أول أسبوعين من الحرب على إيران: ما الذي تكشفه عن مستقبل المنطقة؟ الحرب الأمريكية — الإسرائيلية على إيران

استمع إلى هذا المقال | ٦ دقائق

معلومات

أول أسبوعين من الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على إيران ولّدا فيضاً هائلاً من الأخبار والدعاية والتكهنات. السياسيون والمحللون من كل الأطراف قدّموا معلومات وتحليلات متضاربة طمست حقائق الميدان وسببت إرهاقاً معرفياً للجمهور العالمي.

مع دخول النزاع أسبوعه الثالث، ما زال الترصّد الدقيق يكشف ديناميكيات جديدة وحاسمة قد تشكّل مساره ومستقبل الشرق الأوسط، وربما علاقات وتوترات على مستوى العالم. هذه وقائع جديدة تتغذى على بعضها لتولّد هذه اللحظة المدمرة.

أولاً، اتسع نطاق الحرب بحيث امتدّت الاشتباكات العسكرية إلى أكثر من عشر دول إقليمية، وورطت دولاً حول العالم تساعد كل طرف. التركيبة العالمية للدول المشتغلة في هذا الصراع غير مسبوقة، إذ تنهار الفرضية القائلة بأن بقاء دولة خارج المعارك يكفل لها الأمان. بدا ذلك واضحاً عندما قررت إيران استهداف دول الخليج والعراق والأردن لاحتضانها قواعد أميركية، وكذلك قبرص وتركيا لاستضافتهما قوات أمريكية وبريطانية.

ثانياً، أثر الحرب المباشر هزّ معظم دول العالم من خلال نقص النفط والغاز، قيود في الملاحة البحرية، ارتفاع الأسعار واحتمال ركود اقتصادي. لا توجد دولة تستطيع عزل اقتصادها أو أمن أسرها الأساسي من تداعيات الحرب، سواء على مستوى المواد الغذائية أو الأدوية أو حاجات الطاقة المنزلية.

ثالثاً، مدة الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران ستحدد آثارها طويلة الأمد إقليمياً وعالمياً. المعتدون من واشنطن وتل أبيب رهنوا عملهم بانتصار سريع وحاسم؛ ظنوا أنهم يستطيعون قتل وسقوط القيادة الإيرانية خلال أيام، لكنهم لم يحققوا ذلك بعد 14 يوماً من الهجمات المتواصلة. إيران وحلفاؤها يسعون إلى حرب مطوّلة تستنزف القدرات العسكرية والصلابة السياسية للمعتدين وتجبرهم على وقف إطلاق النار ووقف محاولاتهم لتحويل الشرق الأوسط إلى تجمع هش من خاضعين وولايات.

يقرأ  ارتفاع حاد في أسعار القهوة مع تفاقم جفاف البرازيل وتقلّص الإمدادات العالمية

رابعاً، الأسس الأيديولوجية للصراع لا تقل أهمية عن الوقائع الجيوسياسية. اسرائيل والولايات المتحدة هما حاملتا لواء آخر حملات الاستيطان الاستعماري الغربية في الإقليم، التي مكّنت الصهيونية من نزع أرض الفلسطينيين الأصليين وتحاول الآن فرض هيمنة عسكرية واقتصادية على الآخرين. الإيرانيون وحلفاؤهم يتطلعون بدلاً من ذلك إلى ردع وعرقلة الزحف الاستعماري الذي لطالما أنهك معظم دول الشرق الأوسط منذ القرن التاسع عشر والذي ما يزال نشطاً عسكرياً حتى يومنا هذا.

خامساً، طبيعة هذه الحرب تُظهر أننا دخلنا عصرًا جديدًا من الحروب. الجيوش الأمريكية والإسرائيلية تستغل تفوّقها الجوي والأقمار الصناعية لتدمير مرافق عسكرية وصناعية ومدنية في حملة جوية وحشية. وبوجود موارد ونيران محدودة نسبياً، طوّرت إيران وحلفاؤها ابتكارات تكنولوجية ولوجستية تقلّص أثر الضربات الجوية عليهم وتمكّنهم من مواصلة القتال.

سادساً، استعمال إيران لتقنيات متقدمة نسبياً ورخيصة ساعدها على اختراق دفاعات جوية بُنيت بأموال طائلة من قبل الولايات المتحدة. طائراتها المسيّرة المناورة وصواريخها فرط الصوتية أرهقت وأنهكت منظومات دفاعية مثل باتريوت وTHAAD، وأصاب العديد من الأهداف. لحق أضرار واسعة أيضاً في اسرائيل التي تتفاخر بتقنية «القبة الحديدية» المتقدمة وتُجبر على رقابة إعلامية ومجتمعية شديدة لإخفاء هشاشتها.

سابعاً، تعلمت إيران دروساً مهمة من قرنٍ من الهجمات الغربية-الصهيونية على كل من حاول مقاومتها. طهران نجت من محاولات اغتيال استهدفت قيادات عليا في أيام الحرب الأولى، نجحت في نقل القيادة العليا واستمرت في المقاومة والرد على الأعداء. لقد أدركت بوضوح أهمية نظام حرب لا مركزي: خلافات تخطيط لخلافات القيادة المخطط لها، أنظمة قيادة وسيطرة متينة، منشآت متفرقة للتصنيع والتخزين، ومنصات إطلاق مخفية للصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة البحرية وغيرها من الأصول الحيوية.

ثامناً، لا يمكن تقييم العواقب الكاملة للحرب حتى الآن بدقة لأن معلومات الأضرار الكاملة غير متاحة في معظم الحالات؛ ذلك سيظهر لاحقاً. لكن ما نراه أن الهجمات من كل الأطراف منذ الهجمة الافتتاحية الأمريكية-الإسرائيلية استمرت بتجاهل أحكام القانون الدولي التي يُفترض أن تحمي المناطق المدنية والبنى التحتية الأساسية والمواقع الثقافية في زمن الحرب. وحشية العديد من الهجمات، لا سيما ضد المدنيين، كانت صادمة. هذا ليس مفاجئاً بالنظر إلى فظائع ما تُوصف إبادة جماعية مستمرة في غزة من قبل أمريكا واسرائيل وتهديدات اسرائيلية بتحويل أجزاء من إيران ولبنان إلى اراضٍ خراب شبيهة بغزة.

يقرأ  خيتافي يهزم ريال مدريد ويبعده أربع نقاط عن برشلونة في الدوري الإسباني

أخيراً، أظهرت الحرب فشل اعتماد الدول العربية على الولايات المتحدة لحمايتها. بعد إنفاق تريليونات الدولارات خلال نصف القرن الماضي على شراء منظومات سلاح متقدمة واستضافة قواعد أمريكية، باتت العديد من العواصم العربية ترى عائداً ضئيلاً أو معدوماً على هذا الاستثمار. سيتعين عليها جميعاً إعادة تقييم كيف تتجاوز هذه الفجوة الكبيرة في قدراتها وسيادتها، وإعادة ضبط استراتيجياتها الدفاعية ومحورها الدبلوماسي.

كل هذه الديناميكيات مترابطة، وكلها تشير في اتجاه واحد: فلسطين. حرب إيران هي تجلٍ آخر للاضطراب الإقليمي والعالمي المتأصل الذي ولّده الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني الذي لم يُحل منذ أكثر من 75 عاماً.

لن يتحقق الاستقرار والسلام حتى يُتاح حل عادل لهذا الصراع. إلى أن يحدث ذلك، سيستمر العرب والإيرانيون والإسرائيليون في العيش في صراع وخوف، بينما يعاني الناس في أنحاء العالم من تداعيات الصراع العتيق بين الصهيونية والقومية العربية والمقاومة المناهضة للاستعمار في دول الجنوب — في المجالات العديدة التي تبلورت في الأسبوعين الماضيين.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها وليست بالضرورة انعكاساً للموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق