هل تشتعل الحرب الشاملة في اليمن مجددًا مع تصعيد الحوثيين هجماتهم؟

مع تصاعد الهجمات الحوثية في الأسابيع الأخيرة، وهي من بين الأعنف منذ سنوات، تتزايد المخاوف من أن ينزلق اليمن مجدداً نحو حرب شاملة، خاصة مع انتشار الصراع في الشرق الأوسط.

وكانت هدنة عام 2022 قد أوقفت القتال العنيف بين الحوثيين المدعومين من إيران وقوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، والذي كان مستمراً منذ سبتمبر/أيلول 2014. لكن سلسلة اشتباكات خلال الشهر الماضي، تصاعدت بشكل خاص في الأسبوعين الأخيرين، أدت إلى خسائر مدنية وعسكرية، وأثارت مخاوف من تجدد الحرب.

ما هي أحدث الهجمات؟

قتل الحوثيون عدداً من المدنيين في هجمات متكررة على ميناء المخا الخاضع لسيطرة الحكومة على الساحل الغربي. كما تعرضت سفينة تجارية لهجوم في مضيق باب المندب يوم الثلاثاء، وقال خفر السواحل اليمني إن الهجوم أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة آخرين. وذكر الحوثيون أن السفينة كانت تحمل أسلحة.

وجاء هذا الهجوم بعد أن استهدف الحوثيون مواقع عسكرية للقوات الحكومية في شرق اليمن بالمسيّرات والصواريخ، ما أسفر عن مقتل 30 جندياً حكومياً على الأقل وإشعال مزيد من الاشتباكات. كما هاجم الحوثيون مصفاة جازان النفطية التابعة لأرامكو السعودية.

ورداً على ذلك، قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إن الحكومة المعترف بها دولياً لن تقبل “بهدنة جديدة تعيد إنتاج التجارب السابقة”. وأضاف، وفق وكالة الأنباء اليمنية سبأ: “لن يمر أي عمل من ميليشيا الحوثي دون رد أو محاسبة”. لكنه ترك مجالاً للعودة السياسية، قائلاً إن الحوثيين ما زال بإمكانهم “إلقاء أسلحتهم والانخراط في الحياة السياسية والتنافس عبر صناديق الاقتراع على قدم المساواة مع بقية اليمنيين”.

ما أسباب التوتر الأخير؟

سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء عام 2014، وخاضوا منذ ذلك الحين حرباً مع الحكومة للسيطرة على البلاد. ورغم أن حدة الحرب تراجعت بشكل كبير بعد هدنة 2022، لم تتبعها تسوية سلام شاملة.

وتعرض الوضع الهش لضغوط متزايدة بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في 28 فبراير/شباط. وفي 13 يوليو/تموز، هاجمت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية مطار صنعاء، في خطوة يُقال إنها كانت لمنع طائرة إيرانية تقل وفداً حوثياً من الهبوط. وتتهم الحكومة إيران بتسليح الحوثيين.

يقرأ  إيران تؤكد أهمية مضيق هرمز خلال محادثات مع واشنطن«خطر بمستوى القنبلة الذرية» — تطورات الحرب الأميركية والإسرائيلية ضد إيران

وردت الجماعة المتمردة بإطلاق صواريخ باتجاه السعودية. ثم في 20 يوليو/تموز، أعلن الحوثيون حصاراً بحرياً على السعودية، وهددوا شحنات النفط المتجهة إلى البحر الأحمر، وهاجموا منشآت أرامكو السعودية في جازان وينبع.

هل تغيّر السعودية نهجها؟

مع تصاعد الهجمات، بدأت السعودية تتعامل مع أمنها بشكل أكثر استباقية، سواء في اليمن أو في المنطقة عموماً، وفقاً لخبراء.

يعتقد بعض المحللين أن احتمال قيام الحوثيين في النهاية بإغلاق باب المندب، وهو المضيق الضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ربما يكون دفع السعودية إلى تغيير استراتيجيتها. كانت السعودية بمنأى نسبياً عن إغلاق إيران لمضيق هرمز، لأنها تستطيع استخدام خط أنابيب الشرق-الغرب لنقل النفط من حقول الشرق إلى البحر الأحمر، متجاوزة المضيق. أما إذا قيد الحوثيون الملاحة عبر باب المندب بشدة، فسيشكل ذلك تهديداً لطريق البحر الأحمر بالنسبة لواحد من أكبر مصدري النفط في العالم.

في الشهر الماضي، أعلنت الرياض عن تحالف دولي جديد يهدف إلى حماية الملاحة في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين. وجرى توجيه الدعوة لعشرات الدول، وقالت المملكة إن 13 منها وافقت على المشاركة. كما تعمل على تعميق علاقاتها الأمنية مع باكستان وتركيا عبر اتفاق دفاع مشترك جديد، ويبدو أن التنسيق السعودي مع واشنطن يتعزز أيضاً.

والتقى وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان مؤخراً نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وسط تقارير عن أن ولي العهد محمد بن سلمان حصل على دعم أميركي لاتخاذ إجراء عسكري محتمل ضد الحوثيين.

لكن التحول في الموقف السعودي ربما كان أكثر وضوحاً داخل اليمن، عندما تدخل السعوديون ضد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في نهاية العام الماضي. وقد سمح ذلك للتحالف المناهض للحوثيين، الذي كانت تعتريه انقسامات، بالالتفاف حول الحكومة اليمنية وتشكيل جبهة أكثر توحداً ضد المتمردين.

قال سايمون مابون، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لانكستر في المملكة المتحدة، إن السياسة السعودية حيال هذا الملف تغيرت بشكل كبير. وأضاف للجزيرة: “بعد سنوات من محاولة خفض التصعيد والوصول إلى تفاهم مع الحوثيين، يبدو أن الرياض خلصت إلى أن هذا النهج لم يعد مجدياً”. وأوضح أن قلق السعودية أصبح حاداً بشكل خاص، لأن الصراع حول مضيق هرمز زاد من أهمية طرق النفط والشحن البديلة عبر البحر الأحمر.

يقرأ  موتسيبي رئيس الكاف سيزور السنغال والمغرب وسط تداعيات كأس الأمم الأفريقية

لكن مابون قال إن السعودية والحكومة اليمنية تبدوان الآن مركزتين على إبعاد قوات الحوثيين عن الساحل، وليس على هزيمتهم بالكامل واستعادة صنعاء. وأضاف: “هذا تحول ملحوظ عما كنا نشهده سابقاً”.

هل يمكن أن تنجر باكستان وتركيا إلى الحرب؟

من شأن اتفاق السعودية مع باكستان وتركيا أن يرفع المخاطر المترتبة على أي هجمات حوثية جديدة ضد السعودية. وقال مراسل الجزيرة يوسف موري من صنعاء، إن بعض الخبراء يفسرون الهجمات الأخيرة على أنها تحدٍ مباشر لاتفاق الدفاع الجديد.

تأثرت باكستان مباشرة بالتصعيد الأخير؛ إذ قال وزير الخارجية إسحاق دار إن ثلاثة باكستانيين قُتلوا وأصيب شخص آخر في هجوم حوثي على سفينة في البحر الأحمر. وأضاف: “باكستان تدين بشدة الهجوم الحوثي على سفينة تجارية غير مقاتلة”، مشيراً إلى أن الحكومة على تواصل مع السلطات السعودية واليمنية.

لكن خبراء يقولون إن اتفاق الدفاع لا يعني أن قوات باكستانية أو تركية ستنضم إلى الحرب في اليمن نيابة عن حليفتها. وقال فولفغانغ بوشتاي، المحلل في السياسات الأمنية والدفاعية، للجزيرة إن الاتفاق حتى الآن “مجرد حبر على ورق”.

ما الدور الذي تلعبه إيران؟

لطالما رعت إيران ما يسمى محور المقاومة، وهو شبكة من الحكومات والجماعات المعادية لإسرائيل والولايات المتحدة، تضم حزب الله في لبنان وحماس في غزة وجماعات مسلحة في العراق وسوريا والحوثيين في اليمن.

في نهاية مارس/آذار، أظهر الحوثيون دعمهم لإيران بإطلاق هجمات باتجاه شمال إسرائيل، وهددوا منذ ذلك الحين بتوسيع عملياتهم في البحر الأحمر. وفي الشهر الماضي، طلبت إيران من الحوثيين، وفق تقارير إعلامية، الاستعداد لإغلاق طريق النفط عبر البحر الأحمر إذا هاجمت الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة في إيران. ونقلت رويترز عن مصدر مقرب من الحوثيين قوله إن صواريخ ومسيّرات وُضعت بالقرب من مضيق باب المندب، في مرتفعات يمنية تطل على الحديدة وخليج عدن.

وقال محمد الباشا، المحلل اليمني الأميركي والمتحدث السابق باسم السفارة اليمنية في واشنطن، إن هجمات الحوثيين على السعودية ينبغي أن تُفهم أيضاً في سياق المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. وأضاف: “الحوثيون، بتهديدهم الشحن السعودي هناك، يستطيعون زيادة الضغط على الرياض وواشنطن، وفي الوقت نفسه دعم إيران في مواجهتها الأوسع مع الولايات المتحدة”.

يقرأ  وزير كولومبيا يحذّر: سنردّ عسكرياً على أيّ اعتداء خارجيأخبار دونالد ترامب

هل حرب شاملة أخرى وشيكة؟

يقول محللون إن السؤال الجوهري هو: هل تهدف الهجمات الأخيرة إلى الضغط على الحكومتين السعودية واليمنية، أم أن الحوثيين يعتقدون أنهم ببساطة يبادرون في حرب برية محتملة جديدة؟

ويقول الحوثيون أيضاً إن السعودية تستخدم ميناء المخا لتعزيز القوات الحكومية وإمدادها، ويعتقدون أن الرياض وحلفاءها اليمنيين يستعدون لشن هجوم على المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

وقالت ندوى الدوسري، الزميلة المشاركة في معهد الشرق الأوسط، إن هذه المخاوف ربما تغذي التصعيد الحالي. وأضافت للجزيرة: “منذ يناير/كانون الثاني، أُحرز تقدم ملموس نحو جمع قوات الحكومة اليمنية المختلفة تحت قيادة أكثر توحداً. كما أظهرت القوات الحكومية قدرات جوية متنامية، ونفذت ضربات جوية وبمسيّرات استهدفت قواعد إطلاق الصواريخ والمسيّرات الحوثية ومواقع عسكرية أخرى”. وقالت: “هدف الحوثيين من هذا التصعيد الأخير هو عرقلة هذه الاستعدادات قبل أن تكون القوات الحكومية جاهزة، وتقويض قدراتها، وإجبارها على الدفاع”. وأوضحت أن الحوثيين يحاولون في النهاية تحديد قواعد أي مواجهة مقبلة، بحيث إذا حدث التصعيد، يكون وفق شروطهم.

وقال مابون إنه رغم أن هجوماً برياً بقيادة السعودية ليس حتمياً، فإن الحوثيين أظهروا على مدى العقد الماضي أنهم لا يمكن هزيمتهم بالقوة الجوية وحدها. وأضاف: “التضاريس الجبلية في اليمن تجعل الحملة البرية صعبة للغاية، بينما لا تملك الرياض أي رغبة في أن تعلق مجدداً في حرب طويلة”. وأوضح أن هجوماً مدعوماً من السعودية تقوده القوات الحكومية اليمنية ما زال أكثر واقعية من نشر قوات برية سعودية كبيرة.

إن وقوع قتال بري واسع بين الطرفين سيعني حتماً أن المدنيين سيكونون الأكثر تضرراً. وقال مابون: “وسط كل هذا، تكمن المأساة في أن الناس في اليمن يدفعون الثمن. قبل وقت ليس ببعيد، كان اليمن يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية. الناس يعانون، واستمرار القتال سيجعل الأمور أسوأ بكثير”.

أضف تعليق