إعلان طارئ على مستوى الصحة العالمية
أعلنت منظمة الصحة العالمية أن التفشّي الأخير لفيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجارتها أوغندا يُشكّل «حالة طوارئ صحية تثير القلق على المستوى الدولي» بعد تسجيل ما يقرب من تسعين وفاة. وينتج هذا التفشّي عن سلالة نادرة تُعرف باسم بوندبوبوجو، وهي سلالة لا تتوافر لها حتى الآن لقاحات أو علاج محدد معتمد.
بؤرة التفشّي ومخاطره الإقليمية
بدأت الحالات في مقاطعة إيتوري بشرق الكونغو، ومن هناك انتقل الوباء إلى مناطق أخرى بعد تنقّل المصابين طلباً للعلاج أو هرباً من العنف. سجّلت السلطات وصول حالات مرتبطة بالتفشّي إلى العاصمة كنشاسا، كما أُبلِغ عن حالات مؤكّدة مخبرياً في أوغندا مرتبطة بمسافرين قادمين من الكونغو. وفق مركزي أفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها، بلغ عدد الوفيات 88 حالة وبلغت حالات الاشتباه 336 حالة حتى يوم السبت.
أسباب تعقيد مواجهة التفشّي
حذّرت الجهات الصحية من أن حركة السكان، وضعف البنى الصحية المحلية، واستمرار أعمال العنف من قبل جماعات مسلّحة في إيتوري، قد تُعقّد جهود احتواء المرض. وقال مسؤولون إن «المسألة أصبحت ذات طابع إقليمي عالٍ الخطورة» لأن خطوط التبادل التجارية والرحلات تربط بين البلدان المجاورة. كما قالت تريش نيوبورت من منظمة أطباء بلا حدود إن الوتيرة السريعة لظهور حالات ووفيات وانتشارها عبر مناطق صحية عدّة ومن ثم عبور الحدود «تبعث على قلق بالغ». وأضافت أن نقص الوصول إلى الخدمات الصحية وانعدام الأمن في إيتوري يجعل تنفيذ استجابة سريعة أمراً حاسماً لمنع تفاقم الوضع.
ماذا نعرف عن الفيروس؟
إيبولا مرض فيروسي شديد المَرَضية وغالباً ما يكون قاتلاً، اكتُشِف للمرة الأولى عام 1976 قرب نهر إيبولا في ما يُصبِح اليوم جمهورية الكونغو الديمقراطية. يُرجّح أن المنشأ الطبيعي للفيروس حيواني —وخاصة الخفاش— قبل انتقاله إلى الإنسان. ينتقل عبر ملامسة مباشرة للسوائل الجسدية مثل الدم والقيء والسائل المنوي أو عبر مواد ملوّثة كالفراش والملابس؛ ويُصبح المريض ناقلاً للعدوى بمجرد ظهور الأعراض، التي تشمل الحمى والقيء والإسهال وضعفاً شديداً وآلاماً عضلية ونزفاً داخلياً أو خارجياً في الحالات الشديدة. فترة الحضانة تتراوح بين يومين و21 يوماً. سلالة بوندبوبوجو، المكتشفة أول مرة في أوغندا عام 2007، لها معدل فتك مرتفع قد يصل إلى نحو 50 بالمئة، ولا يتوفر لها لقاح أو علاج نوعي حتى الآن.
قرار منظمة الصحة العالمية وتوصياتها
أعلنت المنضمة أن تصنيفها للتفشّي كحالة طوارئ دولية يمثل ثاني أعلى مستويات الإنذار وفق اللوائح الصحية الدولية، لكنها أكدت أن الوضع لا يرقى إلى مستوى جائحة بالمعنى الذي أُقرّ بعد جائحة كوفيد‑19. ورغم ذلك شدّدت الوكالة على أن الدول المجاورة تُعدّ عرضة لخطر امتداد العدوى بسبب التنقل والتبادل التجاري والسياحي وعدم اليقين الوبائي القائم. وناشدت تفعيل آليات إدارة الطوارئ، وتشديد فحوصات العبور الحدودي، وعزل الحالات المؤكدة فوراً، ومتابعة المخالطين يومياً، وحث المعرضين على الامتناع عن السفر الدولي لمدة 21 يوماً. كما حذّرت من إغلاق الحدود لأن ذلك قد يدفع الناس إلى عبور معابر غير مراقَبة ويعوق جهود الاحتواء.
مقاربة تاريخية وسياق محلي معقّد
تعرّضت الكونغو الديمقراطية لما لا يقل عن 17 تفشّياً لإيبولا منذ اكتشاف الفيروس فيها عام 1976، مما يجعلها من أكثر البلدان تضرراً بهذا المرض؛ وأبرز التفشيات كان بين 2018 و2020 حيث أودى بحياة نحو 2300 شخص، كما تسبب تفشّي سابق العام الماضي في مقتل ما لا يقل عن 34 شخصاً قبل أن يُعلن عنه انتهاءه في ديسمبر. عبر التاريخ، قضى إيبولا على نحو 15 ألف شخص، معظمهم في أفريقيا.
وإلى جانب التحدّي الصحي، تواجه الكونغو أزمة أمنية معقدة تُثقل كاهل الاستجابة: فالهجمات المسلحة التي وقعت هذا الشهر أدّت إلى مقتل عشرات المدنيين —بحسب مسؤولي الأمن لا يقل عدد القتلى عن 69—، وتستمر هجمات فصائل مثل قوات التحالف الديمقراطي (ADF) وحركة 23 مارس (M23) في تهديد السكان. المنطقة الشرقية الغنية بالمعادن تشهد صراعاً مستمراً بين فصائل مسلّحة تتنافس على السيطرة على مواقع التعدين، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى السكان وتنسيق جهود الصحة العامة.