كييف — ملصقات دعائية لفاعلية تُسمى «مدرسة آزوف لتصميم المناظر» تُعرض في عربات المترو وعلى اللوحات الإعلانية في العاصمة. لكنّ الصورة التي تراها لا تُظهر بستانيًا مبتسمًا بين الأشجار والزهور، بل جنديًا ملتحيًا يبتسم وعن ظهره مدفعٌ ذاتيّ الانحراف يقذف قذيفة يُزعم أنها «تصمم» المشهد على الجانب الروسي.
بينما يستمر سقوط القتلى والجرحى على طول خط المواجهة الذي يعانق شكل هلال يبلغ طوله نحو 1250 كيلومتراً، تواجه كييف نقصاً حادّاً في العناصر العسكرية. تتنافس وحداتٌ عسكرية منفردة على استقطاب المجنَّدين المحتملين، وتستدرجهم بشعارات جذابة، حملات ذكية، رسائل نصية ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تعد بتدريب مكثف يقلّل من خطر القتل أو بتوفير وظائف خلف الخطوط الأمامية.
الكثير من الرجال الأوكرانيين في سن القتال ــ من الخامسة والعشرين وحتى الستين ــ الذين لا يملكون سبيل رفض التجنيد يفضلون الانضمام لتلك الوحدات طواعيةً. وإذا لم يفعلوا، قد تجوبهم «دوريات التجنيد» ويتم انتزاعهم للخضوع لتدريبات سطحية سرعان ما تحولهم إلى مقاتلين هجوميين معرضين لخطر الموت. «لا يوجد تدريب يذكر. لا يهمهم أني قد لا أنجو من الهجوم الأول»، قال تيموفي، موظف مكتبي في السادسة والثلاثين، الذي جرى تجنيده قسرياً العام الماضي لكن هرب من مركزين تدريبيين، وأضاف حديثه لجهة إعلامية محلية.
مئات الآلاف من الرجال يتجنبون التجنيد، يدفعون رشاوى للهرب إلى الخارج أو يقطعون الحدود بصورة غير قانونية إلى دول أوروبية، في ظلّفساد وابتزاز يمارسها ضباط التجنيد، بحسب توثيق حكومي وتقارير صحافية ومنظمات حقوقية. في سنة الغزو الكامل لروسيا عام 2022، تدافع الرجال من كل الأعمار للتطوّع، واقفين لساعات أمام مكاتب التجنيد أو مسافرين إلى محطات أخرى داخل أوكرانيا ليلتحقوا بمكاتب أقل ازدحاماً.
«الموجة الأولى كانت هائلة، كانوا متحفّزين» قال ضابط رفيع بشرط عدم الكشف عن هويته. لكن المتطوعين ندروا الآن؛ متوسط عمر المجنّدين ارتفع إلى ما فوق الأربعين، ومستوى لياقتهم البدنية تراجع. «نحصل على ما تبقّى ممّا تبقّى»، هكذا وصف الضابط المقاتلين الجدد في وحدته، موضحاً أن التجنيد للمشاة هو الأصعب. «يمكن تدريبهم، لكن هذه مسألة حالة بدنية: رجل في الخمسين من عمره يعمل بوظيفة مكتبية ويعاني أمراضاً مزمنة ليس بالضرورة أن يكون لائقاً».
حملة توظيف آزوف
فيما تبدو حملات التجنيد ظاهرة للعيان، فإنّ عملية التوظيف ذاتها تفتقر إلى الشفافية. تُملأ أغلب طلبات الانضمام عبر الإنترنت، ولا يُدعى المرشحون إلا إلى مكاتب تجنيد لا تُعلن مواقعها لتفادي استهدافها بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ أو بهجمات ينظّمها أشخاص تُجنَّد عبر تطبيقات المراسلة أو الويب المظلم.
وعند الرغبة في انتقاء الأفضل، يبرز لواء آزوف، المعروف الآن باسم «الفيلق الوطني الأول»، وفرعه «لواء العاصفة الثالث»، كجهتين متقدمتين. إضافة إلى «مدرسة تصميم المناظر»، يروّج آزوف لملصقات وإعلانات رقمية باسم دورات ساخرة مثل «صناعة المحتوى» و«إدارة الفعاليات» و«كروس فيت».
لمدة أعوام، كان آزوف من بين أكثر الوحدات العسكرية الأوكرانية صراحةً وجرأة؛ ولقّب مقاتلوه بـ«300 أسبرطي» بعد دفاعهم الطويل عن ماريوبول في أوائل 2022، الذي انتهى باستسلامهم بأمر من القيادات العليا. لا يزال نحو سبعمئة من مقاتلي آزوف في سجون روسيا، وفق شهادات مُبادَلَين ومسؤولين أوكرانيين، ويواجهون تقارير عن التعذيب وتجويع.
صارت هذه الفرقة مادة خصبة لبروباغندا الكرملين الذي يوصمها بـ«النازية الجديدة»، ويزعم أنها «ترهب» المدنيين وتختلق عمليات قتل لتحميل «المحررين» الروس مسؤوليتها. لأصلها اليميني المتطرف تاريخ، لكن القيادة الحالية تزعم أنها طهّرت الصفوف ونفت أي روابط مع جماعات «متطرفة»؛ ولا يملك الإعلام المستقل التحقق المستقل من هذه الادعاءات.
الشهرة والصورة البطولية رفعت من مكانة آزوف داخل البلاد. وما يعدّ به مُجنّدوها يتخذ شكل نهج «محور على الجندي»: يأخذ بعين الاعتبار خلفية كل مرشح، حالته البدنية، تاريخه الصحي، وخبرته العسكرية — أو غيابها. «نحن نبني نظاماً يقف على الجندي، لأن الجندي ليس مجرد مورد، بل أساس النظام كله»، قال مجنِّد رفيع من آزوف عرف عن نفسه بلقبه الراديوي «تارا» في أحد الفضاءات المفتوحة التي افتتحتها الفرقة في وسط كييف.
الفضاء المفتوح يختلف جذرياً عن مراكز التجنيد التقليدية الواقعة في مبانٍ سوفيتية قاتمة ذات ممرّات مسودة وأرضيات تصدر صريرًا. يوجد مقهى يقدم قائمة يعتدّ بها كثيرون، ومتجر لبيع تيشيرتات وهوديز وتذكارات عصرية. وعلى جدارٍ عُلّق لافتة بخط اليد تحمل عبارة: «أمة لا تقف لأبطالها تركع أمام العدو».
يخضع المرشحون للاختبارات والمقابلات، ويُعرض عليهم العمل في «المواضع الأعلى كفاءة». «نضمن من طرفنا أن يخدم [المجندون] في الموقع الذي تمت الموافقة عليه لهم بالضبط»، قال تارا. وأضاف أن كل مجندي آزوف مخضرمون في القتال، وأنه تطوع للانضمام إلى نواة آزوف في 2014. بسبّية شاربه المرتّب وطوله الفارع (حوالي 1.95 متر)، شارك في تحويل آزوف من مجموعات تطوعية مرتجلة ومن مشجعي كرة قدم ووطنيين إلى وحدة عسكرية أساسية.
في المقابل، تكافح وحدات أصغر وأقل بروزاَ لإيجاد مجندين يكفون لتعويض خساراتها. «نسأل هنا وهناك، نخبر الأصدقاء، نعدّهم بالتدريب الجيد، لكن ذلك لا يكفي أبداً»، قال أوليه، ضابط رفيع في وحدة متمركزة شرق البلاد. ويصرّ بعضهم على أن أوكرانيا بحاجة إلى نظام خدمة عسكرية إلزاميّ وشامل.
«يجب إلغاء كل الامتيازات، وجعل كل الرجال في سن القتال يخضعون للتدريب ويكونون جاهزين للخدمة. وإلا، سنستمر في فقدان الأراضي»، قال اللواء المتقاعد إيهور رومانينكو، رئيس سابق لمجلس الأركان العامة الأوكراني، مُحذّراً من تآكل القدرة القتالية دون توسيع قاعدة التجنيد.
في المحصلة، وبينما تروّج لوحات وإعلانات مُبتسمة لصور الحرب بتحويلها إلى استعراض جذاب، يواجه المجتمع الأوكراني تساؤلات وجودية حول كيفية تعبئة الموارد البشرية لحرب فتّاكة، مع محاولات وحدات مثل آزوف استمالة من تبقّى من العناصر الشابة والقوية، وسط واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم، وبُنيةٍ عسكريةٍ تضطر للعمل بمواردٍ محدودة ومخاوف بشأن جودة التدريب والحياة في الخطوط الأمامية. مصابن أرجو لصق النص الذي تريد إعادة صياغته وترجمته إلى العربية (مستوى C2) كي أتمكن من المتابعة.