موجة العقوبات الأمريكية على إيران: كيف تصل تداعياتها إلى الأسواق العالمية والمستهلكين؟

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض عقوبات اقتصادية جديدة على طهران، ووصفتها بأنها “يوم الإنزال الاقتصادي”، مع اقتراب الحرب الأميركية على إيران من إتمام شهرها السادس. وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يوم الاثنين هذه العقوبات، إلى جانب حصار بحري على الموانئ الإيرانية.

وقال بيسنت إن العقوبات تستهدف المصادر الرئيسية لإيرادات إيران، بما في ذلك قطاع النفط والغاز، ودعا دول العالم إلى قطع علاقاتها الاقتصادية مع طهران. وتشمل العقوبات قطاعات الطيران والأصول الرقمية والذهب والتكنولوجيا والشحن، إضافة إلى فرض عقوبات على 60 شخصاً وسفينة محددة. ويرى بيامان صالحي، المحلل الجيوسياسي المقيم في طهران، أن إيران تبدو أقل قدرة من السنوات الماضية على مجرد الالتفاف حول العقوبات.

وأشار بيسنت إلى أن العقوبات الجديدة تعرّض شركاء طهران التجاريين لعقوبات ثانوية. وذكرت وزارة الخزانة أن الأهداف تشمل سفناً توجد في سنغافورة والصين وهونغ كونغ أو مرتبطة بها. وتقول راشيل زيمبا، الباحثة في مركز الأمن الأميركي الجديد، إن عقوبات اليوم هي في معظمها إجراءات تدريجية، لكنها جزء من محاولة تخويف الشركاء التجاريين المتبقين ودفعهم إلى قطع العلاقات مع إيران. وأضافت أن هناك الكثير من الرسائل والتهديدات الهادفة إلى حمل الدول على التصدي للكيانات المتورطة في تجارة “المنطقة الرمادية”، وهي تجارة غير قانونية وسرية، أو تجارة غير خاضعة للعقوبات لكن يصعب تتبعها.

وقالت وزارة الخزانة إن إيران استخدمت العملات المشفرة للالتفاف على عقوباتها القديمة ولتسهيل معاملات تخص الحرس الثوري الإيراني ومسؤولين في النظام. كما استخدمت الذهب للمساعدة في دعم قيمة عملتها وسط عدم الاستقرار الاقتصادي. وتستهدف عقوبات الشحن أسطول النقل البحري الإيراني المرتبط بالدولة، الذي تقول الوزارة إنه يُستخدم لنقل النفط ومكونات أسلحة حساسة. أما عقوبات التكنولوجيا فتهدف إلى تقييد حصول إيران على مواد يمكن استخدامها في برامجها التسليحية. وتستهدف عقوبات الطيران شركات طيران إيرانية تقول الوزارة إنها تنقل أسلحة وعسكريين وموارد مالية إلى وكلاء إيران.

يقرأ  من تأهل إلى دور الـ32 في كأس العالم 2026؟أحدث أخبار البطولة

كما علّقت واشنطن بشكل غير محدد عدة استثناءات واسعة من عقوباتها على إيران، بما فيها التبادلات الأكاديمية والتحويلات المالية الشخصية وبعض الأنشطة الرياضية. ولدى المنظمات المنخرطة حالياً في هذه الأنشطة مهلة حتى الثامن من سبتمبر/أيلول لإنهاء عملياتها. وتقول زيمبا إن هذه الإجراءات ستؤثر على الإيرانيين وليس على النظام فقط.

أما بالنسبة للعقوبات السابقة، فتعود إلى عام 1979 بعد أن احتجز طلاب رهائن في السفارة الأميركية بطهران، وتواصلت وتصاعدت على مدى 45 عاماً. وتوقفت مؤقتاً بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015 بين إيران والقوى العالمية، لكن إدارة ترامب انسحبت من الاتفاق في ولايتها الأولى عام 2018، فأعادت العقوبات القديمة وأضافت عقوبات جديدة. وفي الولاية الثانية لترامب، فرضت واشنطن عقوبات جديدة، كثير منها قبل أن تضرب الولايات المتحدة وإسرائيل إيران لأول مرة في 28 فبراير/شباط.

وفي فبراير/شباط 2025، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على 30 شخصاً وسفينة بتهمة التورط في “الوساطة في بيع ونقل منتجات نفطية إيرانية”، وكانت الأهداف في دول عدة بينها الهند والصين. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، فرضت واشنطن عقوبات على 29 سفينة اتهمتها بأنها جزء من “أسطول الظل” المستخدم لنقل النفط الإيراني، كما فرضت عقوبات على رجل الأعمال المصري حاتم السعيد فريد إبراهيم صقر بسبب صلات أعماله المزعومة بسبع من تلك السفن. وجاءت هذه الإجراءات استمراراً لحملة العقوبات التي استهدفت صناعة النفط الإيرانية منذ عام 1979.

وفي أبريل/نيسان 2026، شددت وزارة الخزانة العقوبات مرة أخرى، مستهدفة نحو عشرين فرداً وشركة وسفينة تعمل ضمن شبكة قطب نقل النفط الإيراني محمد حسين شمخاني، نجل مسؤول الأمن الإيراني الراحل علي شمخاني. وفي الشهر نفسه، استهدفت ما وصفته بـ”عملات مشفرة مرتبطة بالنظام”، وقالت إنها صادرت نحو نصف مليار دولار من ما يسمى “شبكات مصرفية ظل”.

يقرأ  إسبانيا: مهاجرون يغادرون سبتة بعد موجة تدفق غير مسبوقة راح ضحيتها 67 شخصًا

الضغط على سوق النفط الإيراني، عبر العقوبات القائمة والحرب الحالية، قلّص إمدادات النفط في بقية العالم وأثر على الدول التي تشتري النفط الإيراني. فالصين هي الوجهة الرئيسية للنفط الإيراني، إذ تشتري نحو 90% من صادرات إيران من النفط الخام، واشترت 1.4 مليون برميل يومياً في عام 2025. وفي الوقت نفسه، تعتمد الأسواق الآسيوية، بما فيها الصين، بشكل كبير على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر منه نحو خُمس نفط العالم قبل أن تخنق إيران هذا الممر.

هذا الوضع ضغط على إمدادات النفط العالمية، ما رفع سعر النفط الخام القياسي، وانعكس ارتفاعاً على أسعار الوقود والغذاء. وبالنسبة للمستهلك الأميركي، كان ذلك أكثر وضوحاً في محطات الوقود. فمتوسط سعر غالون البنزين (3.78 لترات) بلغ 4.09 دولارات، مقابل 2.98 دولار في 28 فبراير/شباط عندما ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران لأول مرة، وفق جمعية السيارات الأميركية.

ويحذر خبراء من أنه إذا تسارع الرد الإيراني، فقد يضر الأميركيين بشدة. ويقول جون ديل، مدير أسواق رأس المال في مجموعة بوست أوك للاستثمار، إنه إذا أثارت العقوبات رداً إيرانياً على الشحن في الخليج، أو خفضت صادرات النفط بشكل ملموس، أو دفعت شركات التأمين والشحن إلى تجنب المنطقة، فقد يشعر الأميركيون بذلك بسرعة عبر البنزين والديزل وأسعار الطيران وتكاليف الشحن، وفي نهاية المطاف عبر التضخم.

ويبرز الاقتصاد وإيران كقضيتين رئيسيتين قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، مع استياء الناخبين على الجبهتين. وقد يضع ذلك ضغطاً على الجمهوريين في سباقات تنافسية، بما فيها ولايات جمهورية تقليدياً مثل تكساس. وأشار استطلاع أجرته رويترز ومركز إبسوس في أواخر يوليو/تموز إلى أن نحو ثلث الأميركيين فقط يدعمون الحرب، بينما وافق 28% من المشاركين في استطلاع لسي إن إن على طريقة تعامل ترامب مع إيران. وفي استطلاع أجرته أسوشيتد برس ومركز نورك، وافق 32% من الأميركيين على أداء ترامب الاقتصادي. أظهر استطلاع حديث أجرته “رويترز/إيبسوس” أن الحزب الديمقراطي يتقدّم تقدماً طفيفاً على الحزب الجمهوري في ثقة الناخبين بقدرته على إدارة الاقتصاد، وهي المرّة الأولى التي يحرز فيها الديمقراطيون مثل هذا التقدّم منذ نحو عقد من الزمن.

يقرأ  بانتون تختار «راقصة الغيوم» لون العام ٢٠٢٦ وتدعو المبدعين إلى التنفّس من جديد

على صعيد الأسواق، ألقت إعلانات العقوبات الأخيرة بظلالها على وول ستريت وعلى أسواق النفط والذهب. فقفز سعر الذهب، الذي يُعتبر على نطاق واسع ملاذاً آمناً للاستثمار في أوقات عدم اليقين الاقتصادي، بنسبة 0.8 بالمئة ليصل إلى 4,639.49 دولاراً للأوقية (28 غراماً) خلال تعاملات منتصف النهار، مسجلاً أعلى مستوى له منذ منتصف مايو/أيار الماضي.

أمّا النفط، فتراجعت أسعاره يوم الاثنين بعد أسبوعين من المكاسب. وانخفض سعر خام برنت القياسي العالمي بأكثر من 2 بالمئة ليصل إلى 85.22 دولاراً للبرميل.

وفي وول ستريت، كانت المؤشرات الرئيسية متباينة في ظل أخبار العقوبات الجديدة وإعلان الرئيس الأميركي عن رسوم جمركية جديدة على كندا. وتراجع مؤشر ناسداك بنسبة 0.5 بالمئة، وانخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.2 بالمئة، بينما ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 0.2 بالمئة مقارنة بافتتاح جلسة الاثنين.

أمّا قطاع النفط فكان من بين الأكثر تضرراً؛ إذ انخفض سهم شيفرون بنسبة 0.8 بالمئة، وتراجع سهم إكسون موبيل بنسبة 0.9 بالمئة، وهبط سهم بريتيش بتروليوم بأكثر من 2 بالمئة، فيما انخفض سهم شل بنسبة 0.2 بالمئة.

أضف تعليق