تركيا تقول إنها مستعدة لمساعدة السعودية في تلبية احتياجاتها العسكرية، في وقت تواجه فيه الرياض هجمات متصاعدة من الحوثيين في اليمن، وهو ما قد يضع ميثاق مكة الدفاعي الذي وُقّع حديثًا أمام أول اختبار كبير له.
وفي الشهر الماضي، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي يعتبر أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هجومًا على الجميع، وسط توترات إقليمية متزايدة.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن السعودية قد تحتاج إلى مساعدة عسكرية، لا سيما في «مسائل فنية»، وإن أنقرة لا تواجه مشكلة في تقديمها.
وتأتي تصريحاته بينما تستهدف هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيرة مدنًا سعودية وبنية تحتية للطاقة وملاحة، ما يفتح جبهة أخرى في صراع إقليمي أوسع بدأ بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير.
وقد رفعت هذه التصعيد المخاطر على إمدادات الطاقة العالمية، إذ عزز الحوثيون، المرتبطون بإيران، سيطرتهم على البحر الأحمر، الذي استُخدم كممر بديل لصادرات النفط السعودية مع حصار مضيق هرمز.
فما معنى عرض تركيا عمليًا؟ وهل سيؤدي الميثاق الدفاعي إلى تدخل عسكري من أعضائه؟
تُظهر صورة بالأقمار الاصطناعية خط الأنابيب السعودي شرق-غرب بعد ضربة أصابته في 11 سبتمبر.
ماذا قالت تركيا؟
قال وزير الخارجية هاكان فيدان لوسائل إعلام تركية السبت إن السعودية قد تكون لديها متطلبات عسكرية بسبب هجمات الحوثيين المستمرة، وإن أنقرة مستعدة لتقديم المساعدة بموجب اتفاقها الدفاعي مع الرياض وإسلام آباد.
وأخبر فيدان قناة «إن تي في» التركية: «نرى أن هناك هجمات خطيرة جدًا على سلامة أراضي السعودية وسيادتها».
وقال إن السعودية «قد تكون لديها بعض الاحتياجات العسكرية، خصوصًا في بعض المسائل الفنية»، مضيفًا أن تركيا لن تواجه «أي مشكلات في تلبيتها».
ولم يحدد فيدان نوع المساعدة التي قد تقدمها تركيا.
وتركيا، التي لديها ثاني أكبر جيش في الناتو، أدانت هجمات الحوثيين ودعت إلى وقفها فورًا.
وقال نواف عبيد، الباحث البارز في كينغز كوليدج لندن، إن السعودية وحلفاءها يعدّون ردًا عسكريًا منسقًا على هجمات الحوثيين الأخيرة، ورأى أن الرياض أقل عزلة مما قد تبدو.
وأخبر الجزيرة: «هناك تحالف يتشكل لمواجهة التهديد، حول كيفية الرد بشكل مناسب على ما يفعله الحوثيون».
وقال عبيد إن الرد «قادم»، مضيفًا: «سيكون متدرجًا. سيكون ضخمًا. سيكون مدمجًا، وسيكون برًا وبحرًا وجوًا».
وقال المحلل إن دولًا بدأت بالفعل بنقل أنظمة أسلحة إلى السعودية ونشر طائرات مقاتلة في البحر الأحمر، وحدد تركيا كمشارك رئيسي ومصر كشريك محتمل بدور عملياتي أكثر محدودية.
غير أن الجزيرة لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من المزاعم التي أطلقها عبيد.
في هذه الأثناء، قال محمد المصري، أستاذ في معهد الدوحة للدراسات العليا، إن «السعوديين وقعوا في نوع من المأزق».
وأخبر الجزيرة: «لقد تواصلوا مع حلفاء كثر. الحلفاء يقدمون قدرًا من الدعم – دعم لوجستي، واستخبارات، وأسلحة – لكن يبدو أن الباكستانيين ولا الأتراك ولا المصريين ولا الأميركيين، ولا أي طرف آخر، يريد الانخراط مباشرة في عمل عسكري قتالي».
ما هو ميثاق مكة الدفاعي؟
أعلنت السعودية وتركيا وباكستان رسميًا اسم الترتيب «تحالف مكة الدفاعي» في 31 أغسطس، بعد أن اتفق مسؤولون مجتمعون في إسطنبول على إنشاء أمانة عامة في الرياض، يرأسها في البداية أمين عام باكستاني.
ويقوم مبدؤه الأساسي على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعامل كهجوم على الدول الثلاث كلها، على غرار بند الدفاع الجماعي في الناتو.
وقال فيدان وقتها إن التحالف بُني على «احترام سيادة الدول الأخرى وسلامة أراضيها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية»، وإنه يبقى مفتوحًا لانضمام دول أخرى.
وجاء الميثاق الثلاثي في وقت يزداد فيه قلق دول الخليج من الانجرار إلى الحرب الأميركية الإيرانية الأوسع، التي استمرت أكثر من ستة أشهر منذ أن ضربت واشنطن وإسرائيل إيران أول مرة في فبراير.
كما جاء التحالف العسكري وسط مخاوف من توسع النفوذ العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط. فقد قصفت إسرائيل عدة دول في المنطقة، من بينها قطر، منذ أن بدأت حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر 2023.
ماذا قالت باكستان؟
قال الفريق أحمد شريف تشودري، مدير عام الجناح الإعلامي للجيش الباكستاني، لصحيفة «عرب نيوز» السعودية يوم الخميس إن إسلام آباد تقف مع السعودية دبلوماسيًا وعلى الأرض.
وقال تشودري: «أود أن أؤكد هنا على كلمة (على الأرض). سنذهب إلى أي حد».
وفي الأسبوع الماضي، قالت وزارة الخارجية الباكستانية إنه لم تكن هناك مناقشات حول شن رد عسكري بموجب اتفاق مكة بعد هجمات الحوثيين على السعودية.
لكن إسلام آباد أعادت التأكيد على التزامها بالاتفاق. قالت باكستان إنها ستتحرك عندما يحين الوقت، من دون أن توضح الظروف التي قد تدفعها إلى ذلك.
وكان وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف قد قال في وقت سابق من هذا الشهر إن أي هجوم على السعودية قد يفعّل اتفاق مكة للدفاع المشترك. وفي مقابلة في الثامن من سبتمبر، قال: «نحن ملتزمون بشروط هذا الاتفاق، وسنفي بها إذا دعت الحاجة».
أحدث مواجهات السعودية والحوثيين
قالت قوات التحالف بقيادة السعودية يوم السبت إن الحوثيين أطلقوا صاروخاً باليستياً باتجاه الرياض عند الفجر قبل أن يتم اعتراضه وتدميره.
وقال المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء تركي المالكي، في منشور على منصة إكس، إن الحوثيين حاولوا أيضاً استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية في بيشة والطائف وفرسان وينبع، مضيفاً أن الدفاعات الجوية للمملكة أحبطت هذه الهجمات.
وفي الميدان في اليمن، قالت القوات المسلحة للحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية إن مقاتليها أحبطوا يوم السبت محاولة تسلل حوثية في قطاع الفليحان جنوب مأرب، وقتلوا 12 مقاتلاً حوثياً وأصابوا آخرين.
وبعد سيطرتهم على مدينة المخا الساحلية على البحر الأحمر، يواصل الحوثيون التقدم نحو مأرب، وهي محافظة غنية بالنفط لا تزال تحت سيطرة الحكومة المدعومة من السعودية.
ومع تحقيق الحوثيين مكاسب عسكرية، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يوم الاثنين إن واشنطن على تواصل وثيق مع السعودية، وإنها أجرت محادثات مباشرة مع الحوثيين.
ويمثل التصعيد الحالي أخطر قتال بين الحوثيين والقوات المدعومة من السعودية منذ أن أوقفت هدنة بوساطة الأمم المتحدة الأعمال العدائية الواسعة في اليمن عام 2022. وقد حقق الحوثيون مكاسب في الأراضي على طول ساحل البحر الأحمر في اليمن، بما في ذلك حول مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية.
ويُعد باب المندب طريقاً رئيسياً يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وقد ازدادت أهميته في وقت لا تزال فيه الملاحة عبر مضيق هرمز مضطربة.
كما كثفت الجماعة هجماتها الصاروخية وبالمسيّرات على السعودية، مستهدفة مدناً وبنية تحتية للطاقة.
ما موقف الولايات المتحدة؟
حتى الآن، يتحاشى الرئيس الأميركي دونالد ترامب القيام بعمل عسكري أميركي مباشر ضد الحوثيين.
والأسبوع الماضي، قالت وكالة رويترز نقلاً عن مصادر إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب مساعدة عسكرية من الرئيس الأميركي للمساعدة في قتال الحوثيين.
ولم يوافق ترامب على ضربات أميركية ضد الجماعة، لكن واشنطن أبلغت الرياض أنها ستقدم مساعدة في تبادل المعلومات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف، وفق المصادر.
ويتناقض هذا الموقف مع حملة واشنطن نفسها ضد الحوثيين العام الماضي، عندما قصفت القوات الأميركية الجماعة لمدة شهرين قبل أن يتفق الجانبان على وقف لإطلاق النار.
ومع ذلك، واصلت إدارة ترامب علاقتها الدفاعية الأوسع مع الرياض. ويوم الخميس، وافقت وزارة الخارجية الأميركية على بيع محتمل لـ48 طائرة مقاتلة من طراز إف-35 إلى السعودية في صفقة تبلغ قيمتها 24.3 مليار دولار، رغم أن البيع لا يزال يحتاج إلى موافقة الكونغرس.
وقال وليام لورنس، وهو دبلوماسي أميركي سابق وأستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأميركية، إن واشنطن من المرجح أن تتورط في الصراع.
وأضاف لورنس لقناة الجزيرة: «أعتقد أنهم سيفعلون ذلك في مرحلة ما». وتابع: «لقد أظهروا في الماضي استعدادهم للتدخل في اليمن عندما يتعلق الأمر بمصالحهم».
وأشار إلى الصلة بين النزاعين في هرمز وباب المندب والاقتصاد العالمي، فضلاً عن التزامات الولايات المتحدة الأمنية تجاه السعودية.
وقال لورنس إن هناك رأياً متزايداً في الولايات المتحدة خلال اليومين الماضيين بأنها «بحاجة إلى فعل شيء» لحماية السعودية ومنع الحوثيين من ترسيخ مكاسبهم.
وأضاف: «الشكل الذي سيتخذه ذلك ليس واضحاً».
لكن لورنس قال إن واشنطن متورطة بالفعل بعمق، إذ يوجد نحو 100 مستشار عسكري أميركي في السعودية ودعم واسع في الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.
وأضاف: «لذا لن يكون توسعاً كبيراً بالنسبة للأميركيين أن يتورطوا أكثر».