إيران تصعّد رداً على اغتيال المرشد والضباط الكبار
بعد تأكيد وسائل الإعلام الإيرانية وفاة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، بدا أن طهران مصممة على الانتقام. أعلن الحرس الثورى تعهدَه بردٍّ قاسٍ وشنّ ما وصفه بـ«أضخم العمليات الهجومية في تاريخ القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية ضد الأراضي المحتلة وقواعد الإرهابيين الأمريكيين». في موازاة ذلك، واصلت طهران ضرب أهداف عسكرية أمريكية وإسرائيلية في منطقة الخليج مستخدمة طائرات مسيّرة من طراز شهد وصواريخ باليستية عالية السرعة.
التصعيد العسكري والسياسي
تعهد قائد الجيش الإيراني، أمير حاتمي، بمواصلة الدفاع عن البلاد، وأفادت تقارير بأن سلاح الجو نفّذ غارات على قواعد أمريكية في المنطقة. هذا ليس أول رد إيراني؛ ففي الحرب التي استمرت 12 يوماً الصيف الماضي أطلقت طهران موجات من الصواريخ الباليستية ضد إسرائيل وضد قاعدة العديد في قطر، حيث استهدفت جزءاً من القدرة العسكرية الأمريكية في المنطقة. كثير من الصواريخ أُسقطت أو تم اعتراضها، وكان القصف على العديد شكلاً من أشكال حفظ ماء الوجه بالنسبة لإيران.
بنية عسكرية معقدة تهدف للحماية
يصف المحلّلون القوة العسكرية الإيرانية بأنها غامضة ومعقّدة. تعمل في إيران جيوش موازية وهياكل استخبارية متعددة وقيادات متداخلة ترفع تقاريرها مباشرة إلى المرشد الأعلى بصفته القائد العام للقوات المسلحة. الجيوش الموازية تشمل «الارتش» المسؤول عن الدفاع الإقليمي وفضاء الجو والحروب التقليدية، إلى جانب الحرس الثورى الذي يتجاوز مهامه الدفاعية ليحمي البُنية السياسية للنظام. يسيطر الحرس أيضاً على الفضاء الجوي وترسانة الطائرات المُسيّرة التي أصبحت عصب استراتيجية الردع الإيرانية. يرى محلّلون أن تعقيد هذه البنية استراتيجية مدروسة لحماية البلاد من تهديدات خارجية وداخلية، ومنع محاولات انقلاب أو اختراق سياسي.
أسلوب الرد: طائرات مسيرّة وصواريخ ومصارعة بالوكالة
ردّت إيران على الضربات بالتزامن مع إسرائيل والولايات المتحدة عبر إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة مسلحة باتجاه أهداف في الخليج وإسرائيل. اعترضت دول عدة معظم هذه القذائف لكن بعضها أصاب أهدافاً عسكرية وبنى تحتية مدنية، وسقطت شظايا المقذوفات في مناطق سكنية. أفادت تقارير أن طهران أطلقت 137 صاروخاً و209 طائرات مسيرة عبر أجواء الإمارات، مما أسفر عن حرائق عند معالم في دبي وأضرار في مطارات أبوظبي ودبي والكويت، كما سقطت ضحايا في بعض الحوادث. في الضفة الأخرى، أسقطت هجمات إيرانية صواريخ على بلدة بيت شيمش الإسرائيلية ما أودى بعدد من القتلى وإصابات متعددة.
الاستراتيجية الإيرانية: البقاء واستعادة الردع
يقدّم المحلّلون الاستراتيجيون ملامح خطة طهران الحالية: البقاء في وجه الضغوط الشديدة من إسرائيل والولايات المتحدة، إعادة بناء القدرات الأساسية، واستعادة الردع عبر تصعيد غير متناظر ومدروس باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة ووكلاء إقليميين. من عناصر هذه الاستراتيجية «التحمّل اللامتناظر» عبر تشديد حماية منشآت الصواريخ (ما يُسمّى بـ«مدن الصواريخ»)، تشتيت مراكز القيادة، وقبول حدوث أضرار مبدئية للحفاظ على قدرة الضربة الثانية بدلاً من محاولة منع كل ضربة محتملة. كما تشمل الخطة تشبع الساحة الإقليمية وإشراك فصائل بالوكالة مثل حزب الله لتنفيذ هجمات متزامنة تُرهق منظومات الدفاع الإسرائيلية والأمريكية وتفرض كلفة إقليمية على مَن يهاجم طهران.
توسيع الساحة والضغط الاقتصادي
أطلقت جماعات مثل حزب الله صواريخ نحو شمال إسرائيل انتقاما من اغتيال خامنئي، وهدّدت إيران بإغلاق مضيق هرمز لرفع المخاطر الاقتصادية العالمية والضغط على الغرب ودول الخليج. يمر عبر المضيق نحو 20–30 بالمئة من إمدادات النفط والغاز العالمية؛ أي اضطراب هناك قد يؤثر على استقرار الأسواق العالمية. حتى الآن لم تُغلق إيران المضيق رسمياً، لكن بيانات الملاحة أظهرت تجمع عشرات الناقلات في مياه الخليج المفتوحة تفادياً للمخاطر.
ما الذي تغيّر منذ المواجهة السابقة؟
في يونيو من العام الماضي انخرطت إيران وإسرائيل —بتأييد أمريكي لإسرائيل— في حرب دامت 12 يوماً بدأت بهجمات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية ونووية إيرانية وأسفرت عن قتل علماء وقادة عسكريين بارزين. ردّت طهران بمئات الصواريخ الباليستية نحو المدن الإسرائيلية، وتبادل الطرفان الضربات مع وقوع خسائر أعلى داخل إيران مقارنةً بإسرائيل، على الرغم من أن بعض الصواريخ اخترقت منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية. دخلت الولايات المتحدة الصراع لاحقاً بضربات مضادة على منشآت نووية إيرانية مثل نطنز وفوردو وأصفهان، ما وسّع أفق المواجهة وعقّد ديناميكية التصعيد بين الأطراف. بعد ذلك ادّعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القدرات النووية لايران قد تم تحييدها.
تم التوصل في نهاية المطاف إلى وقف إطلاق نار هش توسطت فيه الولايات المتحدة في 24 يونيو، بعد ساعات من إطلاق إيران صواريخ على أكبر قاعدة جوية تستضيف القوات الأمريكية في الشرق الأوسط — قاعدة العديد في قطر (العيُدِيد).
أوضح فيليبز أن طهران منذ ذلك الحين أعادت صياغة عقيدتها العسكرية، فانتقلت من اعتماد أساس دفاعي يركّز على الاحتواء إلى مواقف هجومية غير متماثلة بشكل واضح. «حرب يونيو 2025 شكّلت نقطة تحوّل رئيسية من مواجهة قائمة إلى حد كبير على وكلاء إلى تبادل مباشر وكثيف بين إيران وإسرائيل، مع تدخل أمريكي»، كما قال.
وأضاف أن طهران باتت تتبنّى رسمياً استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات الإلكترونية وابتزاز الطاقة في وقت أبكر وبمدى اوسع في خطتها العسكرية، غير أنها تواجه قيوداً تشغيلية جراء أضرار المعارك والعقوبات وعدم الاستقرار الداخلي. كما لاحظ فيليبز أن إيران أصبحت أكثر تقبلاً للمخاطر وذهنية تصعيدية منذ يونيو الماضي.
«لكن تدهور قدراتها وخوفها من استثارة حملة تهدف إلى إسقاط النظام يدفعانها إلى تبنّي تفجّرات عدائية محددة ومُحسوبة بدلاً من خوض حرب مفتوحة طويلة المدى»، قال فيليبز. وأضاف أن «ردّها الفوري من المرجح أن يشبه الردّ بعد اغتيال قاسم سليماني».
في يناير 2020، بعد أن استهدفت إدارة ترامب قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني مع ستة آخرين في غارة جوية قرب مطار بغداد الدولي، أطلقت إيران أكثر من عشرة صواريخ على قاعدتين عراقيتين تستضيفان قوات أمريكية، ولم تُسجّل خسائر بشرية.
توقّع فيليبز أن تلجأ إيران إلى «هجمات زائدة عبر وكلائها… خلال فترة الحداد انتقاماً لاغتيال الزعيم»، وأضاف أن هناك احتمالاً كبيراً لشنّ هجوم صاروخي عابر للقارات على إسرائيل لإثبات موقف والردّ.
هل تعمل الاستراتيجية العسكرية الحالية لإيران؟
يرى محلّلو الدفاع أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على مدى نجاح الاستراتيجية المُعادَة المعايرة. قال خبير عسكري ومسؤول سابق: «لدى إيران جيش قوي، لكن لا وجود حاليا لقوات برية مباشرة؛ الحرب جوية بطبيعتها. إيران في وضع تفاوتي بالنسبة للدفاع الجوي مقارنة بالولايات المتحدة وإسرائيل. زادت طهران مخزونها من الصواريخ الجوية، لكن الزمن وحده سيبيّن مدى قدرتها على الصمود».
شبّه فيليبز إيران بـ«حيوان جريح» وقال إن مفهوم الردع الضيق يشير إلى أن استراتيجيتها نجحت نسبياً insofar as أنها أظهرت أنها لا تزال قادرة على شنّ هجمات صاروخية وطائرات مسيرة ذات أثر بعد ضربات 2025، كما أجبرت إسرائيل والولايات المتحدة على خوض حملة دفاعية وهجومية مستمرة ومكلفة بدلاً من عملية نزع سلاح سريعة ومحددة. لكنه شدّد على أن البُنى التحتية النووية والصاروخية تضررت بشدّة، والاقتصاد تدهور أكثر، وفقدت الضربة في طهران المرشد الأعلى آية الله خامنئي، مما جعل النظام أكثر هشاشة وتعقيداً داخلياً، وهو ما يدلّ على أن الاستراتيجية لم تمنع وقوع انتكاسات استراتيجية جسيمة.
إلى متى يمكن لإيران أن تصمد؟
حتى قبل الضربات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة على إيران يوم السبت، حذّر مسؤولون إيرانيون من أن أي هجوم من واشنطن أو تل أبيب سيُعامل كبداية لحرب أوسع، وليس عملية محدودة. وبعشيّة اغتيال خامنئي، استمر هذا الموقف.
قال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، في خطاب تلفزيوني موجهاً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل: «لقد تجاوزتم خطّنا الأحمر وعليكم أن تدفعوا الثمن». وأضاف: «سنوجّه لكم ضربات مدمّرة تدفعكم إلى التسول»، بحسب تصريحه.
وبينما تتبادل إيران والولايات المتحدة وإسرائيل الضربات الجوية منذ ذلك الحين، لا يزال من غير الواضح إلى متى سيستمر الصراع. يرى فيليبز أن إيران قادرة عسكرياً على استمرار «عمليات صاروخية وطائرات مسيرة ووكلاء وحرب إلكترونية متقطعة لسنوات» لأنها نظم غير مكلفة نسبياً ويمكن إنتاجها ونشرها من منشآت متناثرة ومحصّنة حتى تحت وطأة العقوبات. لكن سياسياً واقتصادياً، فإن صراعاً مكثفاً ومطولاً يعرض البلاد لخطر انكماش اقتصادي حاد، واضطرابات داخلية، وتآكل مزيد من شرعية النظام. لذلك لدى طهران دوافع قوية للتأرجح بين تصعيد متقطع وتهدئة ضمنية بدلاً من خوض حرب شاملة مستمرة.
إلى متى يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل الصمود؟
حذّر الرئيس ترامب إيران مراراً من الانتقام وهدّد بأن الولايات المتحدة قد تضرب إيران «بقوة لم يُشاهد مثلها من قبل» في حال ردّت؛ لكنه قدّم رسائل متضاربة حول طول أمد الحرب المحتمل. منذ مطلع فبراير، كثّفت الولايات المتحدة نشر أصول عسكرية واسعة النطاق في الشرق الأوسط وسط تصاعد التوترات مع إيران.
تشير تحليلات الاستخبارات المفتوحة وبيانات تتبّع الرحلات العسكرية إلى أن الولايات المتحدة نشرت منذ أوائل فبراير أكثر من 120 طائرة إلى المنطقة — أكبر زيادة في القوة الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ حرب العراق 2003. شملت التعزيزات طائرات إنذار مبكر E-3 وأف-35 وأف-22 إلى جانب أف-15 وأف-16، مدعومة بطائرات شحن وخزانات تزويد بالوقود جواً، ما يدلّ على تخطيط تشغيلي مستمر وليس مجرد دوريات روتينية.
لكن بعد مهاجمة إيران ظلّ ترامب غامضاً بشأن مدة الصراع. في الأول من مارس أخبر صحيفة نيويورك تايمز أن الحرب قد تستمر لأربعة إلى خمسة أسابيع؛ وفي مقابلة مع شبكة ABC قال بعد اغتيال خامنئي إن الولايات المتحدة لا تفكّر باستهداف أحد آخر؛ كما أشار في حديث مع مجلة The Atlantic إلى أن القيادة الجديدة في إيران وافقت على التفاوض، ممّا أشار إلى احتمال إنهاء الصراع الجاري.
قال كريستوفر فيذرستون، محاضر مشارك في قسم السياسة بجامعة يورك، إن الإدانات الدولية والمعارضة المحلية قد تشكلا حدوداً لقدرة واشنطن وتل أبيب على التصعيد. «يمكن للولايات المتحدة مواصلة نشر الأصول في المنطقة، لكن أي تصعيد إضافي سيستلزم جهداً سياسياً هائلاً وموارد كبيرة. ترامب ترشّح كرئيس يركّز على الشأن الداخلي، لكنه يتبنّى سلوكاً أكثر عدائية على الساحة الخارجية». «مع ذلك، لا يزال متحفظًا بشأن انخراط أجنبي طويل الأمد»، قال فيذرستون للجزيرة.
قال فيليبس إن إسرائيل تحتفظ بتفوّق نوعي على الصعيد العسكري، وشبكة دفاع صاروخي نشطة، ودعم أمني أمريكي قوي، ما يمكّنها من مواصلة حملات جوية وصاروخية متكررة وعمليات دفاعية لفترة ممتدة.
واضاف أن القيود الرئيسية تكمن في المرونة الداخلية (تعطّل المدنيين وإرهاق تعبئة الاحتياط) والتكاليف الدبلوماسية والاقتصادية المتراكمة لصراع إقليمي طويل الأمد؛ ما يوحي بأنها قادرة عسكريًا على خوض حملة استنزاف لسنوات، لكنها ستواجه ضغوطًا متصاعدة — داخلية وخارجية — لتثبيت الوضع قبل ذلك بكثير. كما أشار إلى أن دعم متعاقدي الدفاع الأوروبيين والبريطانيين قد يحدّد أيضاً، إلى حدّ ما، المدة التي يمكن لإسرائيل أن تستمر فيها في هذا النزاع.
يمكن للولايات المتحده أن تحافظ على وتيرة الضربات الحالية والانتشار الجوي والبحري ودعم الدفاع الصاروخي لفترة أطول من أي طرف إقليمي بالمعايير المادية البحتة، بالنظر إلى انتشار قوتها العالمية وقاعدتها الصناعية، كما قال.
«والقيد الحاسم هو الإرادة السياسية الداخلية وتحديد الأولويات الاستراتيجية»، لفت.
ساحة الصراع بين إيران وإسرائيل تختبر قدرة واشنطن على مواءمة استراتيجيتها الوطنية للدفاع مع محدودية القبول الشعبي لخوض نزاع شرق أوسطي آخر بلا نهاية محددة، قال فيليبس. «لذلك من المرجح أن تسعى الولايات المتحدة إلى حملة محصورة ترتكز على الردع بدلاً من حرب عالية الكثافة مفتوحة الأمد. ومحفز التوقف سيكون الإرادة السياسية للحلفاء ومقدار النفوذ الذي يستطيعون ممارسته على المرشد الأعلى القادم.»