بيروت، لبنان — رفع حزب الله من سقف التوتر مع الحكومة اللبنانية يوم الثلاثاء بعدما شن هجوماً على قاعدة رامات العسكرية الإسرائيلية وقصفاً صاروخياً استهدف منشأة عسكرية أخرى في هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل، ذلك بعد يوم من إعلان حكومة رئيس الوزراء نواف سلام حظراً على الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب.
قال محلِّلون إن قرار الحكومة، رغم صعوبته التنفيذية، قد يكون فاصلاً لمستقبل لبنان. يرى بعضهم أنه خطوة ضرورية لإعادة ملفات الأمن والدفاع إلى سلطة الدولة المركزية، بينما يحذر آخرون من أنه قد يعيد شبح الصراعات الداخلية إلى الواجهة.
قال إماد سلامي، عالم السياسة في الجامعة اللبنانية الأميركية، إن تنفيذ قرار نزع سلاح حزب الله “أكثر احتمالاً اليوم مقارنةً بالسنوات السابقة لأن القرار يحظى بدعم وطني واسع غير معتاد، بما في ذلك داخل الطيف السياسي الشيعي”. وأضاف أن تصويت حركة أمل يؤشر إلى أن دعم جمع السلاح تحت سلطة الدولة لم يعد يُرسم بوصفه مطلباً طائفياً أو مناوئاً للمقاومة فحسب، بل أصبح يُعرض تدريجياً كمقتضى لاستقرار الدولة، لا سيما في ظل الانهيار الاقتصادي وتصاعد التوتر الإقليمي.
من جانبه، رأى مايكل يونغ، خبير شؤون لبنان في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن القول أسهل من الفعل. وقال للجزيرة إن “التنفيذ سيكون أعقد بكثير. الجيش ليس متحمساً للدخول في مواجهة مع حزب الله”. وأضاف: “من الجيد أن الدولة اتخذت هذا القرار، لكن من غير الجيد أن يبدو الجيش متردداً جداً في تنفيذه”.
التحق حزب الله فعلياً بالحرب التي اتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل ببدئها ضد إيران يوم السبت، حين أطلق يوم الاثنين وابل صواريخ وطائرات مسيّرة نحو شمال إسرائيل، معلناً أنه ينتقم لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في طهران وللهجمات الإسرائيلية شبه اليومية على لبنان.
ردّت إسرائيل بقصف ضواحي بيروت الجنوبية بشنّات عنيفة أيقظت سكان المدينة، وأصدرت تحذيرات إخلاء لأكثر من خمسين بلدة، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من منازلهم.
حظر أنشطة حزب الله العسكرية
في خضم هذه التطورات، اجتمعت حكومة سلام وناقشت الأحداث قبل أن يعقد رئيس الوزراء مؤتمراً صحفياً طارئاً. قال سلام خلال المؤتمر إن “الحكومة تعلن حظراً على الأنشطة العسكرية لحزب الله وتقيّد دوره بالمجال السياسي”، مؤكداً رفض أي عمليات عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار المؤسسات الشرعية. واعتبر أن كل أنشطة حزب الله العسكرية أو الأمنية “غير قانونية”، وأن القوات الأمنية ستمنع أي هجمات تنطلق من لبنان ضد إسرائيل أو دول أخرى، معلناً التزام الحكومة بوقف الأعمال العدائية واستئناف التفاوض.
كان بيان الحكومة أقوى موقف رسمي ضد حزب الله حتى الآن، وقد نال تأييد رئيس البرلمان والحليف القديم للحزب، نبيه برّي، زعيم حركة أمل. وفي خطوة موازية، أمر وزير العدل عادل ناصر باعتقال من أصدروا أوامر الهجوم.
قرار تاريخي؟
لطالما كان حزب الله القوة السياسية والعسكرية الأبرز في لبنان لعقود. لكن حرب 2023–2024 مع إسرائيل ألحقت به خسائر كبرى؛ فقد فقد كثيراً من قياداته العسكرية بمن فيهم أمين عام كان له دور بارز. ومنذ نهاية تلك الحرب اشتد الجدل حول سلاح الحزب ودوره، وقد تعهدت حكومة سلام بنزع سلاحه، فيما قَبِل الحزب فقط بالتخلي عن أسلحته جنوب نهر الليطاني.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، استمرت إسرائيل في شنّ هجمات شبه يومية على جنوب وشرق لبنان، ومع ردود حزب الله اشتدت الضربات على ضواحي بيروت. ففي يوم واحد قُتل أكثر من اثنين وخمسين شخصاً وأُصيب أكثر من مئة وخمسين آخرين، واستهدفت ضربات مواقع في أنحاء لبنان وأُصدرت أوامر إخلاء لأكثر من خمسين بلدة.
أثار هجوم حزب الله المفاجئ على إسرائيل استغراب كثيرين، فيما لم تفاجئ ردود إسرائيل العنيفة المحلّلين. وانتقد بعضهم تصرف الحزب بوصفه عملاً متهوّراً منح إسرائيل ذريعة لتصعيد ضرباتها على لبنان، مع حديث إسرائيلي عن احتمال توغّل بري.
يرى محلّلون أن قرار الحكومة يكشف مدى تراجع مكانة الحزب منذ 2024. قالت دانيا عريسي، كبيرة المحلّلين في معهد نيو لاينز للاستراتيجية والسياسة، للجزيرة إن “قرار الحكومة بحظر جميع أنشطة حزب الله يمثل تحولاً مفصلياً في موقف الدولة تجاه نزع سلاح الحزب”. وأضافت أن ذلك يؤكد أن حزب الله خسر كثيراً، إن لم يكن كلّ قوته ونفوذه السياسي داخل الحكومة اللبنانية. ورأت أن تراجع موقف الحزب يقلل من احتمال اندلاع صدام مباشر مع الجيش اللبناني.
تحديات حزب الله للحكومة
لم ترحّب قيادة حزب الله بهذا الإعلان. نفى رئيس كتلة الحزب النيابية، محمد رعد، شائعات عن اغتياله ليل الاثنين وأصدر بياناً رداً على قرار الحكومة، قال فيه إن لا مبرر لأن تتخذ حكومة سلام “قرارات صاخبة” ضد مواطنين لبنانيين يرفضون الاحتلال ويتّهمون الدولة بعدم حماية السلام الذي طالما حرم العدو نفسه من احترامه وامتثاله. «فرضت إسرائيل حالة حرب يومية على الشعب اللبناني»، أضاف رعد.
“كان اللبنانيون يتوقّعون قراراً يردع الاعتداء، لكنهم اصطدموا بقرار يجرّم رفض الاعتداء ذاته”، تابع.
وصف جواد سلهب، الباحث السياسي والمحلل، خطوة الحكومة بأنها «خيانة جسيمة للشعب اللبناني وخيانة فادحة للدولة اللبنانية التي انتهكت سيادتها على مدار خمسة عشر شهراً».
“خمس عشرة شهراً من الصبر الاستراتيجي كلفتنا أكثر من خمسة مئـة شهيد، فيما استمر هذا العدو الصهيوني في عدوانه على لبنان وسيادته جواً وبرّاً وبحراً”، قال.
خلال الليلة الفاصلة بين الإثنين والثلاثاء استهدفت إسرائيل مواقع عدة في أرجاء لبنان، من بينها الضواحي الجنوبية لبيروت، وفي إحدى الغارات طال الاستهداف قناة المنار التابعة لحزب الله.
ثم، صباح الثلاثاء، شنّ حزب الله هجوماً آخر على إسرائيل، في ما فُسّر كتحدٍّ واضح لإعلان سلام.
وقد كلّف الجيش اللبناني نفسه تنفيذ قرار حكومي سابق بتسليح حزب الله أو تجريده من السلاح، وأعلن في يناير أنّه أتم “المرحلة الأولى” جنوب نهر الليطاني. غير أن حزب الله رفض الانخراط في المرحلة الثانية المقرَّرة بين الليطاني ونهر العوالي، قرب مدينة صيدا.
قال نيكولاس بلانفورد، الزميل غير المقيم في “المجلس الأطلسي” الأمريكي، لقناة الجزيرة إن خطوة الحكومة «جريئة» لكنها قد تكون صعبة التطبيق.
“كيف سيطبقون القرار؟” تساءل بلانفورد، مضيفاً أنّ ذلك يرفع من احتمال اندلاع صراع داخلي.