في مخيم الأمل بمدينة دير البلح، وكل يوم حوالي الساعة التاسعة صباحًا، بعد أن تجهز أولادها الخمسة، تخرج علا صالح من الخيمة التي تأوي عائلتها، وبعد خمس دقائق تصل إلى خيمة أخرى في المخيم، وهناك لساعات تبتعد عن أعباء الأمومة والنزوح والحزن.
هذه مساحة آمنة مخصصة للنساء فقط، تُعقد فيها جلسات يومية ضمن برنامج أوسع تديره مؤسسة “مشاريع التنمية الجماعية”، وهي منظمة تقدم دعمًا نفسيًا ونقاشات جماعية وإرشادات عملية للتعامل مع ضغوط الحرب. هنا، تجد علا فرصة للتحدث مع نساء يفهمن مشاعرها دون حاجة لشرحها. وبين طبيبات نفسيات ونساء يحملن خسائرهن الخاصة، تجد شيئًا افتقدته منذ أن أخذت منها الحرب الإسرائيلية الإبادةية على الفلسطينيين في غزة الكثير.
قالت علا والدموع تسيل على وجهها: “قُتل زوجي في الحال”، مشيرة إلى زوجها عبد الجليل صالح (43 عامًا) الذي قُتل في أغسطس الماضي بينما كان يمشي لشراء الطعام ومستلزمات المنزل. “لا أزال لا أعرف إن كان قناصًا أم طائرة كوادكوبتر”. في تلك اللحظة، فقدت علا المعيل الوحيد لأسرتها، ومن كانت، كما تصفه، أعظم مصدر راحة لها. وهي الآن نازحة في دير البلح، تربي أطفالها الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والسابعة عشرة وحدها.
تقول: “كل يوم أصعب من الذي قبله، مسؤولياتي تزداد وغيابه يثقل عليّ”.
تُقدّر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن حوالي 16 ألف امرأة في غزة فقدن أزواجهن منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، أي حوالي واحدة من كل سبع أسر تقودها امرأة الآن. بالنسبة لمعظمهن، لم يتبق وقت أو مساحة للحزن، فهن يعشن في خيام بلا كهرباء أو تهوية، مشغولات بتأمين الطعام والماء وأساسيات البقاء اليومي.
تقول آلاء داود، المنسقة الميدانية للمساحة الآمنة للنساء، إن المبادرة صُممت لمنح النساء بيئة آمنة يعبرن فيها بحرية ويتلقين الدعم النفسي والعملي. وأضافت: “كل امرأة تأتي بتجربتها الخاصة… ما مرت به وما تريد تغييره”.
بدأ البرنامج في مدرسة “الفرح” بالمخيم وسط غزة الأسبوع الماضي، ويخطط لتوسيعه ليشمل مواقع نزوح أخرى في القطاع، كما تُعقد جلسات مماثلة في الشمال. إلى جانب الدعم العاطفي، ترفع الجلسات الوعي بقضايا أصبحت أكثر إلحاحًا خلال الحرب: الضغط الأسري، المشقة الاقتصادية، الصحة النفسية، وصعوبة رعاية الأطفال في ظل النزوح.
تقول داود إن الحضور نما سريعًا منذ بدء الجلسات. في اليوم الأول حضرت حوالي 60 امرأة، ثم ارتفع العدد إلى 65 في اليوم الثاني، ووصل بين 70 و75 بعد أن سمعت نساء أخريات عن البرنامج وانضممن. وتضيف: “تخبرنا النساء كم يحتجن إلى مساحات آمنة يعبرن فيها بحرية وأمان وراحة، ويحتجن إلى مكان يفرغن فيه مشاعرهن ويكتسبن طاقة إيجابية ويتعلمن كيفية التعامل مع المجتمع وأطفالهن”.
بالنسبة لعلا، لا تمحو جلسات المساحة الآمنة حزنها لكنها تجعله أكثر احتمالًا. تقول إن هذا مكان تتطلع يوميًا لزيارته، حيث تُرى وتُسمع، ولوقت قصير تشعر أنها أقل وحدة. الاستماع لمخاوف نساء أخريات، والمشاركة في النقاشات، والاستماع لمختصين يتحدثون عن الصدمة والضغط النفسي يمنحها لحظات ارتياح في واقع يهيمن عليه الفقدان. تقول: “أخرج بجرعة أمل وطاقة إيجابية، لا تكفي لإخراجي من كل ما أعيشه، لكنها تساعدني على الاستمرار، تذكرك بأنك مهمة أيضًا… بأنك ما زلت موجودة”.
تأتي سعاد الغرابلي إلى نفس الجلسات من طريق مختلف. في الثالثة والستين، هي واحدة من أكبر المشاركات في المجموعة، وعلى عكس بعض النساء اللواتي يأتين للتحدث عن آلامهن، غالبًا ما تأخذ دورًا أكثر نشاطًا، تستمع للأمهات الأصغر وتشاركهن تجربتها، وتقدم نصائح من حياتها في تربية أطفالها الثمانية.
قبل الحرب، كانت سعاد تسكن في حي الشجاعية بمدينة غزة. مثل كثيرين، نزحت بعد تدمير منزلها، وتشارك الآن خيمة في دير البلح مع ابنها وزوجته وأطفالهم. لم يكن النزوح أول خسارة جلبتها الحرب، فقد فقدت بالفعل ابنين (24 و35 عامًا) قُتلا في هجومين جويين منفصلين في الشجاعية، وكانا مخطوبين ويستعدان للزواج. لا تزال المسنة تواجه صعوبة في الحديث عنهما دون أن تنهار بالبكاء، تتذكرهما كشابين كانا يعدان لمستقبل اختصرته الحرب.
رغم ذلك، تحاول سعاد تحويل تجربتها إلى شيء تقدمه للنساء الأخريات. في المساحة الآمنة، غالبًا ما تتحدث للأمهات الأصغر عن تربية الأطفال في وقت غيّرت فيه الحرب والنزوح الحياة الأسرية بشكل دراماتيكي. تقول: “أنا سعيدة بهذه اللقاءات لأنها تقدم وعيًا، كل أم تحتاج أن تهتم بأطفالها، هذا الجيل يواجه مشاكل كثيرة”. بالنسبة لها، قيمة الجلسات ليست فقط في الدعم الذي تتلقاه النساء بل في ما يتبادلنه مع بعضهن. تقول: “من أكبر منك بيوم يعرف ما لا تعرفين”، موضحة شعورها بالمسؤولية لنقل ما تعلمته. نصائحها تأتي من عقود من العمل الشاق. كانت السيدة الغرابلي تخيط وتذهب إلى الأسواق وتشتري وتبيع لتتمكن من تعليم أولادها وتربيتهم. وجهها المجعد بعمق يعكس سنوات العمل الطويلة التي قضتها في تربية أطفالها.
قبل أن تبدأ في حضور الجلسات، كانت أيامها تقضيها بين خيمتها، وأوقات الصلاة، والجلوس بهدوء مع جاراتها. لكن هذه اللقاءات منحتها شيئًا جديدًا، وأعطتها سببًا لتخرج من عزلة النزوح وتكون بين الناس.
تقول: “إنها تجربة منعشة. أشارك هؤلاء النساء ما علمتني إياه الحياة.”
بالنسبة لداود، أهمية هذه المساحات تتجاوز الإرشاد النفسي. إنها أيضًا وسيلة للاعتراف بما تحمله النساء في غزة طوال الحرب.
ويقول: “كانت النساء من بين الفئات التي تحملت أكبر المسؤوليات. عانين من الفقر والنزوح والضغط الهائل. عندما نخبرهن كم كان دورهن مهمًا وكم قدمن، يشعرن أن جهودهن ومعاناتهن أصبحت معترفًا بها.”