الرقابة في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تبدو؟

ملاحظة المحرر: هذا مقتطف من كتاب “عن الرقابة” للكاتب آي ويوي، سيصدر في مارس عن دار Thames & Hudson.

في عام 2025 تقدمت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بسرعة، فبرزت مجموعة من رواد الأعمال الشباب في الصين وراء مشروع DeepSeek الذي دفع تقنيات البحث إلى آفاق جديدة. أثار ذلك ذعراً واسعاً داخل بيئة تنافسية شرسة في مجال الذكاء الاصطناعي، فأجبر منظومات تكنولوجية يهيمن عليها الغرب على إعادة ترتيب استراتيجياتها وأحدث اضطراباً كبيراً في الأسواق. مرة أخرى نجد أنفسنا مضطرين إلى التأمل بعمق في ظاهرة صعود الذكاء الاصطناعي في عصر المعلومات. فالذكاء الاصطناعي، في جوهره، يمثل مستوى أسطورياً من السيطرة على المعلومات، وهو نفسه الأساس الذي تبنى عليه أنظمة الرقابة.

وقعت حادثة مثيرة عندما اختبر الناس هذه الأداة الجديدة بسؤالها عني؛ كان ردها صارماً ومباشراً: «دعونا نتحدث عن شيء آخر». وهذه بالضبط المشكلة. فالسلطات في الصين اعتمدت لعقود استراتيجيات مماثلة—إنكار وجود مواضيع معينة، حرمان من حرية التعبير، فرض رقابة، وتطهير ممنهج للمعارضين. بينما ترفع شعارات باذخة مثل «مستقبل مشترك للبشرية» و«عالم واحد، حلم واحد»، تعمل الآلة الرقابية بعناية على طمس التناقضات الكامنة في الواقع.

الرقابة تفرض تحديات متماثلة على تطور التكنولوجيا في الشرق والغرب على حد سواء. في سباق الكسب السياسي والاقتصادي تنهار القِيَم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان. وفي الجهة المقابلة تقف طموحات الصين المتواصلة ذاتية التمجيد أمام تناقضات لا يمكن اجتيازها. حرية الكلام والتعبير حجر الزاوية في سعادة الإنسان وتطوره؛ مهما بلغت قوة دولة ما، لا تستطيع الهروب من عيوب هذا «الجهاز المناعي» الأيديولوجي. قمع المعارضين وتطهير الفكر المخالف لن يؤديان إلا إلى عواقب كارثية للبشرية عند تزاوجهما مع تقنيات جديدة. مع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي، تتعرض أنماط التفكير الجماعي، والهياكل الإيديولوجية، وجوهر الوجود الفردي وكرامته لتهديد لا يمكن تجاهله.

يقرأ  سوبرتشيف — ملتقى فنون لوس أنجلوس المحبوب يصارع للبقاء مفتوحًا

الذكاء الاصطناعي يواجه صعوبة في العمل بإنصاف لأن أحكامه، المبنية حصراً على بيانات سابقة، محدودة بطبيعتها، ومن ثم قد تفضي إلى استنتاجات متحيزة. على سبيل المثال، أخطأ نظام ChatGPT في تقدير سيلفي التقطته مع زعيمة حزب بديل لألمانيا، أليس فايدل، ووصفه خلافاً للحقيقة بأنه صورة مفبركة. استند النظام في استنتاجه إلى خلفيات معرفية مسبقة وسرديات اجتماعية عني أنا كشخص وعن الطرف الآخر، فاستخلص نتيجة خاطئة. مما يكشف أن الذكاء الاصطناعي، بشكل عام، غير مؤهل لإصدار أحكام بصرية أو واقعية موضوعية؛ بل يستمد كثيراً من تحيزات المجتمع والأعراف الأخلاقية السائدة، فتنتج عنه استنتاجات سطحية، بل وخاطئة أحياناً.

قُورِنَ نمو الذكاء الاصطناعي بانتشار فيروس أو جائحة مع فرق جوهري: هو أمر لا رجعة فيه. تعمل قواعد البيانات الضخمة على اختزال الفكر والمعلومات الإنسانية إلى محتوى مبتذل وموحد، يُعالَج بلا وعي وبشكل آلي عن طريق إعادة التدوير وإعادة التنظيم والتطبيق، كما لو أنه نظام لإدارة النفايات. في لحظة قصيرة، يلتهم الذكاء الاصطناعي خزان الفكر البشري المتراكم عبر قرون، مكبياً ومبدّداً تراكم المعرفة البشرية.

هذا النمط الميكانيكي والصيغوي في المعالجة يقوّض المنطق الكامن الذي غذّى التفكير البشري وتطوره منذ العصور القديمة. تُختزل التجربة البشرية والإدراك إلى بيانات متجهة رقمية أو فيزيائية، تُجرد من التعقيدات العضوية للتأمل والنمو. هذا التحول يفتح فراغاً شاسعاً لانحطاط الفكر وظهور مجتمع ذهني متدنٍّ. داخل هذا الفراغ تتبدل مسارات الفهم البشري وبُنى الإدراك النقدي، وتتغير إمكانيات المعرفة والوعي الذاتي وتكوّن الأديان والأخلاق وأنظمة المعتقد بشكل جذري.

عندما تتوقف المعلومات والمعرفة عن إثارة الخيال أو الإرادة أو الرنين العاطفي، تتحول إلى أكوام من الحطام الفكري. لذا فإن أيديولوجية الذكاء الاصطناعي، المتشددة بأنها «لا أيديولوجية»، تشكل أزمة وجودية أعمق للبشرية—كأن الفيروس قد اخترق الجهاز العصبي المركزي للوعي البشري. وانتشار هذا التأثير، مدفوعاً بطمع الشركات ورأسمال لا يكبحه شيء، يكاد يكون لا مفر منه. هذه نقطة مفصلية في تاريخ الإنسان، حدث بمقداره الأسطوري.

يقرأ  مُعدات إلكترونية ومقتنيات تذكارية لمؤسس مشارك في فرقة كرافتوير تُعرض في مزاد

نحن نميل إلى وصف التقنيات الحديثة بأنها «مريحة»، «فورية»، و«بلا جهد»—صفات كانت تبدو في السابق من نسق الخيال. لكن كل تجربة إنسانية عميقة وذات قيمة جذورها في الجهد والمثابرة وتعقيد التحديات الحياتية؛ تلك النشوة والإنجاز استبدلته ضغطة مفاتيح بلا مشقة ولا جهد. صعود الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل تصورنا للمكان والزمان، ومعهما الأسس الأخلاقية للمجتمع، وخاصة فهمنا للحريّة. تختفي مفاهيم مثل الجهد والتضحية والمسؤولية والواجب، وهي الركائز التي قامت عليها التنمية البشرية. ومع تآكل هذه القيم القديمة يتآكل أيضاً الكرامة الإنسانية والفردانية والحقوق الشخصية.

الإنسان مُنح، كما يُقال، شعوراً بالأخلاق وحقوقاً متأصلة، لكن ذلك كله قد يتفكك لأن نمط الوجود الفردي نفسه يمحوه تراكم المعرفة الجماعية وبُنى المعلومات لدى الذكاء الاصطناعي. لقد صنعنا أخيراً أداة قد تجعل وجود الذات الفردية بلا معنى.

ما ينبغي أن ندركه هو أن جوهر عصر الذكاء الاصطناعي يشبه عصر الدول المتحاربة—صراعاً محتدماً بين دول مدفوعة برؤوس أموال ومصالح متجذرة. تُستبدل القيمة الإنسانية بمنطق الربح، ما يقود البشرية حتماً نحو عصر غريب ووحشي.

الوحدة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي حققت ما لم تستطع أنظمة الرقابة التقليدية الوصول إليه: لقد بسّطت الخطاب السياسي المتعقل، وحلّت محل قدرة البشر على التفكير النقدي والاعتراض امتثال موحد. إن قوة التحول التي كان يُستمدّ منها التغاير والاختلاف داخل الفكر البشري تُعوّمها الآن آليات نزع الحدة وإحلال التوافق.

مقتطف من: عن الرقابة، آي ويوي
© 2026 Thames & Hudson Ltd, لندن
النص والرسوم © 2026 آي ويوي
أُعيد نشره بإذن من Thames & Hudson Inc.

أضف تعليق