات التي بدأت عام 2023 في إقليم أمهرة بين القوات الفدرالية وميليشيات «فانو» إلى وقوع انتهاكات حقوقية واسعة وخطيرة، بما في ذلك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية التي لا تزال مستمرة. على سبيل المثال، أفادت هيومن رايتس ووتش بأن جنوداً حكوميين نفّذوا مذبحة في مدينة مراوي بمحافظة جوجام في يناير 2024، حيث أُخرج ما لا يقل عن 89 مدنياً من منازلهم وجُمعت مجموعة منهم ونُفّذ فيهم الإعدام.
علاوة على ذلك، تسببت ضربات طائرات مسيّرة في عدة حوادث عبر مناطق جوجام وولو وشوا في إقليم أمهرة بسقوط خسائر مدنية كبيرة، مما زاد من حدة الأزمة الإنسانية وعمّق المخاوف بشأن سلوك أطراف النزاع.
استمر الصراع أيضاً في إقليم أوروما؛ إذ تتواجه القوات الفدرالية مع جيش تحرير أورومو (OLA) في ظل حالة عدم استقرار متواصلة. في أبريل 2024 قُتل باتي أورغيسا، قيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير أورومو وناقد صريح للحكومة، في مدينة ميكي بإقليم أوروميا، وتظل ظروف مقتله الدقيقة وأسباب استهدافه غير واضحة.
اتساع القمع
في السنوات الأخيرة، عمل حزب الازدهار الحاكم على ترسيخ حكم استبدادي متزايد من خلال التراجع عن الإصلاحات القانونية والسياسية التي كان قد أطلقها واللجوء إلى رقابة وسلطات استثنائية واسعة.
أدى فرض حالة الطوارئ عند اندلاع النزاع في أمهرة إلى تأثير مقلق، إذ عمّق تآكل ممارسة الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية.
استمر القمع السياسي واستهداف أعضاء المعارضة دون انقطاع، حيث وثّقت تقارير حالات قتل لخصوم سياسيين.
وُجّهت اتهامات للحكومة بالاعتماد على هياكل أمنية سرية، مثل «كوري ناجنيا» (لجنة الأمن)، التي ارتُكبت بحقها، بحسب تقارير، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والاحتجاز التعسفي.
تشير منظمات حقوقية أيضاً إلى تزايد المراقبة والترهيب والمضايقات ضد الصحفيين، مما اضطر كثيرين منهم إلى المنفى. ويُظهر تقرير لجنة حماية الصحفيين أن ما لا يقل عن 54 صحفياً غادروا البلاد منذ 2020 بسبب الاضطهاد من قبل جهات حكومية، كما أُلقي القبض على عدد من الصحفيين، بينهم ميسكريم أبارا وداويت بيغاشاو وغوبيزي سيساي، بتهم واهية وما زالوا في السجون.
كما اضطر ناشطون بارزون في مجال حقوق الإنسان إلى اللجوء خارج البلاد نتيجة إجراءات القمع. فقد أجبر يارد هيلمريام، رئيس منظمة المدافعين الإثيوبيين عن حقوق الإنسان، على البحث عن ملاذ في الخارج، وكذلك دان يغرا، رئيس المجلس الإثيوبي لحقوق الإنسان.
أثّر تدهور أوضاع حقوق الإنسان والسياسة والأمن في إثيوبيا على المشهد الانتخابي بلا ريب. ففي قرار بارز عام 2024 بشأن الديمقراطية الانتخابية، خلصت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إلى وجود انتهاكات متعددة لحقوق الإنسان في سياق انتخابات 2015 بإثيوبيا. وعلى الرغم من أن هذه الانتهاكات وقعت قبل وصول حزب الازدهار إلى السلطة، فقد أشارت اللجنة إلى أن القوانين المصممة لحماية الحقوق الانتخابية في السنوات الأخيرة ينبغي تنفيذها بفعالية أكبر.
في 2 مارس أصدرت 41 دولة بياناً أعربت فيه عن مخاوف جدية بشأن وضع حقوق الإنسان في إثيوبيا ودعت إلى المساءلة، مشيرة إلى «توقف عملية العدالة الانتقالية» و«الحاجة إلى تنفيذها الكامل والسريع».
بدون احترام الحريات الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير وحرية التجمع وحق المشاركة في العملية الديمقراطية، لا تكفي مجرد عملية اقتراع لضمان انتخابات حرة ونزيهة وموثوقة.
ينبغي أن يظل وضع إثيوبيا من حيث حقوق الإنسان والسياسة والأمن مصدر قلق للمجتمع الدولي خارج إطار دورة الانتخابات الحالية. فإثيوبيا ثاني أكثر دول إفريقيا اكتظاظاً بالسكان وتملك تاسع أكبر اقتصاد في القارة. ويمكن أن يكون للاستقرار والعنف في البلاد تأثيرات سلبية عابرة للمنطقة شرق أفريقيا بأسرها.
ومن جهة أخرى، إذا أُنشئت السياسات السياسية والاقتصادية الصحيحة، فإن سكان إثيوبيا الشاب والمتعلم قادرون على أن يكونوا قوة دافعة لنمو اقتصادي وإقليمية مزدهرة.
على المجتمع الدولي ممارسة أقصى درجات الضغط لضمان قيام حكومة إثيوبيا بإصلاحات جادة وتبني تدابير لبناء الثقة، بما في ذلك المضي في المصالحة الوطنية، والانخراط في مفاوضات سياسية، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، واحترام الحريات الأساسية للتعبير والتجمع والمشاركة السياسية. وينبغي أن تسير كل هذه الخطوات جنباً إلى جنب مع العملية الانتخابية الديمقراطية.
المواقف المعبر عنها في هذا المقال تعكس رأي المؤلف وحده ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لقناة الجزيرة.