«لقد أمضيتُ… جزءًا كبيرًا من أيامي في الذكريات مؤخرًا»، كتبت الرسامة الفنلندية هيلين شيرفبيك في عام 1937.
ربما كانت حنينها ينبُع من ارتياح مفاجئ. ففي ذلك العام، منح نجاح معرضها الفردي الثاني لها تاجرَ أعمالٍ مخلصًا ودخلًا ثابتًا أخيرًا. وعلى رغم أنها بلغت الخامسة والسبعين، كانت لا تزال مشغولة بالرسم، وأعمالها قُدمت للمرة الأخرى في معرض باريسي مهم، حمل عنوانًا محرجًا نوعًا ما: «فنانات أوروبا».
مقالات ذات صلة
لم يكن الحروب قد فرضت عليها بعد مغادرة البيت، ولا ثمّة قسرٍ يبعدها عن وطنها؛ سيأتي ذلك بعد عامين، حين تجبرها الظروف على الرحيل ثم الاستقرار في فندق قرب ستوكهولم حيث توفيت عام 1946 متأثرة بسرطان المعدة. في تلك اللحظة، كانت فنلاندا حرة لأول مرة منذ قرون، وشيرفبيك بدورها كانت في وضعٍ مالي مريح، وبعد عقود من التدريس ورعاية المرضى، حازت مكانتها كأول فنانة تُعرض صورتها الذاتية على جدران جمعية الفن الفنلندية. كان ذلك منظرًا مناسبًا للاسترجاع والنظر إلى الوراء.
لا ينبغي أن يفاجئنا أن يعيش فنّان مُنكِرٌ للزمن في الذكريات، لكن اعترافها المتأخر بالحنين لا يتوافق تمامًا مع الصورة التي يحاول معرض شيرفبيك الحالي في المتربوليتان أن يروّج لها: «الحداثي الإسكندنافي الاستثنائي». كما أنه لا يتطابق تمامًا مع صورتها الذاتية. ففي بورتريه رسمته في نفس السنة، تطلّ عيون غائرة جانبيًا من وجهٍ مشدود، تسمح بالمراقبة لكنها تحرِم من المشاركة. هي مقطوعة، حادة، غامضة، لا تبتغي لقاء عيوننا أو تلبي توقُّعاتنا. ملامحها باردة، وذقنها مرفوعة بخشونة، ونظرتها لا ترحم. هي بكل تفاصيلها متجمدة التجريدية، والنجمة الثلجية للتيار الطليعي.
من المغرِي أن نرى شيرفبيك رائدة دربٍ جديدٍ في الرسم — أو بالأدق، «مكتشفة اختراق»، واحدة من أجيالٍ من الفنانين في فنلندا والنرويج والسويد والدنمارك الذين دفعوا تقاليدهم الوطنية إلى الواجهة في موجة ما سُمّيت «الاختراق الإسكندنافي» عند مطلع القرن العشرين. لم تكن مصائر البلدان دائمًا موحّدة—بل كانت تنافسية في كثير من الأحيان، نظرًا لتأثير جيرانها—إلا أنّ هذه الحقبة تُعتبر عادة نوعًا من نهضة إقليمية، إذ شكّلت الطفرة الاقتصادية وتحوّل الآفاق السياسية مناخًا لتجديد ثقافي. قيل إنهم قطعوا مع الرومانسية الحنينية لسابقِهم، وأنّ هذه الفترة قد أسهمت في بلورة تقنيات فنية تعكس إمكانات ومخاوف مجتمعٍ يمرّ بتحوّلٍ جذري. تذكّروا هيدا غابلر، بطلة إيبسن المملّة والجاذبة والمرعبة في آن واحد، كما صُدمت الجمهور في فيلم نيا داكوستا الأخير، وكذلك نضال المرأة من أجل الاقتراع—الذي أُحرز في فنلندا والنرويج قبل بقية أوروبا بفترةٍ طويلة.
قد يخطر في الذهن بسهولة مشهد صرخة إدفارد مونش (1893)، أيقونة القلق والاغتراب التي اعتبرها النقّاد نتاجًا لحياةٍ حضرية متسارعة. وحتى في أعمال هيلما أف كلينت ذات الألوان الحلوة نرى ميلًا إلى الخوارق، رد فعلٍ على تفكك التجريب التجريبي في القرن التاسع عشر. إن هؤلاء الفنانين، حتى وإن لم يرفضوا الحاضر دائمًا، فقد تقدّموه وابتعدوا عن المألوف بلا مبالاة، وبذلك كسبت جيلهم لقبًا حادًّا.
لكنّ «المخترقين» لم يكونوا دائمًا صاخبين، ولا كانت رفضاتهم دائمًا صارخة وواضحة. سلسلةٌ من المعارض الأحادية الحديثة التي كرّست أصواتًا أكثر تمثيلًا في الحركة (وأقل شهرة) تُظهر أن الحنين كان يعلو على هؤلاء الروّاد الإسكندنافيين بطريقة معقّدة. شيرفبيك ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة من الاستعادات الواسعة لفنّانين نالوا تقديرًا محليًا في شمال أوروبا لكن بقيت أعمالهم غامضة خارجه. على مدى العامين الماضيين شهدنا معارض لإينا آنشر في دوليتش، وكريستيان كروغ وهاريت باكر في متحف أورساي، وبرونو ليلجيفورس في البتيت باليه، وأكسلي جالين-كاليلا في بلفيدير؛ وهو هوس هادئ يثير الدهشة، خصوصًا إن نظرنا إلى الأسلوب الذي اتبعه كثيرون منهم: ليس رمزانية مونش، ولا تجريد أف كلينت، بل التمثيل الواقعي المتواضع الذي كثيرًا ما يُهمل بوصفه «لا شيء يذكر».
الواقعية لها سُمعة سيئة في تاريخ الفن. حتى لو بدأت في لوحات منيت وكوربيه المثيرة للجدل، فإنها سرعان ما استُوعبت في مؤسسات الفن التي ترتادها مغتربات مثل شيرفبيك. هنا تكمن المفارقة: عندما تتحول الواقعية إلى نمط مؤسسي، تصبح شائعة؛ ومع شيوعها تتخفف وتتعرض لاتهامات بالتحفظ. وعندما رُبطت لاحقًا بالسياسات الثورية للشيوعية، اتُهمت من جديد—هذه المرة بأنها امتثال باهت لا يُلائم فكرة التعبير الفردي التي ترتكز عليها أساطير الحداثة.
بوصفها الأسلوب السائد بين مختبري الاختراق الإسكندنافي، لعبت الواقعية دورًا معقَّدًا، حنينيًا كما هي ساخرة. فقد تكون ردًّا على الحنين الانتقائي للوحات منتصف القرن المُحِبّة مثل «موكب العرائس على مضيق هاردانجر» (1848)، مشهد مثاليّ يميل إلى الحلم أكثر مما هو تسجيل حقيقي؛ أو كما فعل كريستيان كروغ في لوحته «كفاح البقاء» (1889)، حيث وجّه فرشاته إلى عيون باهتة وأيادي يائسة تعبّر عن حاضر جائع بدلًا من مشاهدٍ رومانسية مُتوهَّمة.
لكنّ نفس الملاحظة الدقيقة قد تمنح أساطير دعائية هيبةَ الحقيقة. في لوحة «ليف إيريكسون يكتشف أمريكا» (1893)، تُستَخدم تفاصيلٌ دقيقة مثل حزامٍ ذهبِيّ ومِعطفٍ مُطرّز لمنح مصداقية لخطابٍ وطني رومانسي. وحتى لو بدت شخصيات آنّا آنشر في «الحاصدون» (1905) مرتدِية زِيًّا عصريًا، فإن طيفها الشمسي يبدو أكثر كمرثية لفكرة ريفية مُتخيَّلة ومندثرة، وربما لم تكن موجودة قط كما يُسوَّق لها.
تُعدّ شيرفبيك شخصية مُراوِغة داخل هذا السياق. إن بدا فنّها في نهايته متقدمًا إلى تفحُّص فرنسيس بيكون القاسي، فقد بدأ في ضبابية معلمها جول باستيان-لباج. كان لِباج، رسامُ الفلاحين، من أبرز ناقلي الواقعية—وخاصةً داخل المجتمع الإسكندنافي—وفي أعمالها المبكرة نتابع شيرفبيك تختبر نكهات ذلك الأسلوب: التاريخيات الحنونة في «فتاة مع مادونا» (1881)، اللمسات الشرقية الهادئة في «احتفال يهودي» (1883)، والبراعة الشبيهة بسارجنت في «أحذية الرقص» (1882).
ومن جانبه، يظهر المتحف نوعًا من الأسف لحضن شيرفبيك الواقعية، ربما لأن هذا الأسلوب كثيرًا ما حمل في طياته الحنين الرومانسي الذي ادعى أنه نَقدٌ له. يعتذر نص معروض عن «المواضيع الجندرية العاطفية» مثل المريضة الوردية في «التعافي» (1888) أو منظور الطفل في «منظر سانت آيفز» (1887)، ويُبرِّرها على أنها خطوةٍ معدّة نحو تجريد سيأتي لاحقًا. تتكرر كلمة «حنيني» في نصوص الجدران بتواتر يدل على قمعٍ ما؛ فـ«منظر سانت آيفز» وُصِف بأنه «يلعب بالقياس والمنظور عبر عدسة حنينية»، فيما يُقال إن اللوحة، رغم حنانها، تتضمن حرياتٍ في الفضاء والبناء تُنبئ بمرونة يد شيرفبيك لاحقًا.
قد يبدو طبيعياً أن نضاد بين الحنين والتجريد، وأن نعتبر الأول محطةً مؤسفة في طريق تطورٍ فني أرقى، ذلك الخطأ الشائع في قراءة أعمال الشباب المبكرة. لكن هذا التنافر مصطنع، خصوصًا في حالة شيرفبيك التي تخلَّت عن رومانسيّتها المبتذلة لكنها لم تتخلَّ عن ميلٍ للمواضيع البيتية والبسيطة.
عندما انتقلت من هلسنكي إلى هيوفينكيا عام 1902 للاعتناء بوالدتها المريضة، كانت قد ذاقت من حريات باريس البوهيمية وجالت في أوروبا—فلورنسا، فيينا وسانت بطرسبرغ—لتقلد الأعمال القديمة. قد يُفسر البعض لوحاتها المنزلية باعتبارها نتيجة آفاق محدودة بفعل الظروف. ولكن، هل من سيِّئ أن نطلق عليها وصفًا «حنينيًا»؟
ربما ننسى أحيانًا أن كلمة «الحنين» كانت أصلًا تُشير إلى شُحّ المشاعر والعاطفة. يُقال إن شيرفبيك أحيانًا كانت تطلب من النماذج أن تدير وجوهها بعيدًا عنها أثناء الرسم، كأنما تريد رؤيتهم ككتلٍ لونية وشكلية فقط. ولكن إن كان صحيحًا أنّها حبّت تصوير من لا يلتفت إلينا، فإن هذا الاغتراب لا يبدو ميلًا للفنِّ على حساب البشر، بقدر ما هو غريزةٌ ولدت من الألفة: لا يمكن أن نعرف ما يحجبه الآخر عنا—وما يُحجب في الغالب هو الجزء الأكبر.
حنين شيرفبيك هو واقعية رصينة في العلاقات. ما تكشفه لنا لوحات مثل «في البيت (الأم خياطة)» 1903، أنّ حتى في أضيق الزوايا ثمة ما لا يمكننا بلوغه. أن تنظر إلى من لا ينظر إليك ليس فعلَ قوة، بل فعل ألم.
هذا الموسم تتقاسم شيرفبيك الأضواء والحسّ مع ابنٍ آخر من جيل الاختراق الإسكندنافي: فيلم يواكيم ترييه «القيمة العاطفية». في قلب الفيلم بيتٌ أحمر السطح، مصنوع من خشب لون خبز الزنجبيل المحروق، يُروى أنه ظل في العائلة أجيالًا، أرشيف للذكريات. تفاصيله الحالمة تستحضر حكايات الأخوين غريم وخيالات الراحة التي قد توفرها دولة رفاهية مُموَّلة بالنفط.
عندما تبدأ جدّة نرويجية حكيمة السرد بصوتها—ما يطفئ أحيانًا واقعية ترييه ويُشعل السحر—ندرك أن الفيلم يتعامل مع أنماطٍ نمطية: ليس الأسرة المثالية بل الأسر نادرًا ما تكون متصالحة؛ ومع ذلك سيحلّ شِقاقها بالحوار الجاد والوجوه المكثفة. البيت بمظهره القديم هو واجهة لنوعٍ من الحنين الذي يثير اشمئزاز ترييه، وهو ذات الحنين الذي يودّ أن يدافع عنه.
أسلوبه القديم قد يبدو ساذجًا وبسيطًا، كأوجه الممثلين غير المكلّفة بالمكياج. لكن العين اليقظة تلتقط في انحدار سقف البيت ملامح كنيسة خشبية من العصور الوسطى، وفي تقوسات الواجهات إيماءات لسفينة فايكنغ. ذلك الخليط المعماري المرح المعروف باسم «ستايل التنين» (Dragestil) اختُلق من حنين إلى ماضٍ بدا أبسط من الحاضر. إنه حنين أقل براءة مما يلمّح إليه العنوان. ولعله من الملائم أنه حين تصل الشخصيات إلى مصالحتها الحتمية، يتخلى ترييه عن الادّعاء: لم نكن في ذلك البيت أصلًا—كنا على خشبة تصوير طوال الوقت.