وقّع ممثلون عن التيارات السياسية المتصارعة في ليبيا اتفاقاً مهماً في طرابلس، يُرسم خارطة طريق قد تفضي إلى انتخابات رئاسية وتشريعية خلال 24 شهراً. هذا الاتفاق، الذي تبنّته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (يونسميل)، يُعرف باتفاق «لجنة 4+4»، ويحاول حل نزاعات قانونية ومؤسسية متكررة تعطل البلاد منذ 2011.
غير أن البلاد، التي تعاني انعدام الثقة بين أطرافها، وتغيّر التحالفات، ووجود فصائل مسلحة راسخة، لا يزال الطريق فيها من توقيع وثيقة إلى قيام حكومة موحدة مليئاً بالعقبات.
عقود من الانقسام
تعيش ليبيا حالة شبه دائمة من الاضطراب منذ انتفاضة 2011 التي أطاحت بحكم معمر القذافي وقتلته. في البداية بدت البلاد واعدة سياسياً، لكن الانقسامات ظهرت تدريجياً في صفوف معسكر الثوار، لا سيما بين فصائل تسيطر على الشرق وأخرى تسيطر على الغرب.
في أغسطس/آب 2012، سلّم المجلس الانتقالي الوطني السلطة رسمياً إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب، في ما يبقى أول عملية تسليم سلطة سلمية ووحيدة بعد انتخابات وطنية في ليبيا. لكن ذلك الزخم الديمقراطي الهش سرعان ما تحول إلى صراع مسلح. ففي مايو/أيار 2014، سيطر القائد العسكري المنشق خليفة حفتر على بنغازي، وما زال يسيطر على شرق ليبيا حتى اليوم.
بعد انتخابات مثيرة للانقسام في تلك السنة، شكل عدد من النواب الجدد مجلس النواب وانتقلوا إلى مدينة طبرق شرق البلاد تحت الحماية العسكرية لحفتر. وتحول الانقسام السياسي إلى حرب مفتوحة في أبريل/نيسان 2019، عندما شنّ حفتر هجوماً فاشلاً استمر 14 شهراً للسيطرة على طرابلس، حيث كانت تتخذ حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً مقراً لها. وبحلول يونيو/حزيران 2020، استقرت خطوط الجبهة قرب مدينة سرت الاستراتيجية، ما أدى إلى اتفاق وقف إطلاق نار رسمي في ذلك العام، جمّد العمليات العسكرية لكنه أبقى الانقسام السياسي قائماً.
خصوم وحكّام
هكذا صار في ليبيا سلطتان مختلفتان تعملان على أراضيها.
في طرابلس، توجد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، ويرأسها رئيس الوزراء المؤقت عبد الحميد الدبيبة. وتشمل هذه السلطة الغربية المجلس الأعلى للدولة، وهو هيئة استشارية يقودها حالياً محمد تكالة، والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي.
أما في طبرق وبنغازي، فتتركز السلطة السياسية في مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح، الذي يدعم إدارة موازية في الشرق. لكن السيطرة الأساسية على الشرق والجنوب تعود إلى ما يُسمى الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر.
وفي السنوات الأخيرة، برز نجل خليفة حفتر، صدام حفتر، نائب قائد الجيش الوطني الليبي، بصفته الشخصية الأبرز في منظومة الشرق؛ فهو قائد عسكري بارز، ومفاوض سياسي محوري، ويبدو وريثاً واضحاً للسلطة.
الاستفادة من الفوضى
رغم وقف إطلاق النار، ظل التوحيد السياسي بعيد المنال بسبب فشل المبادرات الدولية وتنافس اقتصادي منهجي. وأنشأ اتفاق الصخيرات الذي ترعاه الأمم المتحدة في 2015 حكومة الوفاق الوطني، لكنه أبقى أيضاً هيئتين تشريعيتين متنافستين، ما يعني استمرار الازدواجية المؤسسية وبقاء البلاد منقسمة بين سلطتين.
لاحقاً، عيّن مسار سياسي أممي الدبيبة لقيادة حكومة مؤقتة في 2021، شرط إجراء انتخابات وطنية في نهاية العام. وفي إطار التفاهم، تعهّد الدبيبة ألا يترشح، لكن الانتخابات انهارت قبل يومين من الموعد المحدد بعدما تراجع عن تعهده.
دفع دبلوماسي عالمي
هناك عامل آخر في هذا الاتفاق الجديد يتمثل في إشراك القوى الكبرى. ففي عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كثفت واشنطن جهودها للتوصل إلى اتفاق توحيدي، بقيادة مستشار البيت الأبيض مسعد بولس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وقد طرح بولس مبادرة تقدم فيها استثمارات طاقة أميركية في حقول النفط الليبية مقابل تشكيل سلطة تنفيذية موحدة. وذهبت واشنطن إلى اقتراح ترتيب لتقاسم السلطة يتيح بقاء الدبيبة رئيساً للوزراء على أن يكون صدام حفتر رئيساً للبلاد.
هذا التحرك الدبلوماسي يتزامن مع جولة خارجية واسعة لصدام حفتر، أجرى خلالها لقاءات رفيعة المستوى في عواصم إقليمية وغربية. فقد عقد محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، واتصالات مباشرة مع قادة عرب، كما التقى ماركو روبيو في واشنطن لبحث توحيد المؤسسات. وعلاوة على ذلك، تغيرت الديناميكيات الإقليمية؛ إذ وسّعت تركيا تعاونها العسكري والفني مع صدام حفتر وسلطات الشرق. كما أن تدريبات عسكرية مشتركة بين قوات من الشرق والغرب في سرت بإشراف أميركي تعكس هذا المشهد المتغير.
اختراق تاريخي؟
يرى محللون أن اتفاق «4+4» الموقّع حديثاً يمثل محاولة مدروسة لموازنة القوى بين الشرق والغرب. ويتجلى ذلك في تشكيلة اللجنة الثمانية: عضوان من مجلس النواب، وعضوان من المجلس الأعلى للدولة، وعضوان من حكومة الدبيبة، وعضوان من القيادة الشرقية التابعة لحفتر. ويلزم الاتفاق بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال 24 شهراً تحت سلطة تنفيذية موحدة.
كما يبدو موجهاً نحو حل النزاعات القانونية الأساسية التي أجهضت انتخابات 2021، إذ يسمح لذوي الجنسيات المزدوجة بالترشح للرئاسة، بشرط أن يتخلى الفائز عن جنسيته الأجنبية قبل أداء اليمين الدستورية. كذلك يسمح للعسكريين بالترشح إذا تركوا مناصبهم الرسمية. ويبدو هذان التعديلان القانونيان مصممين لتمهيد الطريق أمام صدام أو خليفة حفتر، اللذين يُعتقد أنهما يحملان الجنسية الأميركية ويقودان في الجيش الوطني الليبي، لتولي مناصب رسمية. كما يعيد الاتفاق هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بقيادة جديدة، وينص على عقد جلسات رسمية متناوبة في طرابلس غرباً وبنغازي شرقاً وسبها جنوباً.
المحلل وسام عبد الكبير يرى أن المشاركة المباشرة للفصائل المسلحة هي ما يميز هذا الاتفاق عن سابقيه. وقال للجزيرة: «أعتقد أن ما يجعله مختلفاً هو أنه ولأول مرة يُوقَّع الاتفاق بين الأطراف الفاعلة. ففي الاتفاقات السابقة، سواء في جنيف 2021 أو الصخيرات 2015، تم التوصل إلى اتفاق بين مجلسين أو هيئات منتخبة تآكلت شرعيتها بمرور الوقت. لذلك الفرق هو أن هذا الاتفاق أقره ووقعه الأطراف الفاعلة على الأرض، وهذه نقطة جوهرية».
رغم ذلك، ينظر كثيرون في ليبيا إلى اتفاق «4+4» بوصفه أحدث مبادرة فاشلة من سلسلة مبادرات سلام. فقد قاطع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مراسم التوقيع، فيما انتقد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي علناً شفافية الإجراءات والتدخل الأجنبي في الترتيبات.
أما المحلل السياسي محمد محفوظ فقال إن هذا الترتيب يبدو مجرد محاولة من قوى خارجية لتثبيت نفوذ صدام حفتر والدبيبة. وأضاف للجزيرة: «الأمر يتجاوز كونه مقصوراً على شروط الترشح. الإطار الأهم يتمثل في أننا أمام سيناريو متكرر جرّبناه في 2015 باتفاق الصخيرات في المغرب، وبعد ذلك في تونس وجنيف في 2021. حينها كان يُقال دائماً إن هذه الاتفاقات السياسية تتم بين أطراف فاعلة، لكن الليبيين لم يذهبوا إلى انتخابات».
وعلى الرغم من الوعد بإجراء انتخابات جديدة، لا يبدو أن القادة الحاليين في ليبيا مستعدون للتخلي عن السلطة إذا خسروا في صناديق الاقتراع. وقال محفوظ: «هل يمكن تصديق فرضية أن أطرافاً تملك السلطة والمال، وتملك اليوم شرعية جديدة بموجب هذا الاتفاق وسلطة أوسع، ستقبل ببساطة أن تُبعد عن السلطة بعد عامين وتقودنا نحو انتخابات؟ هناك قناعة راسخة لدى الجميع أن من يصل إلى السلطة في ليبيا لا يمكن أن يزيحه عنها قيد أنملة إلا البندقية، للأسف».