يوجد تطبيق لكل مشكلة مطورون من غزة يوظّفون التكنولوجيا لحلّ تحدّيات الحرب أخبار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

غزة، قطاع غزة — في زاوية هادئة داخل فضاء العمل المشترك «طاقات غزة» كانت سجا الغول تعمل على فكرة تطبيقها المحمول الأخيرة.

تبلغ سجا 23 عاماً، وهي مبرمجة تركز، مثل زملائها في المكان، على ابتكار تطبيقات تخفف من مشقات العيش في القطاع. فبعد سنتين من الحرب التي وصفتها تقارير بأنها إبادة جماعية، ووقف إطلاق نار لم يوقف الاعتداءات ولا مهدّ لإعادة إعمار حقيقية، باتت غزة تعجُّ بالأزمات التي تقتضي حلولاً تقنية وسريعة.

تطبيق سجا يحمل اسم «وصلني» — أي «أوصلني إلى وجهتي» — ويستهدف تخفيف مشاكل النقل التي يعانيها الفلسطينيون في غزة. يقوم التطبيق على مبدأ المشاركة في الرحلات وتنسيقها بين المستخدمين لتقاسم التكاليف، وهي تكاليف ارتفعت بشكل حاد في الأشهر الأخيرة. كما يضم محفظة إلكترونية مسبقة الدفع تمكن المستخدمين من تجاوز الأزمة النقدية المتفاقمة بفعل الحرب.

تشرح سجا: «يمكن لأي شخص اقتراح رحلة، مثلاً من منطقة الشفاء إلى السرايا بوسط مدينة غزة في الساعة الثامنة صباحاً، ثم يلتحق آخرون بنفس الرحلة ويتقاسمون الكلفة». نجاح الفكرة يعتمد على تبنّي واسع للتطبيق، وإلا فلن يجد المستخدمون رفاق درب كافين في الوقت والمكان ذاته، ما سيعيق الاستمرارية. لذا ترى سجا أن الدعم الرسمي والترويج والتحقق من السائقين قد يكونان ضرورياً.

فقدان الممتلكات

في نفس الهاكاثون كان بهاء الملاحي حاضراً. بهاء، خريج نظم معلومات (26 عاماً)، طرح فكرة تطبيق يعالج مشكلة أصبحت شائعة خلال الحرب: فقدان الأغراض والمقتنيات الشخصية أثناء التهجير والفرار. «خسر الناس تقريباً كل شيء أثناء التهجير — متعلّقات شخصية، أوراق رسمية، هواتف، حقائب… أشياء ربما لا تساوي مالياً كثيراً لكنها ذات قيمة لا تُقاس لمالكيها»، يقول بهاء.

لاحظ بهاء صعوبة استرجاع الممتلكات ووفرة المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي حول المفقودات، فابتكر منصة رقمية مخصصة للعثور على المفقودات وإخلاء سبيل الأغراض تحت اسم «رجّعلي» — أي «أعده إلي». آلية العمل بسيطة: من يجد شيئاً ينشره على المنصة، ومن فقد شيئاً يبحث عنها هناك. لكن الطموح لا يقف عند هذا الحد؛ فبهاء يفكر في تطوير المنصة لتشمل بلاغات عن الأطفال المفقودين أثناء التهجير أو في مخيمات الاكتظاظ، وهي حالات تكررت كثيراً في غزة. يشرح: «لو فقد طفل في منطقة ما، يمكن إرسال إشعار فوري للمستخدمين القريبين يتضمن صورة الطفل ووصفه»، آلية قد تسرّع إعادة الاندماج الأسري في بيئة شهدت انهيار شبكات التواصل التقليدية.

يقرأ  رحلة بحرية حول العالم بانتظار انطلاقها

العقبات

في تجربتي سجا وبهاء، تطوير التطبيق ليس سوى نصف الطريق. واجه الاثنان تحديات تقليدية تخص مطوّري التطبيقات، وتحديات خاصة بالوضع في غزة وطبيعة الحرب. من جهة الاعتماد والانتشار: تطبيقات مثل «وصلني» تحتاج كثافة مستخدمين لتنجح، فغياب مستخدمين كافين في الوقت والمكان يؤدي إلى فشل تجارب المستخدمين الأُوَل ويقلل من احتمالات العودة لاستخدام التطبيق. ومن جهة أخرى تحتاج منصات مثل «رجّعلي» لتعاون وثقة رسمية كي يطمئن الناس إلى أن مستنداتهم الهامة قد تُستعاد عبر قناة موثوقة.

تكلفة التطوير أصبحت عبئاً ثقيلاً على المطورين الشباب في غزة، خاصة مع اعتماد كثير من المشاريع الحديثة على أدوات ذكاء اصطناعي مدفوعة. يقول بهاء: «نحتاج اشتراكات في خدمات ذكاء اصطناعي باهظة الثمن… حتى الخدمات الأساسية باتت مدفوعة والأسعار ترتفع باستمرار». بهاء الذي كان يعمل مهندس شبكات لدى شركة إنترنت محلية فقد عمله مع اندلاع الحرب، وحاول لاحقاً إيجاد فرص عن بُعد مع شركات خارج غزة لكنّ ذلك كان شبه مستحيل.

مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية، يرى بهاء أن مواهب كثيرة محاصرة الآن بالبطالة والانقطاعات المتكررة للكهرباء والإنترنت وارتفاع تكاليف العمل. «اليوم صار الانترنت والكهرباء رفاهية»، يقول، مشيراً أيضاً إلى كلفة فضاءات العمل المشترك التي يعتمد عليها كثير من المبرمجين: «تدفع مئات الشواكل شهرياً فقط لتحصل على مكان به كهرباء وإنترنت».

فجوة معرفية

يتحدث المهندس شريف نعيم، مؤسس ومدير فضاء «طاقات غزة»، عن المشروع كاستجابة مباشرة لانهيار قطاع التكنولوجيا في غزة بفعل الحرب. يقول نعيم إن «طاقات» لم تنشأ كمشروع ريادي تقليدي، بل كحل فوري لمشكلة عمليّة واجهها العاملون عن بُعد: غياب أماكن آمنة توفر كهرباء واتصالاً بالإنترنت.

في بداية الحرب فقد آلاف العاملين الحرّين والمبرمجين القدرة على العمل بعدما دُمّرت البنية التحتية وقطِعت الاتصالات والكهرباء لفترات طويلة. خسر كثيرون وظائفهم أو عقودهم الدولية، بينما بات البعض عاجزاً عن شحن أجهزته أو حضور اجتماعات عبر الإنترنت. كان الهدف الأول بسيطاً: كيف نعيد الناس إلى سوق العمل؟ أسس نعيم «طاقات غزة» كمكان عمل مشترك صغير قبل أن يتوسع تدريجياً أثناء الحرب ليشمل عدة فروع في عدة مناطق من القطاع، بينها النصيرات ودير البلح، ومن ثم مقر رئيسي في مدينة غزة بعد عودة السكان إلى الشمال أوائل 2025، ليستوعب نحو 250 حراً ومطوّراً.

يقرأ  مقتل شخص في غزةبينما وزير الخارجية التركي يناقش جهود السلام مع مسؤول من حماس

لكن مع الوقت تبين أن المشكلة أكبر من نقص الكهرباء أو المكان؛ الفجوة المعرفية الهائلة التي أحدثتها الحرب بعزل مطوّري غزة عن العالم التقني المتسارع أصبحت المشكلة الجوهرية. «اكتشفنا أن الحرب خلّفت فجوة معرفية كبيرة»، يقول نعيم، مؤكداً أن التحدي الآن يتعدى تأمين البنية التحتية إلى بناء جسور تعليمية ومهنية تعيد وصل مطوّري القطاع بالمعارف والأدوات العالمية. واصبحت مهمة طاقات تشتمل، إلى جانب توفير المساحات، على سد هذه الفجوة عبر تدريب ودعم وتمكين مطوّرين قادرين على المنافسة رغم الظروف. شهد عالم التكنولوجيا تقدماً سريعاً خلال العامين الماضيين، في حين انشغل شباب غزة بمحاولات البقاء على قيد الحياة.

وأضاف أن كثيراً من المبرمجين العائدين إلى سوق العمل وجدوا أنفسهم متأخرين عن متطلبات السوق العالمية من حيث المهارات والأدوات والتقنيات الحديثة، لا سيما مع التسارع الهائل في قطاع الذكاء الاصطناعي.

بدأ التركيز على برامج تدريبية تهدف إلى ردم الفجوة بين احتياجات السوق والإمكانات المتاحة لدى الشباب هنا، لتزويدهم بالمعارف والأدوات المطلوبة للتنافس عالمياً.

وبهذا التحول تطورت «طاقة» من مجرد مساحة عمل إلى مركز تدريب وحاضنة للمبرمجين والمطوّرين الشباب، من خلال باقات برامج نفذت بالشراكة مع جامعات ومؤسسات محلية ودولية.

وخلال هذه البرامج ظهرت عشرات الأفكار لتطبيقات ومشاريع تقنية، كلها تسعى لمعالجة مشاكل يومية في غزة، من أزمة النقل إلى فقدان الوثئق أثناء التهجير.

ويؤكد نعيم أن عدداً كبيراً من هذه الأفكار لم يأت من فراغ، بل نبع مباشرة من تجارب الشباب الحياتية واحتياجاتهم الواقعية.

الشباب هنا لا يبنون مشروعات وهمية؛ إنهم يبتكرون حلولاً لمشكلات يواجهونها كل يوم.

ومع ذلك، الطريق أمام هذه المبادرات لا يزال شاقاً؛ فإلى جانب ضعف بنية الكهرباء والإنترنت، يواجه المطورون عقبات مالية وتقنية جسيمة، من ارتفاع أسعار الأجهزة إلى كلفة اشتراكات البرمجيات وصعوبة الوصول إلى الاسواق الدولية.

يقرأ  إسرائيل بحاجة إلى استقرار وليس غزةغزة

ورغم ذلك، يعتقد نعيم أن قطاع التكنولوجيا في غزة ما يزال قابلاً للتعافي إذا توافرت البيئة الملائمة ودعم حقيقي ومستدام.

لدينا طاقات بشرية هائلة؛ المشكلة ليست في ندرة المواهب، بل في غياب الاستثمار الجاد فيها.

أضف تعليق