هيشيليما يبدأ ولاية ثانية في زامبيا وسط جدل حول الانتخابات واعتقالات

لوساكا، زامبيا – بدأ الرئيس هاكيندي هيشيليما ولاية ثانية وأخيرة، متعهداً بأن يشعر المواطنون العاديون بثمار التعافي الاقتصادي الذي يقول إنه وضع البلاد على أرضية أكثر استقراراً.

لكن حفل تنصيبه يوم الثلاثاء جاء في ظل أجواء سياسية مضطربة؛ إذ أبدى مراقبون للانتخابات قلقهم من طريقة إجراء التصويت وفرز الأصوات في انتخابات 13 أغسطس/آب، بينما اعتقلت السلطات عدداً من المعارضين، بينهم منافس هيشيليما الرئيسي، ووجّهت إليهم تهم الخيانة.

وقد حصل هيشيليما على نحو 60% من الأصوات بحسب النتائج الرسمية، مقابل نحو 38% لمنافسه برايان موندوبيلي، الذي رفض النتيجة وادعى وجود مخالفات.

وقالت بعثة مراقبة الانتخابات التابعة للاتحاد الأوروبي إن الناخبين أتيحت لهم خيارات تنافسية، لكن الانتخابات جرت في ميدان غير متكافئ. وأضافت أن شفافية عملية فرز الأصوات تراجعت بشكل ملحوظ بعد التوقف المؤقت الذي طرأ على إعلان النتائج.

هذه الملاحظات لا تعني أن هيشيليما خسر الانتخابات، لكنها ألقت بظلالها على بداية ولايته الثانية، وهو الذي وصل إلى السلطة عام 2021 متعهداً بتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون والمؤسسات الحكومية.

من التعافي الاقتصادي إلى قلق سياسي

يملك هيشيليما إنجازات اقتصادية ملموسة يمكن أن يشير إليها. فعندما تولى منصبه، كانت زامبيا تخرج من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث. فقد تخلفت الدولة الواقعة في الجنوب الأفريقي عن سداد ديونها السيادية عام 2020، لتصبح أول دولة أفريقية تفعل ذلك خلال جائحة كوفيد-19.

ومنذ ذلك الحين، أشرفت حكومته على إعادة هيكلة كبيرة للديون، وعملت مع صندوق النقد الدولي في إطار برنامج للإصلاحات الاقتصادية. وساعدت هذه الجهود في استعادة ثقة المستثمرين وجذب استثمارات جديدة، خاصة في قطاع التعدين.

وهذا الأمر لا يهم زامبيا وحدها؛ فالبلاد من أبرز منتجي النحاس في أفريقيا، وثروتها المعدنية جعلتها ذات أهمية متزايدة للدول التي تسعى إلى تأمين إمدادات النحاس والمعادن الحيوية الأخرى اللازمة لانتقال الطاقة عالمياً.

يقرأ  أكثر الاكتشافات الأثرية تأثيرًا في عام 2025

لكن تحسّن الصورة الاقتصادية لم ينعكس بالضرورة على حياة المواطنين. فأسعار الغذاء والطاقة المرتفعة ما زالت مصدر إحباط، كما أن إزالة دعم الوقود زادت الضغط على ميزانيات الأسر.

وجعل موندوبيلي تكلفة المعيشة محوراً أساسياً في حملته الانتخابية، مؤكداً أن المكاسب الاقتصادية التي حققها هيشيليما لم تصل إلى عدد كافٍ من الزامبيين.

واعترف هيشيليما بهذه الإحباطات خلال حفل تنصيبه، وقال أمام آلاف الحاضرين في لوساكا: "نعرف أن كثيراً من أسرنا تواجه صعوبات مع تكلفة المعيشة، وأن فوائد استقرار البلاد لم تُشعر بها بعد على جميع المستويات". وأضاف: "النمو الاقتصادي يجب أن يعني شيئاً على مائدة الطعام لجميع شعبنا".

ماذا حدث بعد الانتخابات؟

جرى التصويت في مراكز الاقتراع في هدوء نسبي، لكن التوتر ارتفع أثناء عدّ الأصوات. فقد أوقفت المفوضية الانتخابية في زامبيا مؤقتاً عملية فرز النتائج وإعلانها يوم 14 أغسطس/آب، بعد اندلاع أعمال عنف في بعض مراكز الفرز ومزاعم بسرقة مواد انتخابية.

وأفادت بعثة الاتحاد الأوروبي لاحقاً بوجود مشكلات في عدد من مراكز الفرز، من بينها توقفات طويلة وحالات بدا فيها موظفو الانتخابات بانتظار تعليمات قبل إعلان النتائج. كما أشارت إلى وجود عسكري كثيف، رأى مراقبون أنه كان له أثر مخيف.

وفي النهاية أُعلنت النتيجة لصالح هيشيليما، لكن موندوبيلي سعى إلى الطعن فيها أمام المحاكم. وفي 24 أغسطس/آب، أُغلقت المحاكم العليا في زامبيا وقُيّد الوصول إلى مبانيها، وجاء هذا الإغلاق مع اقتراب المهلة النهائية لتقديم طعون انتخابية رئاسية.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن هذه الخطوة منعت فعلياً من يريد الطعن في النتيجة من الوصول إلى القضاء، بينما بررت السلطات الإغلاق بدواعٍ أمنية. ثم أخذ الخلاف منحى أكثر خطورة، إذ أوقف موندوبيلي ومرشحه لمنصب نائب الرئيس ماكبي زولو ووجّهت إليهما تهمة الخيانة. ولم تكشف السلطات عن أدلة مفصلة تدعم هذه الاتهامات، ونفى موندوبيلي صحتها.

يقرأ  إسرائيل تبدأ بترحيل ناشطي أسطول مساعدات غزة وسط سخط واستنكار دوليين — أخبار غزة

وقبل احتجازهما، لجأ الرجلان إلى منشأة تابعة للأمم المتحدة في لوساكا، ثم سلّما نفسيهما للشرطة، وما زالا محتجزين.

مواجهة قاتلة

كانت المواجهة السياسية قد تحولت إلى عنف مباشرة بعد الانتخابات. ففي 14 أغسطس/آب، داهمت قوات الأمن مبنى في لوساكا مرتبطاً بموندوبيلي، وقُتل بالرصاص خلال العملية موتوتوي كافوايا، وزير سابق، وألقي القبض على 11 شخصاً آخرين. وقالت السلطات إنها عثرت على أسلحة وإن قوات الأمن تصرفت دفاعاً عن النفس. نفى موندوبيلي تلك الرواية، قائلاً إن من تواجدوا في العقار لم يكونوا مليشيا مسلحة.

وقال عالم السياسة نيو سيموتاني للجزيرة: "نرى أشياء من هذا القبيل في دول مثل تنزانيا ورواندا، لكن ليس هنا". وأضاف: "زامبيا لديها سجل متميز فيما يتعلق بالديمقراطية". ومنذ نهاية حكم الحزب الواحد عام 1991، تُعتبر زامبيا عموماً واحدة من أكثر الديمقراطيات التعددية استقراراً في المنطقة، حيث تنتقل السلطة عبر الانتخابات.

وبعد سنوات قضاها في المعارضة وخمس محاولات رئاسية فاشلة، هزم هيشيليما الرئيس السابق إدغار لونغو في انتخابات قوبلت بالثناء على نقلها السلطة سلمياً، واعتُبرت لحظة مهمة للديمقراطية في زامبيا.

الثقة الاقتصادية مقابل المخاوف السياسية

حتى الآن، يتجاوز المستثمرون الاضطراب السياسي إلى حد كبير، وظلت سندات زامبيا متماسكة بعد الانتخابات، بينما تركّز الأسواق على إعادة هيكلة الديون واستمرارية الاقتصاد. وهنأت كل من الصين والولايات المتحدة هيشيليما على إعادة انتخابه، وأرسلتا ممثلين إلى حفل تنصيبه، بما يبرز أهمية زامبيا بوصفها منتجاً رئيسياً للنحاس ومصدراً محتملاً للمعادن الحيوية.

ويشكل ذلك تبايناً حاداً بالنسبة لهيشيليما. فالمستثمرون الدوليون قد يرون استمرارية في الحكومة وتحسناً في التوقعات الاقتصادية، بينما تركز جماعات المعارضة والمراقبون بشكل متزايد على معاملة الخصوم السياسيين وقوة المؤسسات الديمقراطية.

أما محامي موندوبيلي، ميلنر كاتولو، فقال للجزيرة إن هناك "أملاً صادقاً" في أنه بعد حصول هيشيليما على ولاية ثانية، يمكن لتسوية تفاوضية أن تساعد في "مداواة الأمة" بعد حملة انتخابية شديدة العداء. وأضاف: "نأمل أن يتدخل الاتحاد الأفريقي والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي، ويشجعان الدولة وعملاءنا على الجلوس وإيجاد مجال لحل هذا الخلاف بطريقة ودية عبر تسوية".

يقرأ  بريطانيا تعلن حظراً واسع النطاق على منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً

وما إذا كانت مثل هذه التسوية ممكنة يظل أمراً غير واضح. وقال سيموتاني: "هناك خدش صغير على صورته، وعلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن معظم المستثمرين سعداء بوجود استمرارية لأن ذلك يعني أن استثماراتهم آمنة. إنهم لا يهتمون إطلاقاً بحقوق الإنسان".

أضف تعليق