تصعيد إسرائيلي واسع النطاق ضد لبنان عقب هجوم نفّذه حزب الله غارات إسرائيلية مكثفة واستهداف أهداف لبنانية

بيروت، لبنان — نحو الساعة ٢:٣٠ صباحًا (٠٤:٣٠ بتوقيت غرينتش)، أيقظت ضربات إسرائيلية الضاحيةا الجنوبية لبيروت نادر هاني عقيل. جهّز أفراد أسرته وقفزوا في السيارة، تاركين منزلهم في حي برج البراجنة خلفهم.

«كنت نائمًا عندما بدأت الغارات وقذائف الصواريخ»، قال عقيل للجزيرة وهو يقف أمام مدرسة جابر أحمد الصباح في بيروت. وصف السكان للعائلة المشهد بالخروج من الضاحية بأنه فوضوي: سيارات محتشدة في طوابير، أناس يفرون سيرًا على الأقدام، وأطفال يبكون.

«هذه الحال أصبحت عادية بالنسبة لي. نقبل أي عدوان، نقبل أي قصف، نقبل الموت، نقبل الشهادة. في مثل هذا الوضع الذي نعيشه، نقبل كل شيء»، قال عقيل بينما كان طائرة مسيرة تمر فوق الرؤوس والعوائل المشردة تنتظر خارج المدرسة. «الموت آتٍ بطريقة أو بأخرى؛ إما أن نموت بشرف وكرامة، أو لا نموت على الإطلاق.»

ليلاً، ردّت حركة «حزب الله» على الضربات الإسرائيلية للمرة الأولى منذ أكثر من عام بإطلاق وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة مستهدفة موقعًا عسكريًا إسرائيليًا قرب مدينة حيفا الشمالية.

وقالت إسرائيل إنها قتلت قيادات بارزة في «حزب الله» خلال عملياتها في جنوب لبنان والضاحية، كما سلّمت إخطارات إخلاء لأكثر من خمسين بلدة وقرية في جنوب وشرق لبنان. مشاهد السيارات المزدحمة والهروب تذكّر بأسوأ أيام الحرب الإسرائيلية على لبنان في ٢٠٢٣ و٢٠٢٤.

أفاد «حزب الله» أن الهجوم جاء ردًا على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، الذي قُتل يوم السبت في ضربات إسرائيلية طالت العاصمة طهران.

أبلغ مسؤولون أميركيون تلفزيون MTV لبنان أنهم يعتبرون الهدنة في لبنان التي بدأت في نوفمبر ٢٠٢٤ قد انتهت ولن يتدخلوا لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، بحسب التقرير. وأضافوا أنهم لا يتوقعون استهداف مطار لبنان أو موانئه، لكنهم طالبوا الدولة اللبنانية بتصنيف «حزب الله» منظمة إرهابية، «وإلا فلن يكون هناك تمييز بين الطرفين».

في صباح الاثنين، أعلنت الحكومة اللبنانية تحريم النشاطات الأمنية والعسكرية لـ«حزب الله» وأمرت باعتقال من نفّذوا قصف الصواريخ.

يقرأ  منظمة الصحة العالمية: هجوم الميليشيا على مستشفى في دارفور تكرّر على موجات

مع استمرار إسرائيل في استهداف لبنان تقريبًا يوميًا رغم الهدنة، جاء ردها على وابل «حزب الله» لينبّه السكان في العاصمة بصوت الانفجارات، وأعلنت وزارة الصحة العامة اللبنانية مقتل ٣١ شخصًا وإصابة ١٤٩ آخرين.

أصدرت إسرائيل تحذيرات إخلاء لأكثر من خمسين بلدة في جنوب لبنان وسهل البقاع، ما أعاد إلى الأذهان يوم ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٤ عندما تسببت هجمات إسرائيلية في مقتل نحو ٥٠٠ شخص وتشريد أكثر من مليون في يوم واحد.

ردّ «حزب الله»

خلال الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في ٢٠٢٣–٢٠٢٤، قُتل أكثر من أربعة آلاف شخص في لبنان، بما في ذلك قيادات عسكرية من الصفوف العليا للحركة، بحسب النص. كما غزت إسرائيل جنوب لبنان واستمرت، رغم الاتفاق على انسحاب قواتها ضمن هدنة ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٤، بالتمسّك بخمسة مواقع في الأراضي اللبنانية.

ومع ذلك استمرت إسرائيل في استهداف الجنوب وسهل البقاع على الرغم من الهدنة، ونقلت تقارير عن إرسال رسائل غير مباشرة إلى لبنان تفيد بأنها قد تضرب بنية تحتية مدنية، بما فيها مطار بيروت، في حال ردّ «حزب الله» على الهجمات.

أثار هجوم «حزب الله» مساء الأحد وفجر الاثنين انتقادات حادة من خصومه في لبنان، الذين حملوه مسؤولية منح إسرائيل ذريعة لاستئناف ردود واسعة النطاق.

وجّهت الحركة بيانًا تقول فيه إن هجومها على إسرائيل كان «ردًا على اغتيال خامنئي، الذي قُتل ظلماً وخيانةً على يد العدو الصهيوني المجرم»، وإن الهجوم «دفاع عن لبنان وشعبه واستجابةً للهجمات المتكررة». وأضاف البيان أن الحركة أطلقت «وابلًا من الصواريخ الدقيقة وسربًا من الطائرات المسيّرة» على منظومة الدفاع الصاروخي في مشمار الكرمل جنوب حيفا.

دعا رئيس الحكومة نواف سلام إلى اجتماع طارئ لمجلس الوزراء صباح الاثنين، وأعلن المجلس في بيانه بعد الاجتماع تحريم النشاطات الأمنية والعسكرية لـ«حزب الله» واصفًا إياها بـ«الأعمال غير القانونية» ومطالبًا بتسليم السلاح.

قال وزير العدل عادل نصّار إن المدعي العام أمر الأجهزة الأمنية باعتقال من أطلقوا النار باتجاه إسرائيل. ومنذ بدء الهدنة اعتقلت السلطات اللبنانيّة أشخاصًا أطلقوا صواريخ عبر الحدود، رغم أنه لم يُذكر انتماء أي منهم رسمياً إلى «حزب الله».

يقرأ  انكسرت الفرحةاحتفالات زفاف في غزة قطعت عقب هجوم إسرائيلي— الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

لم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من «حزب الله» على قرارات الحكومة.

تواصل القصف على الضاحية صباح الاثنين، ولم ترد أنباء عن هجمات على مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، لكن معظم الرحلات أُلغيت وفقًا لموقع المطار.

أظهرت لقطات محلية طرقًا مزدحمة بالمركبات تتجه شمالًا من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، وفرّ كثيرون سيرًا على الأقدام.

نشرت الحكومة قائمة بالمدارس حول بيروت التي فتحت أبوابها لاستقبال المشردين. وأبدى منتقدو حكومة سلام، بمن فيهم مؤيدو «حزب الله»، استياءهم وغضبهم من عدم حماية الدولة للمناطق المتضررة.

أخذ عقيل أسرته إلى إحدى المدارس المدرجة على القائمة، وقال إنه لا يلوم الحكومة لأنها تحت ضغوط خارجية.

أعرب بعض السكان الذين فرّوا أو نزح أفراد عائلاتهم من المناطق المتأثرة عن دهشتهم واستغرابهم من قرار «حزب الله» بالردّ. قبل الهجمات كان نحو ٦٤ ألف شخص نزحوا داخليًا في لبنان، غالبيتهم بسبب الدمار الناجم عن الحرب الإسرائيلية على لبنان.

لكن آخرين أبدوا تضامنهم الكامل مع «المقاومة».

«نحن المقاومة، وسنبقى مع المقاومة»، قال عقيل. «نحن، أطفالنا، وأبناء أحفادنا مع المقاومة وسنبقى معها».

أدعت امرأة أخرى تقف أمام المدرسة وقد فرّت من حي الحارة حريك أن اللوم الحقيقي يجب أن يوجه لإسرائيل، ورفضت الإفصاح عن اسمها. «أي إنسان كريما يحزن لمغادرة بيته»، قالت بينما كان طفل يبكي قريبًا. «لكن الإسرائيليين بلا إنسانية. تخيّل أن تترك أرضك وهم يقيمون دولة على أرضك».

وأضافت سيدة جالسة إلى جانبها من قرية حولا الحدودية: «ولكن هذا لا يكسرنا». «رؤوسنا مرفوعة، وبإذن الله ستبقى أرضنا لنا.»

قدّم حزب الله دعماً لبعض المهجّرين عبر تسديد الايجارات ومساعدات مالية أخرى، إلا أن كثيرين من اللبنانيين قالوا إن تلك المساعدات لم تكفِ لتغطية احتياجاتهم الأساسية.

علي، نازح يقيم في برج قلاواي، وهي قرية تعرّضت لضربة إسرائيلية في وقت مبكر من صباح الاثنين، قال إنه ينتظر رفع الانسدادات عن الطرق قبل التوجّه إلى بيروت، لكن الوضع «ليس جيداً». وأضاف: «هناك الكثير من الغارات والكثير من الطائرات المسيرة فوقنا».

يقرأ  اعتقال مشتبه به عقب مقتل السياسي الأوكراني أندري باروبي في حادثة إطلاق نار

يأس استراتيجي

بعد الهجمات الأولية الإسرائيلية‑الأميركية على إيران يوم السبت وردّ طهران باستهداف مواقع في أنحاء المنطقة، تردّد في البداية احتمال انخراط حزب الله مباشرة. لكن الحزب أصدر بياناً أكد فيه أنه «سيلتزم بمسؤولياته تجاه المقاومة».

إيران هي الراعي الأساسي لحزب الله ومرجعه الأيديولوجي. كما يشكّل الحزب ركيزة جوهرية في «محور المقاومة» المدعوم إيرانياً، ذلك الالتفاف الفضفاض الذي يضم حماس والحوثيين وقوات الحشد الشعبي العراقية، وحتى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.

يقول محلّلون إن حزب الله كان على الأرجح واعياً قبل هجومه بأن لذلك تبعات خطيرة على المجتمع الشيعي اللبناني، الذي يستمدّ منه الحزب الجزء الأعظم من دعمه.

وصف نيكولاس بلانفورد، الزميل الكبير غير المقيم في مركز الأتلانتيك، العملية بأنها مجموعة صواريخ محدودة، وأنها بدت وكأنها استهدفت مناطق مفتوحة بدلاً من أهداف حقيقية لإحداث أضرار كبيرة أو حصيلة بشرية كبيرة. لكنه أشار إلى أن ذلك أعطى الإسرائيليين ذريعة — لو كانوا في حاجة إليها — للتوغّل والبدء بقصف حزب الله في الجنوب والبقاع والضاحيه بقوّة أكبر.

وأضاف بلانفورد أن الخطوة قد تكون خطأ لكنها ربما لم تكن تحت سيطرة الحزب بالكامل: «الإيرانيون لعبوا دوراً أكثر توجيهاً لحزب الله خلال العام الماضي تقريباً، لذا يصعب التكهن بمآلات الأمور. لا أعتقد أن حزب الله سيستمر في الرد لأن ذلك ينعكس سلباً عليه داخلياً وسيكون بلا جدوى».

قال عماد سلامة، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية‑الأميركية، إن ردّ حزب الله يجب أن يُفهم على أنه فعل يائس استراتيجياً: «جاء الرد رغم تداعياته على لبنان. بقاء المحور أولوية تُقدم على الكلفة الداخلية». وأضاف: «المخاوف المجتمعية والاعتراضات اللبنانية الأوسع تأتي ثانوياً أمام ما يراه الحزب لحظة تاريخية قد تحسم مصير محور المقاومة».

أضف تعليق