التدريس والتعلّم تعلّم فنّ التدريس من خلال الاستماع إلى الطلاب

نظرة عامة:

التعيلم عملية مستمرة؛ ليست مبادرة أحادية الجانب بل رحلة تعلم متبادلة مع الطلاب تكشف عن نقاط الضعف لدينا وتمنحنا فرصة تحسين ممارساتنا المهنية لمساعدة الآخرين على بلوغ أقصى ما عندهم من إمكانات.

كمعلمين نعلم أن عدداً من العوامل يساهم في تمكين الطلاب من تحقيق أقصى ما يستطيعون — ومن بينها الإلمام التام بمهاراتنا التدريسية واستخدامها بفعالية. تلك المهارات تتعزز حين نستغل فرصة التعلم من طلابنا: تجربة قد تكون ممتعة أحياناً ومؤلمة أحياناً أخرى، لكنها دوماً بمثابة بوصلة تدفعنا لبناء على نقاط قوتنا ومواجهة نقاط ضعفنا، ودعوة صريحة لأن نصبح معلمين أفضل.

بعد حصولي على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال عام 1982 بدأت أدرّس في كليّات محلية مساءً، مرة أو مرتين أسبوعياً إلى جانب عملي في القطاع المصرفي. تلقيت تعليقات إيجابية إلى حد كبير من طلاب الدراسات العليا، الذين كانوا يعملون بدوام كامل غالباً. أحدهم امتدح المساق باعتباره «من أكثر المقررات إفادةً وملاءمةً ومتعة في تعليمى»، وكما يحدث مع أي إنسان سُرَّ بالمديح، اعتقدت عندئذٍ أن الانتقال لتدريس مقرر لطلاب البكالوريوس سيكون أمراً يسيراً. لم يكن كذلك. خطأي الأكبر كان إهمال المثل القائل إن «٩٠٪ من الحياة مجرد الحضور». عدم إلزام الحضور لم يؤثر على أخلاقيات عمل طلاب الدراسات العليا، لكنه كان قاتلاً مع طلاب البكالوريوس: مع مرور الأسابيع تراجعت نسبة الحضور وتناقص التعلم. كانت تلك لحظة كشف مفيدة ومضيئة.

في المجموع التالي من طلاب البكالوريوس أدرجت في المنهج بنداً ينص على إجراء اختبار قصير في بداية كل حصة يعتمد بشكل رئيسي على ما نوقش في الحصة السابقة. اعتبر أحد الطلاب هذا الإجراء غير منطقي وغير مبرر، مستنداً إلى أن اجتيازه للامتحان النصفي والنهائي كافٍ، فلماذا يُشترط الحضور؟ ردي آنذاك لم يكن بالمستوى الذي كنت أرجو؛ قلت باختصار: «وظيفتي أن أدرّس ولا أستطيع أداء عملي كاملاً إن لم تكن حاضراً». لم يكن ردي مركزاً على الطالب؛ كان ينبغي أن أقول إن الحضور وسيلة لفتح قدراتنا وزيادة معرفتنا، وأن تحقيق ذلك أهم بكثير من مجرد درجة في ورقة الامتحان. أتساءل إن كان حوارٌ صادق لكان قد أعقب ذلك الرد لو أتيتُ به بصيغة أخرى.

يقرأ  هاتان المنطقتان الإيطاليتانتنتجان أكبر كمياتٍ من زيت الزيتون

ومع ذلك، واصلت التعلم من تفاعلاتي مع الطلاب، وتحسنت نتيجة لذلك بنية المقرر الجامعي وأساليبي التدريسية. ومن تقييم واحد أذكره عن تلك الفترة — على مقياس من خمس درجات — صنّف ثلثا الطلاب أدائي العام بـ«ممتاز»، نتيجة مُرضية لكنها تركت مجالاً واضحاً للتحسّن.

بعد تقاعدي من العمل المصرفي عام 2017 تطوعت كمدرّس مساعد في مدرسة ابتدائية/متوسطة في بالتيمور. عادةً ما أعنى بتدريس طلاب يعانون من نتائج متواضعة في الرياضيات، لكن أحياناً أتعامل مع من تحمل بطاقاتهم الدراسية «A» في المادة. كيم كانت ضمن مجموعة من ثلاثة طلاب من هذه الفئة؛ على مدى عامين بيّنت أنها استثنائية: تعزف البيانو، صممت غلاف برنامج التخرج، وكانت المفوّضة لخطاب الفصل. منحتها الرياضيات موهبة فطرية، لكنها جمعتها بتواضع واجتهاد ورغبة في مساعدة الآخرين. كانت تجسيداً لجمال الرياضيات: ثمة طرق متعددة للوصول إلى الحل الصحيح. كثيراً ما كانت تصل إلى النتيجة بطريقة تختلف عن طريقتي؛ حين تشارك حلولها مع زملاءها نتباحث في مزايا كل منهج وعيوبه، والطريقة التي يجدها المتعلم أكثر وضوحاً هي الطريقة الصائبة بالنسبة إليه لأنها الطريق الأضمن لتحقيق إمكاناته الرياضية.

وبعد عملٍ مع مجموعة كيم واجهت مجموعة أخرى من طلاب «A» مختلفين تماماً؛ كانوا أذكياء لكن غلب على بعضهم الغرور. لم تخلو جلساتنا من لحظات الاحتكاك. اللحظة الحاسمة كانت حين طلب أحدهم مني أن أكرر شرحاً طويلاً قائلاً إنه «لم يكن منتبهاً». اندفعت قائلاً بحدة: لماذا أُعيد الشرح وأنت لا تتابع؟ كان سؤالاً له ما يبرره، لكنه لم يكن مدخلاً لحوار بناء، ولَم يُقدّم الطالب رداً يفتح الباب للتفاهم. لا أذكر تحديداً كم مرة ذكرت له أنه من مسؤولىيتي— عفواً— من مسؤوليتِه أن يطوّر إمكاناته الرياضية بالانتباه والاجتهاد، لكني أشعر بأن تلك الجملة لو قُيلت بطريقة مختلفة لربما أثّرت فيه أكثر. شعرت بالإحباط، وبدلاً من الاستسلام لتلك المشاعر كان عليّ تحويلها إلى دافع للنمو المهني.

يقرأ  «اتركونا وشأننا»جيميما بيير: نضال هايتي من أجل السيادة الوطنية— سياسة

عندما أحتاج إلى تجديد معنوي ورؤى أعود لرسائل طلابية احتفظت بها على مرّ السنين. من بينها رسالة جميلة من طالب جامعي اسمه مايك وصف فيها التعليم بأنه «مهنة نبيلة للغاية». تلك المهنة النبيلة تطلب منا أن نتعلم من طلابنا، أن نحتفي بنقاط قوتنا وأن نواجه عيوبنا، وأن نمتلك الشعور الرائق بمساعدة آخرين على تحقيق ذواتهم. كما أنها تطرح أمام كل واحد منا سؤالاً صعباً لكنه محوري: كيف أرتقي إلى مستوى الوصف الرائع لمهنتي كما صاغه مايك في رسالته؟

أضف تعليق