قادة أوروبيون يعملون على توضيح بند نادر الاستخدام في معاهدة الاتحاد الأوروبي يتعلّق بالدفاع المتبادل، وسط تزايد الشكوك بشأن التزام واشنطن طويل الأمد بحلف شمال الأطلسي (الناتو) في سياق تراجع العلاقات مع الولايات المتحدة.
خلفية ومثار القلق
تأسس الناتو عام 1949 كتحالف عسكري يشمل دولاً من أمريكا الشمالية وأوروبا على مبدأ أن الاعتداء على عضو واحد يُعتبر اعتداءً على الجميع. بيد أن سنوات من التوتر بين واشنطن وإداراتها السابقة وحلفائها الأوروبيين دفعت حكومات أوروبية إلى إيلاء مزيد من الأهمية لقدراتها الدفاعية الذاتية.
أثار سياسة دونالد ترامب خلافات متكررة؛ فقد انتقد دولاً أعضاء في الناتو على خلفية إنفاقها الدفاعي، وطعن في قيمة الحلف، وتصادم مع قادة أوروبيين بشأن أوكرانيا وإيران، وذهب إلى حد تهديد الدنمارك باستحواذ محتمل على جرينلاند. تصاعدت حدة التوتر بعد بدء عمليات عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، حين اتهم ترامب حلفاءه بعدم دعم واشنطن وصرّح أن الحلف «نمر من ورق».
تقارير إعلامية أشارت أيضاً إلى أن البنتاغون أعدّ مذكرة تدرس خيارات عقابية ضد حلفاء اعتُبروا غير موالين بما يكفي خلال النزاع مع إيران؛ شملت الاقتراحات احتمال تعليق عضوية إسبانيا في الناتو — إذ كانت مدريد من أشد المنتقدين للحرب — وإعادة النظر في موقف واشنطن من مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند. لا يملك الناتو آلية رسمية لطرد عضو، لكن هذه الحوادث أعادت طرح تساؤلات جدية عن تماسك الحلف واحتمال اعتماد أوروبا على نفسها أمنياً في غياب الضمانات الأميركية.
ما المادة 42.7؟
المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي هي بند الدفاع المتبادل داخل الاتحاد. تنص على أنه إذا تعرّضت دولة عضو لعدوان مسلح على أراضيها، فإن الدول الأعضاء الأخرى ملزمة بتقديم المساعدة والنصرة بكل الوسائل المتاحة، بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة.
مقارنة مع المادة 5 في معاهدة الناتو، فإن الأخيرة تعتبر أي اعتداء على عضو اعتداءً على الجميع وتدعمها خطط مشتركة وتمارين وتنسيق تخطيطي مدعم بالثقل العسكري الأميركي. أما بند الاتحاد الأوروبي فهو، عملياً، التزام سياسي مهم لكنه لا يستند إلى هيكل قيادة عسكري متكامل أو خطط دفاعية دائمة أو قوة دائمة جاهزة للتدخل تلقائياً، ولا تلزم الولايات المتحدة بالتدخل نيابة عن الاتحاد.
مَن يدعو إلى تفعيل المادة؟
قبرص، العضو في الاتحاد ولكن غير المنضوية في الناتو، أبدت حماسة خاصة لتقوية هذا البند بعدما ضربت طائرة مسيّرة قاعدة جوية بريطانية في الجزيرة خلال الأزمة مع إيران. مثل هذا الحادث قد لا يرقى بالضرورة إلى مستوى تفعيل المادة 5 في الناتو، لكنه أثار نقاشاً حول مدى ملاءمة المادة 42.7 في ظل احتدام الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا.
قال رئيس قبرص، نيكوس خريستودوليدس، إن القادة اتفقوا على ضرورة تحديد كيفية عمل البند عملياً إذا ما استُدعي. وأضاف: «اتفقنا الليلة الماضية أن على المفوضية إعداد نموذج لاستجابتنا في حال استُدعي البند». كما شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن المادة يجب أن تُعامل كالتزام ملزم لا كرمز شكلي: «فيما يخص المادة 42 الفقرة 7، ليست كلمات فحسب. بالنسبة إلينا الأمر واضح ولا يحتمل التأويل أو الغموض».
المجلس الأوروبي، وعلى لسان رئيسه أنطونيو كوستا، أشار إلى أن الاتحاد يعد «دليلاً إرشادياً» لكيفية استعمال البند، فيما قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كايا كالاس إن أوروبا مضطرة إلى تشديد جهودها الدفاعية بعد أن هزّت سياسات ترامب العلاقة عبر الأطلسي «حتى أساسها». وأضافت أن أوروبا تريد شراكة قوية مع الولايات المتحدة، لكن عليها التكيّف مع واقع جديد يجعلها أقل ارتكازاً على واشنطن.
سجل الاستعمال السابق
استُخدمت المادة مرة واحدة فقط، عندما استندت فرنسا إليها بعد هجمات باريس 2015 التي تبنّتها «داعش»، وأسفرت عن سقوط نحو 130 قتيلاً ومئات الجرحى. حينها شاركت الدول الأوروبية معلومات استخباراتية ودعماً لدعم السلطات الفرنسية في تفكيك شبكة المتآمرين.
أما المادة 5 في الناتو فقد استُدعت أيضاً مرة وحيدة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وقدّم الحلف دعماً يتجاوز تبادل المعلومات فأسهم حلفاء في تعبئة عشرات الآلاف من الجنود في إطار العمليات التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان لسنوات امتدت لعقود مع حصيلة بشرية مدنية وعسكرية كبيرة.
هل يمكن طرد أو انسحاب دولة من الناتو؟
النقاش الأوروبي الجاري عن الدفاع يتزامن مع سلسلة خلافات داخل حلف الناتو. تقارير عن خيار واشنطن فرض عقوبات أو إجراءات ضد حلفاء أعادت التساؤل عن مدى تماسك الحلف مستقبلاً. وخبراء قانونيين وسياسيين يرون أن لا آلية قانونية واضحة لطرد عضو من الناتو؛ يمكن للدولة الانسحاب بموجب إجراءات دستورية وسياسية داخلية لكنها لا يمكن طردها من قبل الحلف نفسه. مع ذلك، ثمة آلية تتيح لأي عضو أن ينسحب من المنظمة، كما أوضح.
وأضاف أن بعض الدول طالما أخفقت في الوفاء بالتزاماتها تجاه الناتو، إلا أن ذلك لا يشكل مبرّراً لطردها. والسيناريو الأرجح، بحسبه، هو أن تقرر الولاات المتحدة الانسحاب.
كارن روس، الدبلوماسي البريطاني السابق ومؤسس مجموعة Independent Diplomat الاستشارية غير الربحية، يرى أن القضية الأعمق تكمن في ما إذا كانت أوروبا وواشنطن لا تزالان تشتركان في قيم مشتركة أم لا.
«من الواضح تماماً أننا لا نتقاسمها. ترامب معادٍ للديمقراطية؛ حاول تقويض النظام الديمقراطي، وطعن في نتيجة انتخابات 2020، وحرض جماعة عنيفة لمهاجمة مبنى الكابيتول»، قال روس. «أي دليل إضافي نحتاجه ليؤكد أن قيم أوروبا ليست مشتركة في واشنطن؟»
هل تستعد أوروبا لمستقبل بدون الولايات المتحدة؟
تعهدت دول أوروبية بزيادة كبيرة في موازنات الدفاع، مع سعي العديد منها إلى تخصيص نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً لصالح قواتها المسلحة. ولا يستطيع ترامب سحب الولايات المتحدة من حلف الناتو من دون موافقة الكونغرس، لكن تزايد الشكوك بشأن التزام واشنطن قد هزّ العديد من العواصم الأوروبية.
أدى ذلك إلى تسريع العمل على تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وبناء ركيزة أوروبية أكثر مصداقية داخل الحلف أو إلى جانبه. ويشدّد روس على أن القوى الأوروبية الكبرى يجب أن تبدأ التخطيط بجدية نحو مزيد من الاكتفاء الذاتي.
«الأوروبيون أنفسهم، وبخاصة الدول الأقدر — بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا — بحاجة لأن يناقشوا كيف سيدافعون عن أنفسهم من دون الاعتماد على الولايات المتحدة.»