في ظل الحرب الإيرانية، تلجأ إسرائيل إلى وسيلة جديدة لمعاقبة غزة

عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران، عمّ الذعر بين الفلسطينيين في قطاع غزّة. تذكّر الناس إغلاق المعابر في أزمات سابقة وما تسبب به ذلك من مجاعة، فتدافعوا إلى الأسواق لشراء ما أمكنهم من طعام وضروريات، فارتفعت الأسعار إلى مستويات قياسية. وبعد وقت قصير، أُبلغ السكان بإغلاق المعابر الحدودية.

جاء هذا الإغلاق بالتزامن مع انتهاء مهلة منحتها إسرائيل لسبع وثلاثين منظمة غير حكومية للانسحاب من غزة بذريعة عدم استيفاء متطلبات التسجيل. ومن بين هذه المنظمات أطباء بلا حدود (MSF)، والمساعدة الطبية للفلسطينيين في المملكة المتحدة، و«هيومانتي إنكلوجن» (لاحقًا Handicap International)، وActionAid، وCARE، وغيرها. وفي اللحظة الأخيرة سمح قرار لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية لها بالاستمرار في العمل لحين النظر في استئنافها على الحظر، لكن ذلك لم يمنحها القدرة على العمل بكامل طاقتها، لأن الاحتلال يواصل منع دخول الإمدادات والكوادر الأجنبية إلى القطاع.

وفقًا لتقارير تلك المنظمات، فهي مسؤولة عن نحو نصف طرود الغذاء في القطاع وحوالي ستين في المئة من الخدمات المقدّمة في المستشفيات الميدانية. وهذا يعني بالنسبة للعديد من العائلات الجوع وفقدان سبل العيش، إذ لن توزّع الطرود الغذائية كما كانت، وسيُحرم كثيرون من الدخل المؤقت الذي كانوا يعتمدون عليه.

نحن نعلم أن القضية ليست فشل المنظمات في تلبية قواعد التسجيل، تمامًا كما أن إغلاق المعابر ليس مسألة أمنية بحتة؛ بل هي وسيلة أخرى من وسائل العقاب الجماعي الموجّه ضد الفلسطينيين. وحتى لو قضت المحكمة العليا بقرار مفاجئ ضد حظر المنظمات، فسيجد الاحتلال طرقًا بديلة لدفع هذه الهيئات الأجنبية إلى الخروج من غزة. تجلّى ذلك هذا الشهر عندما تبيّن أن منظمة World Central Kitchen، التي تدير عشرات مطابخ الحساء عبر القطاع وليست على قائمة الحظر، قد تضطر إلى تعليق أنشطتها لأن الاحتلال منع غالبية شاحناتها من الدخول. ونتيجة لذلك، لم تعد هناك مواد كافية للاستمرار في الطهي؛ وهذه المنظمة كانت تقدّم ما يصل إلى مليون وجبة يوميًا.

يقرأ  كتلة دافئة غامضة تحطم أرقاماً قياسية في شمال المحيط الهادئ

الان، وفي خضم الحرب مع إيران التي قد تستمر أسابيع أو شهور، ستجد مئات آلاف العائلات نفسها مجدّدًا بلا غذاء كافٍ. هذا كله يضاف إلى الحرب المستمرة على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). منذ تأسيسها أواخر 1949، شكلت الأونروا العمود الفقري للدعم الدولي للاجئين الفلسطينيين، وتمتلك أكبر قدرة على الاستجابة الطارئة وأوسع طيف من الخدمات. ومع ذلك، حظرت إسرائيل عملها وعرقلت دخول إمداداتها إلى القطاع.

ومن خلال ضغط متواصل، تمكنت إسرائيل من تحقيق خفضات كبيرة في ميزانية الأونروا؛ ما أدى الشهر الماضي إلى فصل ستمئة موظف، وتقليص رواتب الباقين بنسبة عشرين في المئة. وحظر المنظمات غير الحكومية سيؤدّي على الأرجح إلى فقدان آلاف آخرين لوظائفهم، وفي وقت تجاوزت فيه نسبة البطالة في غزة الثمانين في المئة.

عائلتي ستتأثر أيضًا؛ فقد استفدنا سابقًا من طرود الغذاء والمواد الأساسية التي توزّعها المنظمات، وكان أخي يجد عملاً مؤقتًا كسائق لدى إحدى هذه الهيئات. إغلاق المنظمات الدولية يهدد حياة مئات آلاف المدنيين الذين يعتمدون على خدماتها ووظائفها، وإقفال المعابر قد يفتح الباب لأزمة جوع جديدة.

هذه الإجراءات شكل آخر من أشكال العقاب الجماعي الذي لن يحتل مساحة واسعة في الأخبار. الاحتلال لا يتوقف عن اختراع وسائل جديدة لجعل حياتنا أكثر بؤسًا واستحالة في وطننا المدمر. على مدار عامين ونصف من الحرب التي أذهب البعض إلى وصفها بالإبادة، دُمِّرت المستشفيات والمدارس والجامعات والطرق وشبكات الصرف الصحي ومرافق معالجة المياه وشبكات الكهرباء، إضافة إلى عدد لا يحصى من المولدات والألواح الشمسية.

الغالبية العظمى من السكان يعيشون حياة بدائية في خيام أو مساكن مؤقتة لا تحمي من حرّ الصيف أو قساوة البرد. المياه ملوثة، الغذاء غير كافٍ، والأراضي مدمّرة ومسّمّمة. الآن سيُحرمون حتى من القليل من الدعم الدولي الذي كانوا يتلقونه.

يقرأ  الأكبر منذ عقود: محاكمة تجسّس في النمسا تضع ضابطَ استخباراتٍ سابقًا في قفصِ الاتهام

ما الهدف من كل هذا؟ دفعنا خطوة خطوة إلى اليأس والاستسلام النهائي، ودفعنا إلى ترك وطننا طوعًا — تطهير عرقي باتفاق ضمني. كل المنظمات التي تسعى إسرائيل لحظرها أجنبية في أساسها، ومعظمها مقرّه دول غربية. ومع ذلك، لم يدلِت الحكومات الغربية بإدانات جادة أو اتخذت إجراءات ملموسة ضد تصرفات إسرائيل تجاه منظماتها. لم يكن هناك غضب حقيقي من محاولات الاحتلال تدمير منظومة الإغاثة الدولية ليتمكن من السيطرة الكاملة على توزيع المساعدات.

العقاب الجماعي انتهاك للقانون الدولي. الدول ملزمة بأن تتجاوز الإدانة اللفظية وتتحرك فعليًا بفرض عقوبات. وحتى يتحقق ذلك، سنبقى في غزة عرضة لمزيد من الأعمال الوحشية من قبل محتلينا.

الآراء الواردة هنا تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف المنصة التحريري.

أضف تعليق