مستجدات اتفاق السلام المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران
أعلن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب أن المرحلة الأولى من مذكرة تفاهم مع طهران ستُوقّع يوم الأحد، بعد أكثر من مئة يوم من الحرب التي أشعلت أزمة عالمية في سوق الطاقة وظلّلت التوقعات الاقتصادية الدولية بسحابة من عدم اليقين. من جهتها، نأت طهران بنفسها عن هذا الجدول الزمني واعتبرت أن التوقيع قد يحصل «في الأيام المقبلة»، دون تحديد يوم بعينه.
مضمون الاتفاق المؤقت
• الوثيقة الأولية التي يجري تداولها – مذكرة تفاهم – تهدف أساساً إلى تمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة ستين يوماً أخرى، وفق ما نقلته تقارير إعلامية.
• تُشير التسريبات الإيرانية إلى أن الاتفاق يطال جبهات متعددة بينها لبنان، ويشمل بنداً لوقف الأعمال العدائية وعدم بَدْء الحرب أو استخدام القوة.
• من البنود الأخرى المطروحة إفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة فور توقيع المذكرة، بينما يُؤجّل ملف النووي إلى مرحلة لاحقة يُتفاوض فيها حول آليات التعامل مع اليورانيوم المخصب داخل البلد.
مواقف الطرفين والسير نحو التوقيع
ترامب تراجع عن تهديداته بضرب منشأة خارك النفطية — التي تُعالج نحو 90% من صادرات إيران النفطية — قائلاً إن الاتفاق مع طهران بات وشيكاً وقد يُوقّع خلال عطلة نهاية الأسبوع، وحتى أن تغريداته وصياغاته المتعالية استخدمت حروفاً كبيرة لوصف مضمون الاتفاق بأنه «حائط يمنع سلاحاً نووياً»، مع تعابير استفزازية عن «الغبار النووي» والتهديد بتدميره. في المقابل، حمّل مسؤولون أميركيون إيران تسريبات وصفوها بأنها لا تعكس الاتفاق المكتوب.
من الجانب الإيراني، وصف نائب وزير الخارجية عباس عراقجي النص بأنه «لم يبتعد أبداً عن حالة القرب» من الاتفاق، ونشرت وسائل الإعلام الحكومية تفاصيل موسعة لما قالت إنه مسوّدة الاتفاق. أما المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بغائي، فأكد أن المذكرة لن تُوقّع يوم الأحد لكنه لم يستبعد حدوثها «في الأيام المقبلة»، محذراً في الوقت عينه من عدم اليقين الناجم عن تقلبات الطرف المقابل.
دور الوساطة الباكستانية ومسار التوقيع
النص الذي يُشار إليه أحياناً باسم «مذكرة إسلام أباد»، جرته جهود وساطة باكستانية، ويبدو أن الوسيط الباكستاني يسعى إلى توقيع إلكتروني سريع، فيما كانت تقارير سابقة تتحدث عن تحضيرات لحفل توقيع مادي في سويسرا. رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف غرّد بأن إنهاء بنود الاتفاق متوقع خلال 24 ساعة، وأن التوقيع الإلكتروني سيلي ذلك فوراً، يليها لقاءات فنية على مستوى الخبراء.
غموض في الشكل والمضمون
مراسل الجزيرة في طهران، محمد فال، لفت إلى أن التصريحات المتبادلة تُبقي على مستوى عالٍ من الغموض، ليس فقط فيما يتعلق بموعد التوقيع وإنما أيضاً بشأن التفاصيل الجوهرية للاتفاق: هل سيكون التوقيع إلكترونياً أم حضورياً؟ وما مدى تطابق ما يُنشر في الإعلام مع النص النهائي؟
خلاصة ما نعرفه حتى الآن
الاتفاق المبدئي يهدف إلى تهدئة فورية عبر تمديد وقف النار وإطلاق أمور إجرائية لإعادة فتح مضيق هرمز والتخفيف من آثار الصراع على التجارة والطاقة، بينما تظل القضايا الحساسة—خاصة الملف النووي—مؤجلة لمرحلة لاحقة تُفصّل الضمانات والشروط المتعلقة بكمّيات اليورانيوم المخصب وآليات الرقابة. ومع استمرار التباينات في الروايات الزمنية والتفصيلية بين واشنطن وطهران، يبقى توقيت ومضمون التوقيع عرضة للتغيير.
ملاحظة أخيرة: تجدر المتابعة الدؤوبة للأخبار الرسمية لتحديد ما إذا كان التوقيع سيتم فعلاً خلال الأيام القادمة أم أن الإعلان سيؤجل مجدداً. أوضح أن المرحلة الثانية من المفاوضات ستتجه أيضاً إلى التركيز على رفع العقوبات الأمريكية. وبحسب فال، فكلا الطرفين يميلان إلى خلط ما ورد في مدكرة التفاهم بالأهداف النهائية، على الأرجح لأن كل طرف يحاول تسويق الاتفاق أمام الرأي العام وربما أمام أطراف دولية أخرى.
«الرئيس ترامب يتحدث عن الملف النووي إلى جانب مذكرة التفاهم، رغم أننا أُبلغنا أن هذا الموضوع سيُعالج خلال مدة التفاوض التي تمتد ستين يوماً»، قال. وأضاف: «الإيرانيون يتناولون أيضاً مسألة فرض رسوم على المرور في مضيق هرمز ورفع تجميد الأصول، وما شابه ذلك». باختصار، الآن بات واضحاً أن مذكرة التفاهم تمثل الخطوة الأولى فقط، وأن نقاط الخلاف الجوهرية ستُبحث خلال الستين يوماً التي تلي التوقيع.
ما هي بعض نقاط الخلاف في الاتفاق؟
برنامج ايران النووي
بعد عقود من التوتر، لا يزال برنامج طهران النووي محور الخلاف الأساسي بين الولايات المتحدة وإيران. أصرت واشنطن على أن إيران لا يجب أن تمتلك أو تشتري أو تطور أسلحة نووية، ولا حتى تحتفظ بالقدرة التشغيلية التي تمكنها من تصنيعها. من جهتها، تؤكد إيران أن برنامجها لأغراض مدنية ومسموح بها وفقاً للاتفاقيات الدولية، لكنها قد تكون مستعدة للتفاوض حول قيود على نشاطاتها النووية إذا رُفعت العقوبات.
قال تيم كونستانتين، كاتب في صحيفة واشنطن تايمز، إن ترامب سيعتبر أي اتفاق يمنع إيران من حيازة سلاح نووي إنجازاً. وأضاف في حديثه إلى الجزيرة أن تجنّب حرب أوسع وإعادة فتح مضيق هرمز وتهدئة الأسواق ستكون «نتائج جانبية جيدة»، لكن أولوية ترامب الأولى هي منع إيران من الحصول على سلاح نووي. «وإذا استطاع أن يحدد ذلك بشكل قاطع وقابل للقياس والتنفيذ، فسيعلن النصر، وأظن أن الجمهور الأمريكي سيفهم ذلك ويقبله».
العقوبات
تُعد إيران أكثر دول العالم تقييداً بعقوبات اقتصادية. عقود من العقوبات الأميركية أضعفت اقتصادها ونظامها المصرفي وصدرتها النفطية. وقد أكدت طهران على ضرورة إنهاء نظام العقوبات كشرط لأي اتفاق، فيما أبدت واشنطن استعداداً لرفعها بشكل مرحلي ورو مشروط، لكن الخلافات حول آلية التنفيذ لا تزال قائمة.
الأصول الإيرانية المجمدة
مصير مليارات الدولارات من أموال إيران المجمدة في الخارج يشكل نقطة خلاف كبيرة أخرى. تطالب طهران بالوصول إلى هذه الأموال كجزء من أي تسوية، معتبرة أن الأموال ملك لإيران وضرورية لإعادة الإعمار الاقتصادي، لا سيما بعد الأضرار التي سببتها الضربات الجوية الأميركية-الإسرائيلية. من جانبها، تحفّظ المفاوضون الأمريكيون عن الموافقة على تحرير واسع النطاق للأموال دون تنازلات جوهرية في الملف النووي.
تمديد وقف النار إلى لبنان
يُعتبر قصف واحتلال إسرائيل لما يقرب من خمس مساحة لبنان نقطة خلاف رئيسية في تفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، وطهران تدفع باتجاه وقف إقليمي أوسع يشمل وقف الضربات على حلفائها مثل حزب الله في لبنان. حتى الآن، لم ينجح وقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان في إيقاف القصف أو التقدم البري في جنوب لبنان ليوم واحد. وخلال الأسبوع الماضي صعّدت إيران رهانها عبر إطلاق صواريخ على إسرائيل بعد قصف متكرر لأحياء جنوب بيروت التي تؤوي مؤيدي حزب الله.
مضيق هرمز
أغلقت إيران الممر الاستراتيجي الذي يعد طريق الخليج الوحيد إلى المحيط المفتوح؛ فقد كانت نسبة شحنات النفط والغاز المسال العالمية التي تمر عبر المضيق قبل الحرب تقارب 20%. أحياناً سمحت طهران لسفن دول تعتبرها «صديقة» بالعبور، لكنها أكدت هذا الأسبوع أن المضيق مغلق عقب ضربات أمريكية جديدة. ترى إيران أن مضيق هرمز هو أهم ورقة ضغط لديها في المفاوضات مع الولايات المتحدة ولن تتخلى عن سيطرتها عليه، فيما فرضت واشنطن حصاراً بحرياً مماثلاً على الموانئ الإيرانية لمحاولة زيادة الضغط على طهران.
صباح الخميس، ظل ترامب مصرّاً على أن الولايات المتحدة تسيطر على المضيق، رغم قبضة الحرس الثوري الإيراني التي أعاقت حركة الملاحة، ثم قال السبت إن المضيق سيكون «مفتوحاً للجميع» من دون أن يوضح إن كانت الولايات المتحدة ستنهي حصارها البحري للموانئ الإيرانية. وتُصر طهران على أن المضيق لا يعد مياهاً دولية بحتة بل يمر ضمن المياه الإقليمية لإيران وعُمان، لذا تدرس فرض رسوم على السفن العابرة بصيغ مثل تقديم تغطية تأمينية أو خدمات شحن أخرى.
كيف تفاعل العالم مع اتفاق الولايات المتحدة وإيران؟
الولايات المتحدة
لم تُسجل ردود فعل واسعة بين أعضاء حزب ترامب الجمهوري مع تزايد التوقعات باتفاق وشيك مع إيران، إلا أن بعض المشرعين واصلوا انتقاد طهران قائلين إنه لا ينبغي السماح لها بحيازة سلاح نووي. وصف السيناتور الجمهوري رون جونسون في فيديو نُشر عبر قناة «إيران إنترناشيونال» التي تتخذ من لندن مقراً لها، أن إيران المجهزة نووياً ستمثل «تهديداً وجودياً» للولايات المتحدة.
أبدى مشرعون ديموقراطيون أيضاً تشككهم إزاء صفقة ترامب المرتقبة مع إيران. قال آدم شيف، السيناتور عن كاليفورنيا، على منصة X: «الرئيس يقول إن الحرب انتهت. آمل أن يكون محقاً، لكننا سمعنا هذا من قبل، إلى جانب سلسلة من الوعود المكسورة». وأشار إلى أن ترامب فتح حروباً جديدة دون أن يخفض التكاليف الاقتصادية أو البشرية. وقال إن ذلك ألحق أذىً بالغاً بالشعب الأمريكي.
وفي المقابل، وصف النائب الديمقراطي سيث مولتون الاتفاق المحتمل بأنه «وثيقة استسلام في جوهرها».
المملكة المتحدة
رحّب رئيس الوزرا كير ستارمر بجهود ترامب لإنهاء الحرب خلال اتصال هاتفي جرى يوم السبت. وأكد في بيان دعمه لمساعي الرئيس ترامب لوقف النزاع مع إيران، مرحِّباً بالتقدّم المحرز ومشدّداً على أهمية أن يضمن أيّ اتفاق إحقاق سلام دائم ومستدام.
يتصاعد الدخان في جنوب لبنان إثر غارة إسرائيلية، كما بدا من النبطية.
إسرائل
أثارت أنباء تسرّب اتفاق وشيك بين إيران والولايات المتحدة ردود فعل سريعة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، حيث أعرب بعض المراسلين والكتاب عن استيائهم من اتفاق قد يمنح طهران مزيداً من النفوذ.
كتب بن كاسبيت في معاريف أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ربح معارك محورية لكنه خسر الصراع الأوسع مع إيران. وقال إن «الحدث الوحيد الذي يطغى على الانتصارات العسكرية التي حققناها خلال السنوات الأخيرة ضد حماس وحزب الله وإيران هو الهزيمة السياسية التي منيّا بها بعدها مباشرة».
وفي صحيفة هآرتس، رأى زفي بارئيل أن إيران حضرت إلى طاولة المفاوضات وهي في موقع قوة، حاملة معها روافع ضغط استراتيجية أثّرت في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، ما أجبر الولايات المتحدة على الارتجال بدلاً من اتباع استراتيجية شمولية متماسكة. وأضاف أن إيران انتقلت من مجرد السعي للبقاء إلى إعادة تأكيد مكانتها كقوة إقليمية.
من رام الله في الضفة الغربية المحتلة، قالت المراسلة في الجزيرة ندى إبراهيم إن الإسرائيليين لا يستطيعون إحباط سير هذه المحادثات حول صفقة محتملة بين طهران وواشنطن، لكنهم يصرّون على فصل الجبهتين — جبهة إيران وجبهة لبنان. وأوضحت: «إذا قرأت بين السطور في تحليلات بعض المحللين العسكريين، يبدو أن هناك خشية من أن تضطر إسرائيل لتقديم تنازلات فيما يتعلق بهجماتها على لبنان كجزء من ذلك الاتفاق».
وأضافت أن الجيش الإسرائيلي استهدف الليلة الماضية نحو 70 هدفاً داخل لبنان، ما رفع الإجمالي إلى حوالي 400 خلال الأسبوع الفائت، فالنظرة السائدة هي أنهم يحاولون استنزاف ما يمكنهم استنزافه قبل أن يفقدوا القدرة على ذلك. ومن المتوقع أن يعقد مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي اجتماعاً ليلة الأحد لمناقشة التداعيات وتفاصيل توقيع مذكرة التفاهم.
وختمت بالقول إن الحكومة ستواجه أسئلة صعبة للغاية، لا سيما فيما يتعلق بالحرب مع إيران.